[mks_button size=”large” title=”تحميل” style=”rounded” url=”http://old.tafra.ma/wp-content/uploads/2018/07/ContributionMBC-08-2017-ar.pdf” target=”_self” bg_color=”#be1e2e” txt_color=”#FFFFFF” icon=”” icon_type=”” nofollow=”0″]
“الملك طيب، و الطبقة السيسية سيئة” : سردية في اخر انفاسها؟
مونية بناني شرايبي
في أعقاب خطاب العرش في 29 يوليو 2016، أجمع المحللون على أن هجمة محمد السادس ضد الأحزاب السياسية هي الأعنف على الإطلاق. بيد أنه في المغرب، فإن “أزمة” و”ضعف” و”إختلال” الأحزاب هي شكاوى قديمة. فبعد وفاة الحسن الثاني، تم إثراء الجوقة بنغمات جديدة، مع إدخالها في الخطب المتبناه من قطاع واسع من الخطباء: المواطنون العاديون، وسائل الإعلام، فاعلو المجتمع المدني، المنظمات الدولية، ممثلو أحزاب مختلفة، الملك وحتى مجموعة من الباحثين. هذا التوافق التقريبي حول تشخيص “الرجل المريض” يمتد إلى تعريف الأعراض، ولكن تختلف الأراء حول مصادر الشر ووسائل العلاج.
إلا أنه هناك تنافر. فتداول المعرفة يتدخل في تعريف الخطب السياسية عبر تهجين الحس العام والمقولات العلمية المعاد تدويرها. في المقابل، تبدو بعض التحليلات كمحاولات لإضفاء الشرعية على السلطة السياسية من قبل “منتجي المعرفة”. في محاولة لفك هذا التشابك، فإنه من الأهمية بمكان التفرقة بين مستويات التحليل. أولا، إن الرواية الرسمية حول الأحزاب السياسية المغربية هي آلية لإضفاء الشرعية وكذلك لنزعها، وهي متجذرة في سياق تاريخي. على مستوى ثاني، هناك قراءات أكاديمية ميزت دراسة الحياة الحزبية حتي إعادة صياغتها في النقاش العام. من هنا، فإن الفرضية التي سوف يتم مناقشتها هنا هي: أن الخلط بين الأنماط وتضخم خطابات وصم الأحزاب السياسية تلقي بظلالها على الديناميات المستخدمة من ناحية، فالأحزاب السياسية القائمة بذلت قدرات قوية على التأقلم. ومن ناحية أخرى، فإن الساحة الإحتجاجية إمتدت وراكمت الخبرات المكتسبة لدرجة القبول طواعية بأن “الطبقة السياسية سيئة”، ولكن بالأحرى من أجل دفع “الملك الطيب” في مأزق.
“الملك طيب، و الطبقة السيسية سيئة” : سردية قديمة
تحت حكم الحسن الثاني، كان تشويه الأحزاب السياسية، المنتمية للحركة الوطنية، عملة رائجة. وفي كل مرة كان أحد المقربون من القصر يشرع في إنشاء حزب “إداري”، وكان التبرير المساق تمثيل “الأغلبية الصامتة”، و”ملء الفراغ السياسي”، وحشد الفاعلين الأكثر “كفاءة” لتنفيذ توجهات القصر، إلخ.
بعد صعود محمد السادس، سادت المقولة التي كانت سائدة في عهد الحسن الثاني: “الملك طيب ومحيطه سئ”، ثم أخلت المجال للصيغة التالية: “الملك طيب، والطبقة السياسية سيئة”. فلعن الأحزاب السياسية، “الفاسدة في مجملها” يعد جزء أساسيا من آلية إضفاء الشرعية على الملكية. كما لو إخراج المشهد لملك قريب من الشعب، فعال ومصدرا لكل الإنجازات الإيجابية للسلطة التنفيذية، والتي لا يمكن تأكيد تجسده إلا عن طريق تصدير السلبية عن “الطبقة السياسية”، ككبش فداء ضروري لإحكام السردية في نسختها الأجدد.
يظهر الملك “كأمير مستنير” قابع أعلي المجال السياسي الوطني، قائم على “رجل مريض”، وقد عكست خطبه هذا التصور لشجب والإنذارات والسمات التي تستهدف الأحزاب السياسية: “الفساد”، تنقل المنتخبين بين الأحزاب بعد انتخابهم، “غياب الكفاءة”، “البلقنة”، غياب الديمقراطية الداخلية، غياب التجذر في المجتمع، إلخ. هكذا، ردد الملك في رسائله إلى الشعب، بشكل متكرر “توجهاته” للأحزاب السياسية، لحثها على إعادة تأهيل نفسها، والإضطلاع بمسئولياتها، لتصبح “مدارس للديمقراطية”، ولكي “تتماشي مع متطلبات العصر”، إلخ. وقد وصل به الامر مرات إلى أن يصف العلاج (عبر قانون الأحزاب لعام 2006).
