Deprecated: Optional parameter $output declared before required parameter $attr is implicitly treated as a required parameter in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-content/themes/voice/core/extensions.php on line 166
Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/taframa/old.tafra.ma/wp-content/themes/voice/core/extensions.php:166) in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/feed-rss2.php on line 8
وللمساهمة في النقاش، تسلط “طفرة” الضوء على نتائج “الباروميتر العربي“، وهو استطلاع للرأي أُجري في 15 بلداً في المنطقة. وقد تم إجراء هذا الاستطلاع في المغرب سنوات 2006 و2013 و2016 و2018 على عينات تمثيلية مشكلة من أكثر من ألف شخص، مبيناً بذلك، من خلال ما يقارب 150 سؤالاً، تطورات الرأي العام المغربي على مدى أكثر من 10 سنوات.

من حسن حظنا أن الدراسة الاستقصائية تطرح مباشرة السؤال الفرعي التالي: “ما هو أكبر تحد يواجهه المغرب اليوم؟” والنتائج غنية عن الشرح (انظر الشكل 1). ويقلق المغاربة في المقام الأول من الأداء الاقتصادي (26%) ومن الوصول إلى الخدمات العمومية (23%). وتشمل الفئة المتبقية “غيرها”، التي احتلت المرتبة الأولى بنسبة 32% من الأجوبة، مجموعة من المشاكل المتنوعة، لاسيما إدمان المخدرات وتهميش بعض الفئات السكانية.

إلا أن المغاربة ليسوا مقتنعين بأن الحكومة، بصفتها المعني الرئيسي، قادرة على مواجهة التحديات لإنعاش الاقتصاد والخدمات العمومية. وبينما يبدو أن التجديد الذي جاء به دستور 2011 قد رفع الثقة في الحكومة، انخفضت تلك الثقة انخفاضاً كبيراً في السنتين الأخيرتين. أما اليوم، يثق أقل من مغربي واحد من أصل ثلاثة (%29) في الحكومة. وفي هذا الصدد، فإن الحل الذي بدا جذاباً سنة 2006، وهو تزايد تأثير الجانب الديني في المجال السياسي، أصبح أقل جاذبية حالياً. وبالتالي، بينما كان حوالي 60% من المغاربة سنة 2006 يرغبون في أن يؤثر الزعماء الدينيون في قرارات الحكومة، فإن نسبة 20% فقط يعتقدون أن هذا الخيار مرغوب فيه اليوم.
وتشير نتائج هذه الدراسة الاستقصائية صراحة إلى ما تبرزه التطورات السياسية والاقتصادية منذ سنوات. فالمؤشرات الإجمالية تظهر نمواً اقتصادياً بطيئاً وتفاوتات تظل مرتفعة من جهة، واستمرار تدهور الخدمات العمومية مثل الصحة والتعليم من جهة أخرى. كل هذا بقيادة مؤسسات سياسية لم تعد تحظى بثقة المغاربة. وبالتالي، إذا كان الخيار الإسلامي، وعلى رأسه حزب العدالة والتنمية، قد جسد بديلاً جذاباً في نهاية العقد الأول من القرن 21، فإن بقاءه في الحكومة لما يقارب العقد قد أفقده مصداقيته.
ويمكن أن يفسر هذا السياق احتجاج المغاربة بشكل أكبر أو رغبتهم في الهجرة. ويكشف “الباروميتر العربي” أن 44% من المغاربة قد فكروا في الهجرة، وهي نسبة تصل إلى 70% بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة. وعلى النحو ذاته، كشفت دراسة حديثة عن ارتفاع عدد المظاهرات منذ عام 2011، متمثلة في حركات الاحتجاج الكبرى في السنوات الأخيرة (حراك الريف سنة 2017 وحراك جرادة وحملة المقاطعة سنة 2018).
يعد حسن سير عمل الدولة مكوناً أساسياً في حسن سير الخدمات العمومية وكذلك حسن تدبير السياسة الاقتصادية. وفي الواقع، فإن الدولة هي التي تقدم الخدمات العمومية وهي التي تنظم عمل الأسواق بضمان حق الملكية وحل النزاعات التي تنشأ لا محالة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين. وبالتالي، كيف يمكن ضمان استجابة الدولة لطموحات المغاربة ومن ثم إعادة بناء علاقة ثقة تجمعها بالمواطنين؟
هذا وتضع مجموعة متنوعة من المؤشرات يدها على مكامن الخلل. فمن جهة، يقوض الفساد والزبونية التصويت الذي يُعد وسيلة مؤسسية لتعبير المواطنين في نظام ديمقراطي. وحسب “البارومتر العربي”، فإن أقل من مغربي من أصل اثنين (%46) يعتقدون أن غالبية المسؤولين المحليين نزهاء، وحسب استطلاع “الباروميتر الإفريقي” (المشابه لـ”الباروميتر العربي” والذي يشمل الدول الإفريقية)، فإن ما يقارب 20% من المغاربة تم شراء أصواتهم سنة 2016. وقد نتج عن ذلك وجود بيروقراطيات مختلة واستياء المواطنين من صناديق الاقتراع ومكافأة الانتخابات للسياسيين الأكثر استعداداً لشراء الذمم في الانتخابات عوض السياسيين الأكثر كفاءة. ويبدو أن المشكل ينتج عن السياسيين أنفسهم أكثر من الناخبين، لأن المغاربة يكافئون في صناديق الاقتراع النواب الأنشط في البرلمان.