كما تضافرت جهود بعض فاعلي المجتمع المدني في هذه الشراكة المعنية “بإعادة الضبط”، والتي تتولاها البرامج الدولية لتعزيز الديمقراطية دون إختبار لصورة الرجل المريض. غير أن قياس أثر هذه البرامج قد أوضح هشاشة فاعليتها: فبدلا من الدفع نحو الديمقراطية، مالت هذه البرامج نحو دعم السلطوية، بدون تأثير على أداء الأحزاب لا داخليا ولا في علاقتها مع المجتمع (بوليير، ستورم 2010، كاكي 2017) (Bolleyer, Storm, 2010; Khakee, 2017). بالإضافة إلى هذا، وكما يؤكد محمد ساسي (2015)، فإن النواحي الواردة في قانون الأحزب والتي كان من المفترض أن تدفع إلى التحول الديمقراطي (تمثيل المرأة والشباب ودورية المجالس المنتخبة، إلخ)، غالبا ما تم التحايل عليها وإفراغها من قدرتها على التغيير. هكذا ساهم كل طرف في تعضيد رواية غياب الأهلية عن الاحزاب السياسية وتعددت استخداماتها ضمن أطراف الدائرة السياسية بنجاح عام في المجمل. وتحصنت كل تنويعات الرواية بنقاط التلاقي بين ما هو داخلي وما هو دولي، ليستمر الخطاب المسيطر ويجدد زخمه، زاحفا إلى أرضية التحليلات الأكاديمية ليقتات منها ليدعم هيمنته.
إسقاطات أكاديمية على “الأزمة” و”ضعف” الأحزاب
إن تكرار طرح مسألة ضعف الأحزاب السياسية مرتبط بالهيمنة التي مارسها نموذج الحزب الشيوعي منذ القدم (فريتل، لوفابر 2008) (Fretel, Lefebvre, 2008). وللتذكرة، فإنه في ظل هذا المقياس، وضع موريس دوفيرجيه Maurice Duverger الإطار المفاهيمي للتعارض الشهير بين “حزب الجماهير” و “حزب الكادر” (دوفيرجيه 1976) (Duverger, 1976). منذ هذا الوقت، أصبح نعت الأحزاب بالضعف يأتي للتأكيد على خمس “عيوب”: “تقصير” مؤسسي، “عجز” إيديولوجي، “غياب” للمناضلين المتفانين والمنتظمين، “ضعف” القدرة على حشد الجماهير في كل أنحاء البلاد، “فقدان” الاستقلالية المالية. تأطير كهذا، كان من السهل أن يعبر الحدود، مقارنة “بالخلل الوظيفي” للأحزاب السياسية المرتبط بأحد الخصائص الكبرى للسلطويات ذات التعددية الحزبية، وذلك بغض النظر عن الرؤية النظرية المفضلة. في حالة المغرب، استمرت تعتمد علي المداخل الثقافية، الإجتماعية- التاريخية، والمؤسسية الجديدة.
الأحزاب السياسية: واجهة للزوايا والقبائل ؟
في كتابه المرجعي، يوضح روبرت ريزيت Robert Rézetteإحدى مفارقات الأحزاب السياسية المغربية تحت الحماية. وعلى الرغم من أن الوطنيين المغاربة كانوا معارضون بشدة لظاهرة الزوايا على المستويات العقائدية والروحانية والسياسية، إلا أن النموذج التنظيمي الخاص بها تم استيعابه، وفقا للعديد من الشهادات في أسلوب النظر الي الأحزاب، هناك بصمات مقصودة تهدف إلى مد افاق الحشد. فمثلا، في المناطق الريفية، تم تشبيه علال الفاسي بالشيخ، وحزبه بالزاوية، كما أطلق علي أعضاء حزبه تسمية العلاليين (ريزيت 1955) (Rézette, 1955). إلا أن هذا النموذج لالسلطة كان مختلف، مثلما يذكر عبد الله حمودي (2001)، فعلال الفاسي كان ضد “أشكال الخضوع المدقعة”، وكان لا يشجع على تقبيل اليد.
وبرغم من هذا، وفقا لعالم الانثروبولوجيا المغربي، فإن السلطوية السياسية العربية والتوافق الذي تلاقيه ينهل مصادره من أنماط ثقافية أعيدت صياغتها: فالسمات الرئيسية للعلاقة بين “الشيخ والمريد” تكمن في كل من دائرة التأسيس الروحانية وفي علاقات السيطرة. هذه الشبكة من القراءات عرفت نجاحا واسعا، حيث استند إليها بإنتظام مثقفون يساريون للتنديد بأحزابهم (السابقة). وهناك أيضا أطروحة أخرى تركت بصمتها في تحليل الحياة الحزبية المغربية.
في بداية السبعينات، أكد جون وتربيري John Waterbury أن إستمرار الملكية على قيد الحياة نتج في الأصل من الاستخدام الدفاعي للسلطة السياسية، والحفاظ عليها في مواجهة انقسام نخبة محدودة: “تتمثل الحياة السياسية في المغرب (…) في سرج دائم بين الوحدات السياسية، في جو أزمة وتوتر يساهم في الواقع في الإبقاء على توازن المجتمع وإعادته إذا ما دعت الحاجة لذلك”. (وتربيري 1975، ص. 24) (Waterbury, 1975 p. 24). من خلال رصده للاستمرارية على مستوى الثقافة السياسية، فإن عالم السياسة الأمريكي يعتبر أن السلوك السياسي للملك ونخبته لا يزال مشبعا بعادات “المخزن” والقبلية على الرغم من التقلبات الإجتماعية التي سببها نظام الحماية. من خلال هذه الرؤية، فإن الأداء المتسم بالزبونية على الساحة السياسية المغربية يفسر هشاشة التحالفات، وغياب التماسك بين الأفعال والائتلافات مع الإيديولوجية المعلنة، ويكرس تأسيس هذه الساحة كمكان لإستقطاب النخبة السياسية.
وبالتعمق في القراءات المفرطة لهذه الاطروحات، يبدو ضعف الأحزاب وأزمة الحكم كسمات جينية للثقافة المغربية. ولكن هناك اثنين على الأقل من المزالق لهذه الرؤية: ضمنيا، أن الثقافة يتم استيعابها ككيان متجمد، مستقر في الزمن ومنغلق على نفسه. بالإضافة لهذا، فإن إعطائها وزنا في مجرى التاريخ، أكثر تحديدا مقارنة بالعوامل الأخري، يجعل تحليل التحولات الإجتماعية والسياسية منحازا الي بحث الأصول.
“ضعف” الأحزاب: إحدى أثار نمط الإستعمار وعملية التحرر الوطني؟
من خلال منظور إجتماعي تاريخي، يؤكد كل من المعطي منجب (1996) وميشيل بينر انجريست (2006 ,Penner Angrist) على المنعطفات التاريخية المؤسسة. ووفقا للمؤرخ المغربي، فإن التجربة الإستعمارية كانت سطحية جدا وقصيرة في المغرب لتستطيع تغيير البني الإجتماعية والسياسية. ووفقا للباحثة الأمريكية، فإن السياسة الإستعمارية المطبقة في المغرب وأسلوب وصول المملكة إلى الإستقلال سمح بالحفاظ على النخبة التقليدية، ولم يؤدي لا إلي خلق نظام “مؤسس” مثل الجزائر، ولا إلي بلورة حركة وطنية مهيمنة (على غرار جبهة التحرير الوطنية).
وفقاً لوجهة النظر تلك، فإن خصوصية المغرب الأساسية تكمن في التشكيل الإجتماعي والتاريخي الذي تم التوصل إليه خلال عملية التحرر. فالملكية لم تلغى، ولم يكن هناك حزب تحرير يسمح لفاعل واحد بتوحيد الصفوف، وإستيعاب أو القضاء على المنافسين المحتملين، وفرض هيمنته، وإملاء قواعد اللعبة (قبل تأسيس حزب أوحد). من هنا، فقد أجمع الباحثون على أن بناء التعددية الحزبية من قبل الملكية المغربية كان له هدف رئيسي ألا وهو التصدي لتطلعات الهيمنة الخاصة بالحركة الوطنية. فالقصر لم يستطع التمكن من بلورة حزب قادر على تأطير كل مريديه بفاعلية، بشكل يواجه قدرات الحشد الإنتخابية لمن يتحدونه. من هنا، انتهت الملكية الي تبني استراتيجية تفتيت خصومها،مثلهم مثل حلفائها، عبر اللجوء للقمع وللاستقطاب على حد سواء.
من وجهة نظر هذه الكتابات، فإن إضعاف الأحزاب السياسية تجذر في السياق التاريخي ونتج قبل كل شيء عبر المواجهة بين القصر والحركة الوطنية. ومع ذلك، يجب التحذير من إعتبار أن “انتصار” الملكية مسجل في الجينات أو أن كل شيء تم تشكله خلال سياق نهاية الاستعمار.
“ضعف” الأحزاب: سمة جوهرية للسلطوية الإنتخابية؟
وفقا لمجموعة أخري من الأعمال الأكاديمية، فإن وجود أحزاب ضعيفة، مفكّكة ومستقطبة نسبياً يعد سمة مهمة للسلطوية “الإنتخابية”. فمنذ 1998، أصبح المغرب نموذجا أصليا لهذا المتغير الخاص بالتعددية المقيدة. من ناحية، فإن هذا النظام يتميز بوجود العناصر الأساسية للديمقراطية المؤسسية: حقل سياسي منفتح على أحزاب المعارضة وعلى المجتمع المدني، إنتخابات منتظمة ونسبيا تنافسية. ومن ناحية أخرى، فهو مشبع “بأعراض” “السلطة السياسية المسيطرة”(كاروثيرس 2002)(Carothers, 2002): سلطة الوصاية، بما أن الملكية تملك مجالات خاصة للانفراد بالحكم، دون الخضوع إلى المساءلة، ويلجأ الحكام، بصورة أقل أو أكثر “دقة”، إلى القمع وإلى المساس بالقانون، وإلى الاستغلال، فالعدالة ليست مستقلة، وجزء من المعارضة مستبعد، ووصوله إلى وسائل الإعلام الرسمية منعدم أو مقيد، والهندسة الإنتخابية تمنع تكوين أغلبية حقيقية، كما أن شرعية الإنتخابات، ومستوى المشاركة الإنتخابية، والثقة في المؤسسات العامة وأداء الدولة، كلها أمور محل شك.
في نهاية الأمر، في سياق كهذا، يصبح دور الإنتخابات والأحزاب السياسية الرئيسي هو تأمين بقاء النظام السياسي على قيد الحياة (جاندي 2008/ لوست- أوكر 2005) (Gandhi, 2008; Lust- Okar, 2005). ووفقا لتلك الرؤي، فإنه حين يواجه المسئولون عن الحكم بتحديات مهمة ولا يكسبون ريعا، فإنهم يحاولون الإستقرار من خلال إلتماس التعاون مع مجموعات أخرى. من أجل هذا، ينشأون مؤسسات لها وظائف كثيرة: كتلك الخاصة بقياس الحرارة، أو تفضيل تقسيم الغنائم بين النخبة أو العمل على إشباع الطموحات فيما يتعلق بالوصول الي الوظائف السياسية، لإعادة توزيع الموارد النادرة عبر شبكات الزبونية أو السياسات العامة، وإعطاء ضمانات للمستثمرين وللفاعلين الدوليين، أو إضفاء مصداقية على السياسات المطبقة، وخاصة عند التطرق الي بحث المسئولية في حالة الفشل.