ومن جهة أخرى، فإن المظاهرات، وهي أشكال غير رسمية لتعبير المواطنين عن آرائهم، أصبحت على حد سواء أكثر شيوعا وأكثر تعرضا للقمع. وتبين الدراسة الآنفة الذكر حول المظاهرات في المغرب أن عدد المظاهرات قد ارتفع ارتفاعاً هاماً منذ 2011 رغم الزيادة الكبيرة في القمع منذ 2014. ومع ذلك، فإن المظاهرات لها تكلفة سياسية واقتصادية هامة، وهو ما يستوجب تقديم حلول لها.
وللتغلب على هذه المشاكل، يقترح نشاطنا البحثي مسارين رئيسيين وهما: تعزيز الوصول إلى المعلومة والحصول على أغلبية كبيرة للحد من الزبونية السياسية وتحديث سير البيروقراطية، وإيجاد حلول أقل سلطوية لممارسة الحريات السياسية.
تقوض الزبونية سير عمل المؤسسات الديمقراطية، ولعل أهم تجلياتها تتمثل في شراء الأحزاب للأصوات مع اقتراب الانتخابات ولجوء المنتخَبين فور انتخابهم للفساد من أجل مكافأة الجهات المانحة. ويمتد هذا الفساد إلى البيروقراطية التي تنفذ قرارات السياسيين.
وهناك حلان لهذا المشكل، ويتمثل أولهما في تعزيز المؤسسات السياسية التي تنزع إلى تشكيل أغلبيات كبيرة. فعندما يملك المنتخَبون أغلبيات مريحة، لا يعمدون إلى شراء الانتخابات لأنهم يكونون متيقنين من أنهم سيفوزون. علاوة على ذلك، يكون من الأسهل التوصل إلى توافق عندما تكون جميع الأحزاب متفقة، ما يسهل استكمال المشاريع التنموية. إلا أنه غالباَ ما يتم انتخاب المسؤولين المنتخبين المحليين والوطنيين في المغرب وفق نظام التمثيل النسبي، وهو نظام يعزز تمثيل أصغر الأحزاب. وخلافاً لذلك، فإن استعمال نظام الأغلبية من شأنه أن يعزز تشكيل أغلبيات أكبر ويسمح ربما بحل هذه المشاكل.
أما الحل الثاني فيتمثل في تعزيز مراقبة المواطنين للسياسيين مراقبة مباشرة من خلال الوصول إلى المعلومة. ويتوفر المغرب على مؤسسات تراقب الفساد مراقبة داخلية، بما فيها المجلس الأعلى للحسابات الذي ينشر بانتظام تقارير في هذا الصدد. إلا أن المراقبة الداخلية محدودة: فقدرة هذه المؤسسات على المراقبة ليست مطلقة، كما أن الموظفين في المستويات الدنيا من البيروقراطية يخفون غالباً المعلومات عن رؤسائهم. وتنطوي المراقبة الخارجية، التي يمارسها المواطنون أنفسهم، على فرص هامة: فكونهم أكثر عدداً يجعلهم قادرين على عرض المشاكل أكثر مما تفعل هيئات المراقبة المختصة. ولكن للقيام بذلك، ينبغي الوصول إلى المعلومة والقدرة على إيصالها بحرية، ويُعد تفويت أراض بطريقة احتيالية لبعض كبار مسؤولي الدولة مثالاً على ذلك. ففي الوقت الذي وضعت فيه وكالة المسح العقاري بياناتها على الإنترنت، أُزيلت قاعدة بياناتها في يوليوز 2016 بعد أن استخدمتها الصحافة لتسليط الضوء على هذه الفضيحة. ومنذ ذلك الحين عملت الحكومة على تعزيز حق الوصول إلى المعلومة بالانضمام إلى “شراكة الحكومات المنفتحة” سنة 2018.
في الوقت الذي أصبح المغاربة فيه يحتجون أكثر منذ 2011 ويعبرون عن أنفسهم بصورة متزايدة على الشبكات الاجتماعية، زادت شدة قمع الحكومة لهذه المظاهرات. وفي نفس الصدد، تشير المنظمات الدولية إلى تدهور حريات الصحافة وتأسيس الجمعيات في الآونة الأخيرة.
إذا كانت العصا، في ظاهر الأمر، حلاًّ واضحاً لقمع التحريض، يبدو أن هذه الاستراتيجية تأتي بنتائج عكسية وتؤدي في الواقع إلى مزيد من المظاهرات. في بادئ الأمر، يخلق قمع نشطاءِ اليوم نشطاء الغد. وعلى هذا النحو شهد عدد من المحرضين الأوائل لحركة 20 فبراير أسلافهم يقبعون في سجن الماضي. ثم إن قمع حركة احتجاجية في بداياتها يفضي غالباً إلى اتساع نطاقها، بينما يؤدي إيجاد حل لمطالب هذه الحركات إلى إخمادها سريعاً. وهذا المنطق نفسه يسري أيضاً على حريات أخرى مثل حرية التعبير.