على الرغم من جاذبيتها، فإن هذه القراءات تظل سجينة زاوية البحث التي تركز عليها: وهي فهم مرونة السلطوية. من هنا، فإنها تترك الصناديق السوداء دون أن تمسها، وتهمل السياسة اللا مؤسسية، ومن ثم تتغافل في صمت عن التجارب والأخطاء، وتراكم الخبرات وتوالي التحديات. هكذا يظل فهم ضعف الأحزاب كحتمية ثقافية وتاريخية أو جزء من السلطوية، دون التطرق إليه كسردية سائدة مما يعوق عملية إماطة اللثام عن المسارات الجارية على الساحة السياسية المغربية. وبتحويل زاوية المراقبة، يمكن ملاحظة أن معظم الأحزاب السياسية المغربية بذلت قدرات كبيرة للتأقلم.
ما بعد منظور “ضعف” و”أزمة” الأحزاب السياسية
الأحزاب السياسية المغربية تتأقلم على محيطها
منذ أن ألقت الملكية بنفسها في “العملية الديمقراطية”، أسس الإنضمام إلى أو رفض سياسات التوافق لخط فاصل رئيسي على الساحة السياسية وداخل الأحزاب السياسية نفسها. وزاد هذا التوجه مع تشكيل حكومة “التناوب” في 1998، وأثرت تعديلات هامة على السلطوية الملكية، والساحات الحزبية والإنتخابية والإحتجاجية. يبقى التأكيد على أن الخيارات المفضلة من قبل الفاعلين الحزبيين لا يمكن إختزالها في ثنائيات أخلاقية (“فاسدة”، “مباعة” مقابل “غير قابلة للفساد”، “نزيهة” و”مخلصة”). والواقع أن موقف الأحزاب فيما يتعلق بالنظام واستراتيجياتهم تجاهه مرهون بمجموعة من العوامل، من الأكثر هيكلة إلى المتناهية الصغر إجتماعيا. وهنا يتوجب الانتباه إلى المستويات الترابطية والتنظيمية: مثل إدارة الموارد المتاحة للفاعلين، وتصوراتهم عن بيئتهم، والديناميات المطبقة، وتقديرهم للبطاقات التي يمكن اللعب بها، ولمزايا وعيوب منافسيهم، إلخ.
أدوات لفهم المستويات الترابطية والتنظيمية
وفقا لأنتوني أوبرشال Anthony Oberschall (1973)، فإن أشكال الحراك تختلف تبعا لطبيعة العلاقات التي تسود داخل مجموعة ما، وبين المجموعات، ومع السلطات الإجتماعية والسياسية. وقد طور إطارا نظريا عبر تلاقي متغيرين. الأول أفقي، ويرجع إلى طبيعة العلاقات ودرجة التنظيم داخل المجموعة الإجتماعية (طائفية، جمعوية/أهلية، ضعيفة التنظيم). والمتغير الثاني وهو عمودي ويقترن بالعلاقات السائدة بين المجموعة والمجتمع ككل (مجموعات ومؤسسات في وضعية التأثير أو السلطة)، وبوجود أو بغياب همزة وصل. من بين الحالات التي تم رصدها، ننتناول إثنتين على وجه التحديد. عندما يكون أعضاء مجموعة متصلين ببعضهم من خلال روابط قوية ولا يوجد لديهم همزة
وصل لتوصيل مظالمهم إلى السلطات، فإنهم يميلون إلى تطوير قدرات هائلة على الحشد (مثال: حزب الاستقلال بين 1947 و1952، العدل والاحسان منذ التسعينات). على الجانب الآخر، فإنه عندما تكون العلاقات داخل المجموعة (أو بين المجموعات) منتفخة و/أو ضعيفة تنظيميا، ويوجد إتصالات بين السلطات، فإن الوضع يصير ملائما أكثر لالزبونية وللصراع الشخصي من أجل الترقي (مثال: معظم الأحزاب التي تحتل الساحة الإنتخابية المغربية حاليا).
من جانبه، يفرق ميشيل أوفرليه Michel Offerlé بين نوعين من الموارد الحزبية: “رؤوس الأموال الحزبية الجماعية” (علامة سياسية على المستوى الوطني، جهاز منظم، بوتقة للنشطاء المنظمين، إلخ)، و”رؤوس أموال فردية” (اسم، وضع إجتماعي، ثروة شخصية، زبائن إلخ). من هنا، فقد استنتج الباحث الفرنسي “ثلاث أنواع من العلاقات- دوماً متحركة- يكون خلالها الأفراد إما مدينون بمواردهم لحزبهم، أو مستقلون عنه نسبياً، أو يمكن أن يكونوا تمكنوا- بفضله- من مراكمة رأس مال خاص بهم يؤسس لإستقلاليتهم” (Offerle, 2002, p. 77).
كما يتم تقديم “التناوب التوافقي” في معظم الأوقات على أنه حلقة أضعفت أحزاب المعارضة القديمة، وعلي كونه هو الذي دفع إليّ تحويل الأحزاب السياسية القائمة إلى “تجار” إنتخابيين. ومع ذلك، يكشف الفحص الدقيق عن ثلاثة نقاط: 1. بينما فاقم هذا التناوب التوترات الداخلية في الإتحاد الإشتراكي للقوى الشعبية ، إلا أنه لم يكن التحول إلى حكومة هو ما “أضعف” الحزب، فقد كان السبب وراء ذلك هو إمتلاك الإتحاد الإشتراكي لرأس مال حزبي جماعي ضعيف، وهو ما دفع قادته للإنخراط في طريق “التناوب بالتراضي”.2. إعادة تخطيط الساحة السياسية المؤسسة دفع الأحزاب القائمة إلى التأقلم على قواعد اللعبة الجديدة. 3. مثلما توضحه حالة حزب العدالة والتنمية، فإن المشاركة في تحالف حكومي لا ينتج نفس التأثيرات وفقا لرؤوس الأموال الأولية التي يملكها أي حزب.