أشرنا في هذا المقال إلى الانشغالين الرئيسيين بالنسبة للمغاربة فيما يتعلق بمستقبل البلد بالاعتماد على استطلاع رأي “الباروميتر العربي”. وانطلاقاً من هذين الانشغالين، قمنا بالإحاطة بسلسلة من المسارات للخروج من المأزق استناداً إلى الأبحاث التي أنجزناها منذ سنوات عديدة.
وتعد مقاربتنا جد محدودة. فكيف تتأتى معرفة ما يشغل المغاربة معرفة دقيقة انطلاقاً من بعض الأسئلة المستقاة من استطلاع للرأي؟ رغم كون السؤال الذي تمت دراسته في الشكل 1 ركناً أساسياً في تحليلنا، إلا أنه لا يمثل إلا فئات تقريبية تكاد لا تصور هذه الانشغالات تصويراً مُفصلاًّ. وعلاوة على ذلك، إذا كان هذا السؤال يحيط بالمشاكل، فإنه لا يعطي إشارات بشأن نوع الحلول التي يرغب المغاربة في الإتيان بها للتصدي لتلك المشاكل.
إننا لا نسعى إلى انتقاد جهود “الباروميتر العربي” الذي يُعد، إلى جانب “الباروميتر الإفريقي” أحد أندر استطلاعات الرأي المُنجزة في المغرب. فبالنظر إلى تناولها مواضيع متنوعة جداً، يكمن الهدف منها في إعطاء فكرة عامة عن الرأي العام المغربي وليس التركيز على أسئلة مُعينة.
هذا ويتجلى هدفنا، خلافاً لذلك، في تشجيع “اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي” على تعزيز مقاربتها الشاملة. وإذا كانت استشارة الأحزاب السياسية مبادرة جديرة بالإشادة، فإننا نأمل أن تمضي “اللجنة” إلى أبعد حد في التشاور من خلال التشاور مباشرة مع المواطنين بواسطة استطلاعات أكثر تفصيلاً أو دفاتر المظالم أو أية طريقة تشاركية أخرى، ثم نشر محتوى هذه المشاورات حتى يتمكن المغاربة جميعهم من الاطلاع على آراء غيرهم من المواطنين والحلول التي يرى هؤلاء أنها ستتصدى لتلك المشاكل.
]]>ما هو مضمون الأسئلة البرلمانية التي يطرحها النواب؟ هل يُعلق الناخبون أي أهمية على هذه الأسئلة؟ يتضح من خلال تحليل الأسئلة الكتابية التي طرحها النواب البرلمانيون أثناء الولاية التشريعية 2011–2016 أن هذه الأسئلة تمثل شكلاً مهماً من أشكال خدمة الناخبين. وعند سؤالهم حول الموضوع، أوضح النواب أنهم يلجؤون لهذه الأسئلة من أجل الحصول على معلومات متعلقة بدوائرهم الانتخابية، وذلك للضغط على الإدارات من أجل إيجاد حلول للمشاكل المحلية، وفي بعض الحالات، لغرض معالجة بعض المشاكل الفردية التي يواجهها المواطنون.
إن المعطيات التي جمعناها خلال مقابلاتنا مع النواب تدعم التحليل الكمي الذي أجريناه بشأن الأسئلة التي يطرحونها. بمعنى آخر، يعتبر طرح الأسئلة أثناء جلسات البرلمان دليلاً على أن النواب الذين يطرحون تلك الأسئلة يبذلون جهوداً من أجل خدمة ناخبيهم. لكن هل يُعلق المواطنون أي أهمية على هذه الجهود؟ من أجل الإجابة على هذا السؤال، طرحنا التساؤل الآتي: هل أسفر هذا النشاط الاستفهامي تحت قبة البرلمان عن نتائج إيجابية في صناديق الاقتراع بالنسبة للنواب المعنيين خلال الانتخابات الموالية، أي في سنة 2016؟ لقد لاحظنا أن بعض الأحزاب قد حققت معدلات أعلى بكثير في الدوائر الانتخابية التي طرح فيها النواب عدداً أكبر من الأسئلة مقارنةَ بغيرهم.
لقد طُرح ما يزيد عن 27 ألف سؤال خلال الولاية التشريعية 2011-2016، وهو عدد كبير لا تسهل فهرسته يدوياً. لهذا فإننا بدلاً من ذلك لجأنا إلى طرائق آلية لتحليل فحوى هذه الأسئلة، حيث قمنا بالبحث عن مؤشرات مرجعية جغرافية، سواء محلية كانت أو وطنية، وعن حالات الدفاع عن المصالح الفردية للمواطنين (مثلاً، طُرح سؤال حول “تغيير معاش السيدة الفلانية”).
ولتحديد هذه المراجع، استخدمنا مقاربة ارتكزت على قاموس. وبعبارة أدق، قمنا بتحديد عدد من الفئات التي نسبنا إليها كلمات معينة. وتشمل تصنيفاتنا ما يلي:

يكشف اطلاعٌ سريعٌ على الفئات الأكثر وروداً في الأسئلة عن توجهات ملفتة (الشكل 1). ويلاحظ أن الإشارات الجغرافية تتواتر كثيراً في الأسئلة وترد في 77% منها غير أنها تتنوع حسب المستوى الإداري: تُعد الإشارات إلى مستوياتٍ عاليةٍ (الدولة أو الجهة) نادرةً جداً، علماً بأن 60 %من الأسئلة تشير إلى ولايةٍ أو إقليمٍ. ويدل ذلك على أن الأسئلة هي وسائل مهمة لتناول المشاكل الحاصلة على مستوى الدائرة، إذ إن هذه المستويات الإدارية هي التي تتناسب ورقعة الدائرة. هذا وتتطرق الكثير من الأسئلة إلى مشاكل الجماعات.
وتشير 3% فقط من الأسئلة إلى المشاكل ذات الطابع الفردي إلا أنه ينبغي الإشارة هنا إلى أن المنهجية التي اعتمدناها ربما تُفرِّط في تقدير العدد الحقيقي للأسئلة التي تتطرق لمثل تلك المشاكل. في الواقع، لا تذكر هذه الأسئلة دائماً اسم الشخص المعني صراحةً، كما أن العدد القليل من الأسئلة المرتبطة بالمصالح الشخصية ربما لا يُعد مفاجئاً، ناهيك عن أن البرلمان يُعتبر هيئة وطنية والنواب يمثلون عشرات الآلاف إن لم نقل مئات الآلاف من المواطنين. وتُعد المجالس الجماعية بالتأكيد منتدياتٍ أكثر ملاءمةً لمعالجة المشاكل الفردية.
ثم تساءلنا عما إذا كان هذا النوع من النشاط الانتخابي مرتبطاً بمزيد من الدعم الانتخابي. ونظراً إلى أن النواب يلجؤون إلى الأسئلة لمعالجة مشاكل دوائرهم، فإنه من الممكن أن يلجأ السياسيون الأكثر كفاءةً إلى مزيدٍ من الأسئلة البرلمانية والناخبون يكافئونهم على هذا السلوك. وبما أن المغرب يستخدم اللوائح الانتخابية، فقد قمنا بدراسة هذه العلاقة على مستوى الأحزاب. ولتحقيق ذلك، استخدمنا نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2016 مقترنة بعدد الأسئلة التي طرحها النواب في دائرة انتخابية معينة. ونظراً لكون النواب الأكثر شعبية يطرحون عدداً أكبر من الأسئلة، رصدنا الفرق بين النتائج التي حصل عليها الحزب في سنتي 2011 و2016، عوض الاعتماد على نتائج 2016 فقط.

يبين الشكل 2 أنه كلما ارتفع عدد الأسئلة التي يطرحها حزب ما، كلما ارتفعت النتيجة التي حصلها مقارنةً بسنة 2011. ففي المتوسط، يرتبط طرح عدد أسئلة أكبر بعشرة أضعاف مثلاً بارتفاع في النتيجة بنقطة مئوية أو اثنتين، ويُعد هذا الأثر هاماً حين نعلم أنه خلال انتخابات 2016 أدى الفرق بنقطة مئوية واحدة في النتائج إلى تغيير معالم لائحة الفائزين في 25% من الدوائر الانتخابية.
تؤكد هذه النتائج أن الأسئلة البرلمانية تشكل أداة هامة بالنسبة للنواب، حيث تمكنهم من تمثيل دائرتهم ومن تناول القضايا المحلية التي تسترعي الاهتمام. من جهة أخرى تبين النتائج أن النواب المنتخبين يخضعون لنوع من المساءلة أمام ناخبيهم، حيث يفضل هؤلاء تلك الأحزاب التي تنشط على مستوى البرلمان وتمثل أقاليمها وتدافع عن مصالحها.
]]>فهناك مدرسة تعتبر أن الطبقات المتوسطة هي التي تدفع إلى الثورات الديمقراطية، في حين أن مدرسة أخرى تقول إن هذه الثورات يقودها العمال أو الفقراء المنحدرون من الطبقات الأكثر تهميشاً على وجه العموم. غير أن الدراسات المتوفرة لا تقدم الجواب الفصل بخصوص هذه النقطة، إذ تستند إلى عدد قليل من النماذج أو إلى تقديرات لا يعول عليها بشأن أولويات وقدرات الفئات الاجتماعية – بالارتكاز مثلاً على إجمالي الناتج المحلي لكل نسمة أو على التفاوتات في المداخيل – الأمر الذي يتعذر معه قياس دور كل شريحة اجتماعية في هذه الثورات قياساً مباشراً.