ليس الإنضمام للحكومة هو ما أضعف االإتحاد الاشتراكي
بعد العديد من سنوات المواجهة بين الملكية وجناح اليسار في الحركة الوطنية، تم انتاج “التناوب توافقي” في 1998. دون التطرق إلى العملية المعقدة التي تستند عليها هذه المرحلة، لابد من أن نذكر شرطين جعلوه ممكنا. فهو تبلور عندما رأي القصر أن اللعبة مؤطرة بصورة كافية للحفاظ على مركزيته وتجنب أي تفاوت كبير بين الفاعلين الحزبيين المعنيين. بالإضافة لذلك، وبعد أن تم إختبار استراتيجيات مختلفة- في نفس الوقت أو على التوالي- (الخيار الثوري، النزعات البلانكية الإنقلابية، ضغط الشارع، الطريق الكاذب للصناديق، إلخ)، فإن جزء من ورثة الحركة الوطنية إنتهي الي قبول بثما رفضه لفترة طويلة سابقة.
فالظروف التي ساقت عبد الرحمن يوسفي لإبرام حلف مع الحسن الثاني كتب عنها كثيرا. وسنكتفي هنا بتوضيح بعدا تنظيمياً هاماً. فوفقا لما قاله رئيس الوزراء السابق، فإن االإتحاد الاشتراكي لم يكن أبدا حزبا جماهيريا، ولكنه بالأساس حزب “الأنصار”. ووفقا لشهادات أخري، فإن “الأزمة قديمة منذ الولادة”. في جميع الأحوال، بحيث أجج مدخل الخلافة لعبد الرحيم بوعبيد الإنقسامات والتنافس. هكذا تم التوصل في 1992، إليّ “رجل التوافقات” كإختيار على رأس الإتحاد الاشتراكي.
بالتأكيد، إستفاد عبد الرحمن اليوسفي من وجهه كـ”رفيق قديم لمهدي بن بركة”، ومن هالة المنفى، ومن ومكانته الدولية، وصورته “كحكيم كبير في السن” ومن “القوة المطمئنة”، فكانت كلها رؤوس أموال متراكمة على مدار إلتزامه السياسي. ولكن رؤوس الأموال التي افتقدها هي ما وضعته في النهاية فوق المعركة: فهو لم تكن له أى سطوة على الجهاز الحزبي، ولم يكن لديه معقل لا عائلي ولا قبلي ولا إقليمي، فهو لم يكن ينظر إليه من جانب القادة الاخرين المتصارعين على أنه تهديدا. في الواقع، فإن “المزايا” التي سمحت له بأن يصبح السكرتير الأول لـالإتحاد الاشتراكي لم تتواني عن التحول إلى معوقات عندما حان الوقت لفرض نفسه داخل الحزب.
فعشية التناوب، كان الحزب منقسما بحيث أن عبد الرحمن اليوسفي لم يكن لديه نفوذ حزبي حقيقي يستند إليه. بالإضافة لذلك، فإن حلفاؤه كانوا بعيدون عن الثبات أو الإستمرارية في دعمه. ففي ضوء عدم وجود رؤوس أموال حزبية جماعية صامدة، ولا حلفاء أيضا، لم يكن اليوسفي في موقف يسمح له أن ينتزع من الحسن الثاني أكثر مما قدمه له. وبالتالي، فقد لعب ببطاقة “الحلف” وإعادة “الثقة” بين شخصين. بالإضافة لذلك، فإن المقربين من يوسفي كان لهم حسابات آخري : فمنزلة رئيس الوزراء كانت من المفترض أن تمد الكاتب الأول للإتحاد الإشتراكي USFP بوسائل إستعادة الحزب بين يديه. ولكن وفقاً للوقائع، فإن التوترات تفاقمت، والإنقسامات زادت. ومهما ذلك، فبعد أن صار مبتورا، عرف الإتحاد الاشتراكي تحولات سمحت له بالإستمرار والبقاء في سياق حيث يكتفي بالحصول على 20 مقعدا للظهور في ائتلاف حكومي، أو حتي لوقف تشكيل حكومة ما.
عندما تكمن قوة الأحزاب في “ضعفها”
إن إعادة تشكيل المشهد سياسي أدى إلى قيام الأحزاب القائمة بالتأقلم مع الآثار المقصودة وغير المقصودة لقواعد اللعبة، والتي ساهمت في انتاجها، والتي ساهمت فيها مركزية القصر. من الآن فصاعدا، فإن قوة الأحزاب تكمن في ضعفها.
فالهندسة الإنتخابية المعدة من قبل حكومة يوسفي عكست أهدافا متضاربة، منبأة بازدواجية التعديلات التي يتم العمل بها. فرسمياً، هدف نظام الإنتخابات بالقائمة النسبية وتكبير الدوائر الإنتخابية إلى تسييس وعدم شخصنة التصويت، وذلك عبر التقليل من وزن المال والتبعيات الإجتماعية ووزن الزبونية ومن أجل تمييز الأحزاب ذات الهوية السياسية بالموارد البشرية والمادية الكافية لتغطية جميع الدوائر الانتخابية، مع إبطاء بلقنة المشهد الحزبي. وبشكل غير رسمي، كان الهدف هو وقف التقدم الإنتخابي لحزب العدالة والتنمية PJD وبشكل عام، منع أي حزب من الإستفادة من الإنفتاح السياسي ليصبح مسيطرا.