هذا ويوضح الباحثون الثلاثة، دهلوم وكنوستن وفيغ، في الدراسة المذكورة أسباب وتجليات تأثير التركيبة الاجتماعية للمعارضة في الصيرورة الديمقراطية، ويستدلون بما يلي: لكي تنجح حركة اجتماعية ما في فرض الديمقراطية يتعين على المجموعات التي تكونها أن تمتلك القدرة على تنظيم مظاهرات جماهيرية حاشدة وأن يكون لها الحافز الكافي لفرض نظام ديمقراطي في مرحلة لاحقة. إلا أنه في الأنظمة المتحضرة والمصنًّعة نسبياً نجد أن الطبقات المتوسطة والعاملة هي وحدها التي تستطيع أن تجمع بين خاصيتي “القدرة” و”الحافز”. ذلك أن هذه الطبقات الاجتماعية، كونها كثيفة ومنظمة في أغلب الأحيان، لديها القدرة الكافية على تكبيد النظام القائم خسائر هائلة (من جراء هروب رؤوس الأموال مثلاً، أو تواتر الإضرابات)، لاسيما أنها عادة ما تسيطر على قطاعات رئيسية في الاقتصادات المصنَّعة. وهي تمتلك الحافز الكافي أيضاً، كونها أكثر عدداً وأكثر فقراً مقارنةً بالطبقات المهيمنة، لأن لديها فرصاً كبيرة للنجاح في فرض السياسات التي تصب في مصلحتها ضمن نظام ديمقراطي. هذا فيما تفتقر باقي الشرائح إلى القدرة على النهوض بحراك جماعي على نطاق واسع (الفلاحون مثلاً) أو إلى الحافز لاستكمال العملية الديمقراطية (الأرستقراطية مثلاً) – حتى وإن كانت قادرة أحياناً على التعبئة ضد النظام.
كي يتمكن الباحثون من اختبار توقعاتهم، قاموا بدراسة مجموعة من الحملات المناهضة للأنظمة والمسجلة في قاعدة البيانات “نافكو” (NAVCO) وهي مجموعة من البيانات العالمية تصف حملات المعارضة الجماهيرية، سواء كانت عنيفة أم لا، والتي تتمتع بقيادة معروفة بين سنة 1900 و2006. فيما يخص جميع الحركات التي تم جردها ضمن قاعدة بيانات “نافكو”، باستثناء الحركات الانفصالية، قام الباحثون بحصر الشرائح الاجتماعية التي تكون كل واحدة منها مستعينين بمصادر ثانوية، وحددوا المجموعات التي تهيمن على كل حركة، حيث تناولوا ما مجموعه 193 حالة من الحركات الاجتماعية الجماهيرية التي خصصوا فيها ما إذا كانت مكوناتها – من فلاحين وموظفي القطاع الخاص وعسكريين وجماعات دينية وعرقية وعمال وطبقات متوسطة حضرية – تنتمي إلى المعارضة أم لا.
من أجل إيضاح نظام التصنيف هذا، فقد وُصفت الثورة المخملية، التي أدت إلى انهيار النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا سنة 1989، بكونها حركة ذات قاعدة جماهيرية كبيرة مكونة من الطبقات الوسطى الحضرية، وعمال المصانع، والعاملين في مجال الصحة والفلاحين، وهكذا سُجلت هذه الفئات الثلاث كمجموعات مشاركة في الثورة.
يقوم الباحثون بعد ذلك بتقييم مدى تأثير تركيبة كل حركة في حدوث انتقال ديمقراطي عن طريق تحققهم مما إذا كانت هذه الحركات الاجتماعية تؤدي إلى إصلاح المؤسسات من أجل تعزيز الديمقراطية. ويستعمل الباحثون مقياسين للوقوف على مستوى الديمقراطية في المؤسسات. أما المقياس الأول فإنه يقيس مدى وجود انتخابات حرة ومنصفة من عدمه؛ أما المقياس الثاني، كونه أكثر دقة، فإنه يسمح بإدخال تغييرات أكثر تقدمية ويقيس الطبيعة الديمقراطية لمجموعة من المؤسسات بما يشمل طريقة انتخاب رئيس السلطة التنفيذية (مباشرة أم غير مباشرة) ونزاهة الانتخابات وحرية تأسيس الجمعيات وحرية التعبير وتوسيع حق الانتخاب.
تقوم الطبقات المتوسطة والعمالية بدور وازن في هذه الحملات الجماهيرية حيث شارك العمال في 62% من جميع الحملات في حين شاركت الطبقات الوسطى الحضرية في 79% منها. ومن ناحية أخرى، تتزعم هاتين الفئتين الحركات في أغلب الأحيان: في حوالي اثنتين من أصل خمس حركات، صُنفت إحدى هاتين الفئتين كفئة قيادية.

تحليل أولي يؤكد البديهة: عندما تهيمن الطبقات الوسطى والطبقات العمالية على حركة ما، تتقدم الديمقراطية، وهو الشيء الذي لا يحدث عندما تكون شرائح اجتماعية أخرى مهيمنة على تلك الحركة. ويبين الشكل 1 مؤشر الديمقراطية لكل شريحة اجتماعية في بداية الحركة وفي نهايتها. لمتحرزالحركاتالتيتشكلخطاًمائلاًفي المبيان أي تقدم في حين تقدمت الحركات المُبينة أعلى الخط المائل وتراجعت الحركات المبينة أسفله. نلاحظ أن الحركات التي تهيمن عليها الطبقات المتوسطة أو العمالية عادة ما ترتبط بالتقدم أو بالإبقاء على الوضع الراهن في حين ترتبط حركات الفلاحين بكثير من التراجعات.
إلا أن هذا التحليل الموجز يشوبه عيب جوهري إذ يُقصي الفترات التي لم تنشأ فيها حركات اجتماعية في دولة ما. لهذا لجأ الباحثون إلى تحليلات إحصائية أكثر شمولاً حيث قارنوا التقدم السنوي لمؤشرات الديمقراطية في (أولاً) الدول التي لم تنشأ فيها حركات اجتماعية بنظيره في الدول التي نشأت فيها حركات اجتماعية تهيمن عليها (ثانياً) الطبقات العمالية أو (ثالثاً) الطبقات المتوسطة أو (رابعاً) فئات أخرى. تراعي هذه التحليلات تأثير عوامل أخرى كالاختلافات الثقافية أو الظروف الاقتصادية.
ويؤكد تحليلهم أن الحركات الاجتماعية التي تهيمن عليها الطبقتين الوسطى والعمالية تميل إلى تمتين المؤسسات الديمقراطية. غير أن الحركات التي تهيمن عليها الطبقات العمالية تكون أكثر فعالية بقليل، ربما لأن هذه الحركات تتمتع بقدرة تنظيمية بالغة القوة تسمح لها بتحدي النظام تحدياً فعالاً ومدعوماً. ويمكن أن يكون هناك سبب آخر وهو أن الطبقات الوسطى تمثل فئة غير متجانسة ومكونة من مجموعات فرعية متنوعة (فهناك الطلاب ورجال الأعمال ومزاولو المهن الحرة وهكذا). وتبين بعض التحليلات التكميلية أن من بين الحركات الاجتماعية التي تهيمن عليها الطبقات الوسطى، تُعد تلك التي يسيطر عليها الطلاب وأصحاب المهن الحرة وحدها التي تؤدي إلى تقدم ديمقراطي. وتبين نتائج تكميلية أخرى أن الحركات الاجتماعية التي تسيطر عليها البورجوازية لا تكون فعالة إلا حينما تستخدم أساليب غير عنيفة في حين أن تلك التي تهيمن عليها الطبقات العمالية تكون فعالة بغض النظر عن الأسلوب المعتمد.
إن تدقيق النظر في الحركات الاجتماعية الجماهيرية التي اشتعلت في القرن الـ20 يبين أن الطبقات الوسطى والعمالية هي التي عملت على نشر الديمقراطية. إذن ما الذي ينبغي استخلاصه اليوم في الوقت الذي تنشأ فيه موجة جديدة من الحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا؟
أولاً، نستخلص أن الحركات الاجتماعية يتعلم بعضها من بعض، ولاحظنا أن استعمال أساليب عنيفة يرعب الطبقات المتوسطة، وأن الغالبية العظمى من الحركات الحالية تستعمل أساليب غير عنيفة.
ثم استفدنا أن التاريخ ليس دائماً هو المرشد الصدوق والدليل الموثوق، فشتَّان بين عالم اليوم ودينامياته وعالم الأمس وخصوصياته. إن حجم الطبقات العمالية في الديمقراطيات المتقدمة قد انكمش عن ذي قبل، ناهيك عن أن العمال قد أصبحوا أقل تنظيماً بكثير في ظل مشاركة نقابية باهتة. من جهة أخرى، أثرت الثورة الرقمية إيجايباً على قدرة شرائح اجتماعية مختلفة على التعبئة والتنظيم، فعلى سبيل المثال تمكنت حركة “السترات الصفراء” الفرنسية، الناشطة منذ قرابة السنة، من تسخير وسائل التواصل الاجتماعي لإطالة أمد نضالها وانتزاع بعض التنازلات من الحكومة الفرنسية، رغم أنها تهيمن عليها مجموعات أقل قدرة على التنظيم عادةً بفعل انحدارها من المناطق الريفية والشبه الحضرية.
The Journal of Politics, 2019. DOI: 10.1086/704699
]]>وفي تقرير أول حول هذه القضية، كان قد تم نشره على موقعنا الأسبوع الماضي، يظهر أن “حزب العدالة والتنمية” و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” هما الحزبان اللذان يطرحان أكثر الأسئلة البرلمانية، والتي يصل عددها إلى 25 ألف و12 ألف سؤال على التوالي، فيما لا يتجاوز عدد الأسئلة المطروحة من طرف باقي الأحزاب 5000 سؤال. وتوجه هذه الأسئلة في أغلب الأحيان لوزارة الداخلية (17.5%)، متبوعة بوزارة التربية الوطنية (9%)، ووزارة التجهيز (8.6%). أما معدل الإجابة، فإنه لا يتناسب مع عدد الأسئلة: حيث إن وزارة الصحة التي تستقبل 7.3% من الأسئلة، قد أجابت عن 80% منها. ومن جهتها، فإن وزارة الداخلية الأكثر استقبالاً للأسئلة لم تجب سوى عن 29.6% منها، وهو المعدل الأدنى من بين كافة الوزارات.