على صعيد اخر، بقي القصر أكثر من أي وقت مضى مسيطرا، ففضلا عن صلاحياته الدستورية، والتي تم استقطاع القليل منها عبر تعديل 2011، استمر زحف القصر نحو صلاحيات رئيس الحكومة، ومنح لنفسه حق إنتاج “التوجهات الكبرى” والسيطرة على كل القطاعات الإستراتيجية. فمباركة الملك باتت أساسية، وتأثير القصر مارس دوره حتي في حياة الأحزاب القائمة.
استمرت الأسس الأيديولوجية لهذه الهيمنة في الإمتداد لما هو أبعد من سجل أداء قيادة المؤمنين والوحدة الوطنية. فـ”أسطورة الحكامة غير المسيسة” ) (بوعبيد 2007) (Bouabid, 2007) انتشرت بتواطؤ وباتفاق جزء من النخبة، تلك التي تهاب أن ترى أسلوب حياتها وإمتيازاتها مهددة من أشخاص قادمين بفعل صناديق إقتراع جامحة. بالتوازي، تم التلويح بثلاث فزاعات: غرق المغرب في الإفلاس بسبب “منعدمي الكفاةء”. استجواب” النموذج المغربي” من قبل الإسلاميين من جميع الأنواع. انسياق المغرب في الفوضى مثل بلدان أخرى في المنطقة. وهكذا تم نصب مشهد (أو ديكور) ليبدو محمد السادس كبطل وكحامي للـ “كليميني” في مواجهة الـ “بوزبال” على إختلاف أنواعهم.[1]
بصورة ما، أخفي هذا الصراع الطبقي في طياته شفرة “الإمتياز السياسي” الذي يكرس قيمة نموذج “التكنوقراط”، الحاصل على العديد من الشهادات، المتعلم في مدارس أجنبية عليا، مقارنة بالمنتخبين، الذين هم(مالين الشكارة)، أغنياء ولكن غير متعلمين، أو مناضلين في العدالة والتنمية، قادمين من التعليم الجماهيري، ومعظمهم من الموظفين. ليتميز الأول بصلاحياته، التي ستشهد عليها الشهادات المرموقة والتجارب، ولا سيما في القطاع الخاص؛ وتصويره كمستعد لإظهار “الكفاءة” و “العقلانية” و “الصرامة”، و “إدارة المغرب كشركة” (كاتوس 2008) (Catusse, 2008) أما بالنسبة للأحزاب السياسية، فستكون غير قادرة على “إظهار المواهب” (بلال 2007) (Belal, 2007). في وضعية كهذه، انفرد “الأمير المستنير” بقدرته على إختيار “الأفضل”. فلم يكن لديه خيار سوى طرح القطاعات الإستراتيجية لرجال الأحزاب، الضعفاء، وإستيداع الحقائب الوزارية للتقنوكراط (حتي لو تم تأطيرهم في حزب)، وبتفويض المهام الحكومية إلى لجان، ومجالس ومؤسسات تتبعه مباشرة. هذه السياقات المعاد تشكيلها انتجت اثنتين من الآثار التي لا يمكن اختزالها في عبارة ال”عبقري” المتلاعب.
فمن ناحية، أدى التحرير النسبي للمسرح الانتخابي، مقترنا بنظام القائمة النسبي الزائف، إلى نشوء سوق انتخابية وتأكيد الملامح التي شهدت قدرة كبيرة على استيعاب الإصلاحات. ولتحسين فرصهم في السباق من أجل الولايات، فخاضت معظم الأطراف الراسخة تنافسا من أجل “مالين الشكارة”، والذين تم الزج بهم في شبكات الحشد الخاصة بالدعم الإنتخابي. وفي حالات معينة، تمكنوا من التوفيق بين الضغط المالي وحتمية “الحكامة الجيدة ” النيو- ليبرالية، عبر الدفع بأنماط “تكنوقراطية” من “المقاولين”.
من ناحية أخرى، فإن الإئتلافات الحكومية غير المتجانسة والمتضخمة أصبحت هي القاعدة، مما أدى بالأحزاب السياسية القائمة إلى “التكتل في شكل الكارتيل” (se cartelliser) (كاتز وماير 1995/ قاسمي 2015)(Katz, Mair, 1995; Kasmi, 2015). في قول اخر، فإن نقاط التلاقي بين هذه الأحزاب أضحت أكثر بكثير من تبايناتها: حيث حدث تواطوء ضمني للسيطرة على الوصول إلى الموارد العامة، وحيث تقاربت البرامج وأساليب تجميع الأصوات، وزاد الإعتماد على تمويلات الدولة. في نهاية الأمر، ابتعدت هذه الأحزاب عن أعضائها وناخبيها لدرجة أن أصبحت بمثابة “وكالات” للدولة.