وبعيداً عن الانتماءات الحزبية، سنسلط الضوء في هذا التقرير على عوامل أخرى، قمنا بجمعها في ثلاثة أسباب كبرى، يكمن أولها في الوصول إلى المعلومة. إذ يفترض في أي نظام مراقبة فعال للعمل الحكومي من طرف البرلمان وصول جميع النواب إلى المعلومة. فالنائب يطرح أسئلته على الحكومة بهدف الحصول على معلومات متعلقة بالسياسات الوطنية أو المحلية. ويتجلى السبب الثاني في التنديد بسياسات الحكومة. فتماشياً مع مهام البرلمان في لعب دور الثقل الموازن، يطرح النواب أسئلتهم بهدف الاعتراض على بعض السياسات الحكومية. وأخيراً، السعي وراء مكافأة انتخابية. إذ يستغل النواب الأسئلة البرلمانية لنقل احتياجات ناخبيهم ومشاكلهم. هذا الأمر يمكنهم من بناء سمعة طيبة لدى ناخبيهم، إضافة إلى تحقيق مكاسب محتملة خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
إذا كانت الضرورات الانتخابية تفسر عدد الأسئلة في البرلمان، فإنه من المنطقي أن يطرح أكثر النواب رغبة في أن تتم إعادة انتخابهم أكبر عدد من الأسئلة. فطرح الكثير من الأسئلة على الحكومة تحت قبة البرلمان يُكسب النائب صورة المدافع عن مصالح دائرته وناخبيه. هذا الأمر يمكنه من البروز بشكل أكبر ومن بناء سمعة طيبة لدى ناخبيه. وبالمقابل، يُنتظر من الناخبين مكافأته عن طريق أصواتهم خلال مختلف الاستحقاقات الانتخابية.

ولفهم ما إذا كانت الرهانات الانتخابية مرتبطة بعدد الأسئلة المطروحة من طرف النواب، فقد قمنا بالنظر فيما إذا كان البرلمانيون الأقل حظوة في الانتخابات، أي الذين تم انتخابهم بفارق أصوات صغير جداً عن منافسيهم، هم من يطرحون أكبر عدد من الأسئلة. ومن المنطقي أن نعتقد أن هؤلاء النواب هم في حاجة أكثر إلى دعم ناخبيهم، وبالتالي فإن عليهم طرح المزيد من الأسئلة. إلا أن الأمر ليس كذلك، حيث يشير الشكل 1 إلى أن النواب المنتخبين بفارق صغير لا يطرحون أسئلة أكثر من النواب المنتخبين بفارق كبير. وعليه، يمكننا أن نخرج بتفسيرين لهذا الأمر: أولا، قد يعني ذلك أن جميع النواب يوجهون الأسئلة ببساطة لأنهم يرون أن هذا جزء من واجبهم. أما التفسير الآخر فهو أن الناخبين لا يكافئون نوابهم بناء على أدائهم في البرلمان.
من ناحية أخرى، لاحظنا أن النواب المنتخبين عن الدوائر البعيدة عن المركز يطرحون عدداً أكبر من الأسئلة مقارنة بغيرهم، وهو الأمر الذي يمكن تفسيره بالمركزية التاريخية في المملكة. فكلما ابتعدنا عن الرباط، قلت إمكانية الوصول إلى المعلومة. لذلك يوجه النواب المنتخبون عن الدوائر البعيدة عن المركز الأسئلة إلى الحكومة للحصول على المعلومات.

لعل السبب وراء طرح نواب الدوائر الأكثر بعداً عن الرباط عدداً أكبر من الأسئلة يرجع إلى ضعف إمكانية وصولهم إلى المعلومة مقارنة بغيرهم، وربما قد يكون لديهم أسباب إضافية تدفعهم للتنديد بسياسات الحكومة، حيث إن المشاكل التي تعاني منها الدوائر البعيدة عن الرباط تحظى باهتمام إعلامي أقل من مشاكل العاصمتين الإدارية والاقتصادية، الرباط والدار البيضاء على التوالي. وعليه، يسد البرلمانيون هذا الفراغ من خلال نقل مشاكل واحتياجات ناخبيهم عن طريق الأسئلة في مجلس النواب.