وفيما هو أبعد من ظاهرة التكتل في شكل الكارتيل (cartellisation)، فإن طبيعة الإئتلافات الحكومية، والضبابية التي ميزت تخصصات كل شخص داخل السلطة التنفيذية “ذات الرأسين”، ساهمت في إثقال عملية إتخاذ القرار وتنفيذه، وهو ما دعم تلقائيا وضع السلطة التنفيذية الملكية. وهكذا، فإن هذه العمليات قد تعيق إجراء مسائلة حقيقية. كذلك، ردعت إنتاج البرامج أو الإعلان عن هوية أيديولوجية (ولا سيما وأن الوزراء صاروا منفذين “للتوجهات الملكية العليا”). أما على المستوى الإنتخابي، فقد جاء التأثير من خلال إزدياد الإمتناع عن المشاركة (وهو ما يقلل من تكلفة حملة مالين الشكارة)، والزبونية الإنتخابية والمتاجرة بالأصوات، وهي كلها ظواهر تزيد من هشاشة شرعية المنتخبين.
اقرارا بهذه التحولات، تأقلمت معظم الأحزاب القائمة مع الأوضاع: ففي نظام كهذا، أصبحت قوتها تكمن في ضعفها. من هذا المنظور، جاء الإخراج المسرحي للإنتخابات التشريعية في 2016 كاشفا. فوجود الإتحاد الاشتراكي في الحكومة تم فرضه في مقابل “بلوكاج” (إنسداد) (blocage) لمدة ستة أشهر، على الرغم من أن هذا الحزب لم يحصل إلا على 5% من المقاعد. ومن جانبه، ومع أقل من 10% من المقاعد، فاز التجمع الوطني للاحرار بوزارات استراتيجية، و أصبح رئيسه وهو رجل القصر، يبدو كرئيس حكومة فعليا.
وماذا لو كان “ضعف” العدالة والتنمية يكمن في قوته
على الرغم من الإستراتيجيات التي تهدف إلى منع حزب العدالة والتنمية PJD من الإستمرار في توسيع قاعدته الإنتخابية، والإجراءات غير الشعبية المحسوبة على الحكومة السابقة، فإن العدالة والتنمية وصل على رأس الإنتخابات التشريعية في 2016، وحسن من أدائه وحصل على أكثر من 30%من المقاعد. ولكن، لعدم حصوله على مباركة الملك، فإن عبد الإلهبنكيران، كاتبه العام، تم طرده من اللعبة. هذا على الرغم من بذله قصارى جهده للحصول على مباركة الملك. هذا السعي سحب من مصادره في تاريخ العدالة والتنمية وفي الحرص على عدم تكرار “أخطاء” اليسار. فضلا عن هذا، فإن الرواية التي بموجبها كان من المهم “كسب ثقة الملكية” انتشرت لدى جزء من المعارضين القدامي. وبعد ذلك بأثر رجعي، تم اعتبار أن المواجهة بين الملكية و الحركة الوطنية جعلت المغرب “تضيع وقتا طويلا”، في خطاب يتغذي على المفاهيم الإنتقالية الرائجة منذ التسعينات.
إلا أن مشكلة العدالة والتنمية كمنت تحديدا في كون المملكة ليست في تحول ديمقراطي وأن هذا الحزب ينظر له “كقوي للغاية”. في المغرب اليوم، فإن إمتلاك قواعد انتخابية مهمة وناشطة، هي أمور أقل وزناً من موافقة القصر. بالتأكيد، فإن الأحزاب يجب أن تحصل على مقاعد من أجل الوصول إلى إئتلافات حكومية، وإلى موارد وولايات إقليمية ومحلية. إلا أنه، حتي عندما يتم الإخراج المسرحي لخضوعهم للملكية، فليس لديهم مصلحة من أن يرسم أداءهم الإنتخابي إختلافا قويا عن أداء الفاعلين الاخرين. في وضع كهذا، صارت (الأحزاب) خطيرة في نظر القصر، في حين تكبد غضب غيرهم من المستفيدين من هذا النظام القائم على التواطؤ المتبادل، والذي كان هدفه الأساسي هو الحفاظ على توازن نسبي في ترتيبات تقسيم الكعكة. بعبارات أخرى، عندما يطمح حزب في المشاركة في اللعبة السياسية المغربية، فإن إمتلاكه لمخزون من المناضلين واستدعائه لآليات الديمقراطية الداخلية يصبح إن اجلا أو عاجلا أمرا مقيدا. فإذا كان العدالة والتنمية ولمدة طويلة قد نجح في أن يلاقي بحثه عن المباركة الملكية مع موافقة قاعدته النضالية، فهو اليوم، خاضع لحتمية التطبيع. على غرار الإتحاد الاشتراكي وأحزاب أخري قبله، كما أنه ممزق بين إتجاهين: هؤلاء الذين يضعون في المقدمة الديمقراطية الداخلية و”إستقلالية” الحزب (وهم نفس الذين تم استبعادهم من الحكومة ويستطيعون أن يحشدوا القاعدة الحزبية)، وهؤلاء المصرين على إعطاء الأولية “للبراجماتية” (الطابع العملي) (المباركون من القصر). ولكن على عكس الإتحاد الاشتراكي في 1998، فإن حزب العدالة والتنمية PJD في 2017 استمر في إمتلاك رؤوس أموال جماعية حزبية وقاعدة إنتخابية، وهذه عوامل تردع من التطلعات الإنفصالية.
من المؤكد، فإنه باستثناء المهمشين والمستبعدين من النظام الإنتخابي، فإن معظم الأحزاب السياسية أظهرت أن في ضعفها قوة. على العكس، فإن ضعف حزب العدالة والتنمية كمن في قوته: ولا يزال غياب التناسق المتنامي على مستوى نتائج الإنتخابات بينه وبين باقي اللاعبين مستمر في تعطيل تطبيعه. في مثل هذا التكوين، لا يمكن الجزم بأن “الأحزاب” تحديدا هي من تعاني أزمة، ففي الوقت الذي تتضاعف فيه التحديات، فإن ورقة التوت التي كانت تستر السلطوية، “الملك طيب، والطبقة السياسية سيئة”، هي التي خانت علامات الربا.
أسطورة في اخر نفس؟
بالنظر إلى ما يحدث في الساحة الإحتجاجية، يتضح أن قطعة من آلية شرعية الملكية قد صارت متآكلة. فإذا كان الإنفتاح السياسي قد حول الساحة الإنتخابية إلى شيء متقلص، ففي المقابل، عزز ذلك من إتساع الساحة الإحتجاجية، وتراكم المهارات والخبرات من جانب المحتجين، وتطور قدرات التنسيق الأكثر استقلالية وإبطال الميول الإستقطابية للنظام.
فبعد 18 عاما من حكم محمد السادس، فإن السردية القائلة بأن الطبقة السياسية هي مصدر كل العلل، بدأت في فقد فاعليتها: ففي نفس الوقت الذي يتم فيه شجب “الأحزاب السياسية”، يؤكد المحتجون بصوت عالي وبقوة أن زمام الحكم بين يد الملك. هكذا تبدو عملية “تعرية” الملك مصدرا للتهديد لدرجة تستدعي إستعادة العمل بصيغة “الملك طيب والطبقة السياسية سيئة” كما ظهر ذلك جلياً في آخر خطاب للعرش. وبطريقة غير مسبوقة، استنكر الملك مسألة أنه “عندما لا تسير الأمور كما ينبغي، يتم الإختباء وراء القصر الملكي، وإرجاع كل الأمور إليه”. وعلى الرغم من أن معظم قادة الأحزاب القائمة سارعوا في تولي دورهم في دعم التشخيص الملكي لطبيعة الأزمة، فإن الأصوات المعارضة استعادت عذوبتها. “الملك طيب، الطبقة السياسية سيئة” باتت أسطورة في اخر أنفاسها. وثمة سردية مضادة تمهد لنفسها الطريق: وماذا لو أن من يدعي أنه المعالج كان أحد مصادر الشر؟.
http://www.unil.ch/unisciences/MouniaBennani-Chraibi”>مونية بناني شرايبي أستاذة جامعية في معهد الدراسات السياسية والتاريخية والدولية (IEPHI) وعضوة في مركز الأبحاث حول العمل السياسي (CRAPUL)، بجامعة لوزان (UNIL).
المراجع
Bolleyer N. et Storm L., 2010, « Problems of party assistance in hybrid regimes: the case of Morocco », Democratization, vol. 17, no 6, p. 1202‑1224.
Belal Y., 2007, « Technocratie versus démocratie », Cahiers bleus, avril 2007, no 9.
Bouabid A., 2007, « Technocratie versus démocratie », Cahiers bleus, avril 2007, no 9.
Carothers T., 2002, “The End of the Transition Paradigm,” Journal of Democracy, vol. 13, no 1, p. 5‑21.
Catusse M., 2008, Le temps des entrepreneurs ? Politique et transformations du capitalisme au Maroc, Paris, Maisonneuve et Larose.
Duverger M., 1976, Les partis politiques, Paris, Armand Colin.
Fretel J., Lefebvre R., 2008, « La faiblesse des partis politiques français : retour sur un lieu commun historiographique » dans M. Offerlé et H. Rousso (dir.), La fabrique interdisciplinaire : Histoire et science politique, Rennes, PUR, p. 149‑177.
Gandhi J., 2008, Political Institutions under Dictatorship, New York, Cambridge University Press.
Hammoudi A., 2001, Maîtres et disciples : Genèse et fondements des pouvoirs autoritaires dans les sociétés arabes, Paris, Maisonneuve et Larose.
Katz R. S., Mair P., 1995, “Changing models of party organization and Party democracy: the emergence of the cartel party,” Party Politics, vol. 1, no 1, p. 5‑28.
Kasmi S., 2015, Le statut des partis politiques au Maroc, Rabat, REMALD.
Khakee A., 2017, « Democracy aid or autocracy aid? Unintended effects of democracy assistance in Morocco,” The Journal of North African Studies, vol. 22, no 2, p. 238‑258.
Lust-Okar E., 2005, Structuring Conflict in the Arab World: Incumbents, Opponents, and Institutions, New York, Cambridge University Press.
Monjib M., 1992, La monarchie marocaine et la lutte pour le pouvoir. Hassan II face à l’opposition nationale de l’indépendance à l’État d’exception, Paris, L’Harmattan.
Oberschall A., 1973, Social Conflict and Social Movements, New York, Prentice Hall.
Offerlé M., 2002, Les partis politiques, Paris, PUF.
Penner Angrist M., 2006, Party building in the modern Middle East, Seattle, University of Washington Press.
Rezette R., 1955, Les partis politiques marocains, Paris, Armand Colin.
Sassi M., 2015, « الاحزاب المغربية وقضية الديمقراطية الداخلية بين الأمس واليوم (Les partis marocains et la question de la démocratie interne. Entre hier et aujourd’hui) », Revue marocaine des sciences politiques et sociales, vol. 11, no 8, p. 15‑35.
Waterbury J., 1975, Le commandeur des croyants. La monarchie marocaine et son élite, Paris, Presses universitaires de France.
[1] “كليميني”مصطلح يستخدم في اللهجة المغربية للإشارة إلى القادمون من بيئة إجتماعية ميسورة ، وهو مستوحى من المصطلح الفرنسي “كم هو لطيف”.“بوزبال” شخصية في تسجيلات فيديو محمد نصيب، والذي يمثل المغربي العادي.