إذن هل الوصول إلى المعلومة أو التنديد بسياسات الحكومة هما اللذان يدفعان نواب الدوائر البعيدة عن المركز إلى طرح عدد أكبر من الأسئلة؟ للتيقن من هذا الأمر، سعينا إلى معرفة ما إذا كان المنتخبون في الدوائر الأكثر فقراً يطرحون أسئلة أكثر من غيرهم. لكن الأمر ليس كذلك، ويمكن تفسير ذلك بأن المنتخبين عن الدوائر الأكثر فقراً هم بشكل عام شخصيات بارزة ليست في حاجة لتوجيه أسئلة للحكومة للتدخل لصالح ناخبيهم. فهُم عموماً منخرطون في الحياة السياسية والاقتصادية المحلية، ولديهم الإمكانية للاستجابة لمشاكل ناخبيهم دون الحاجة لطرحها أمام المجلس.
يبدو أن النواب يطرحون الأسئلة أساساً للحصول على المزيد من المعلومات، وبالتالي فإن النواب المنحدرين من دوائر بعيدة عن الرباط يميلون إلى طرح عدد أكبر من الأسئلة مقارنةً بزملائهم. أما الرهانات الانتخابية والتنديد بالسياسات الحكومية فهي أمور ليس لها إلا تأثير بسيط. فلا المنتخبون عن الدوائر الأكثر فقراً ولا المنتخبون الفائزون بفارق صغير يطرحون أسئلة أكثر من غيرهم.
هذا ويساعدنا تحليل الأسئلة البرلمانية على توضيح جزء من الرهانات التي تحدد سلوك منتخَبي الوطن، وهو معطى أساسي بحكم أن الممارسة الفعلية للمساءلة تقتضي أن يكون كافة المواطنين على علم ليس فقط بما يقوم به المنتخَبون من أنشطة بل كذلك ما يمتنعون عنه أو يتقاعسون فيه والدوافع التي تحرك هذا وذاك. بيد أن التحليل ينبغي أن يشمل صلاحيات برلمانية أخرى، من قبيل تعديلات النصوص القانونية والمقترحات التشريعية.
]]>في اطار اطروحة الماستر في العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس، قام عثمان بنتوزر، مسؤول على مشروع بطفرة، بجمع كافة الأسئلة الكتابية والشفهية الموجهة من طرف أعضاء مجلس النواب للحكومة خلال الولاية التشريعية 2011ء2016، أي حوالي 40 ألف سؤال، انطلاقا من موقع البرلمان. ومن خلال قراءة أولى لهذه الأسئلة، يتضح أن النواب لا يمارسون جميعاً وظيفتهم الرقابية بالشكل ذاته. ففي الوقت الذي طرح فيه نائب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” عن دائرة جرادة، المختار راشدي، أزيد من 2100 سؤال في 5 سنوات، لم تطرح ياسمينة بادو، وزيرة الصحة السابقة ونائبة “حزب الاستقلال” عن دائرة أنفا بالدار البيضاء، إلا سؤالا واحداً!
وعلى النحو ذاته، فإن “حزب العدالة والتنمية” هو الحزب الذي طرح أكبر عدد من الأسئلة، حيث قدرت بحوالي 25 ألف سؤال، أي ما يزيد عن نصف الأسئلة التي طُرحت خلال هذه الولاية التشريعية. ويأتي خلفه “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، الذي طرح نوابه حوالي 12 ألف سؤال، أي 25% من مجموع الأسئلة الموجهة للحكومة. أما باقي الأحزاب الحاضرة في مجلس النواب، فقد طرح كل واحد منها ما يقل عن 5000 سؤال.
لكن من الذي يتم اختياره للإجابة عن الأسئلة من خلال هذه الآلية؟ لقد طرح أعضاء مجلس النواب أسئلة على كافة الوزارات، لكن وزارة الداخلية كانت أكثر من وُجِّهت لها الأسئلة حيث تلقت 8265 سؤالاً، أي 17.5% من الأسئلة الواردة، تليها وزارة التربية الوطنية بـ4176 سؤالاً (9%)، ثم وزارة التجهيز بـ4079 سؤالاً (8.6%).
إلا أن جميع الوزارات لا تجيب عن الأسئلة بنفس الوتيرة، فمن بين الوزارات العشر التي وُجِّه لها أكبر عدد من الأسئلة (أي 70% من مجموع الأسئلة)، بلغت نسبة الإجابة بالنسبة لوزارة الداخلية 29.6%، أي النسبة الأدنى. في المقابل، أجابت وزارة الصحة على حوالي 80% من الأسئلة الموجهة لها والبالغة نسبتها 7.3% فقط.

ما يمكن أن نستشفه هو أن فعالية الرقابة البرلمانية تختلف باختلاف الوزارات. فعلى سبيل المثال، يسهل حصول أعضاء مجلس النواب على المعلومات من وزارة الصحة أو وزارة العدل، من حصولهم عليها من وزارة الداخلية. بالرغم من أن القانون ينص على كافة الوزارات الإجابة على الأسئلة التي يتلقونها في غضون الـ20 يوماً التي تلي إيداعها لدى مكتب مجلس النواب. وفي حال غياب الرد، يجوز للنائب أن يطلب إدراج سؤاله في جدول أعمال الجلسة الموالية ويجبر الوزير المعني على الإجابة. إلا أن هذا الإجراء نادراً ما يتم اتباعه. لماذا تقوم بعض الوزارات بالرد أكثر من غيرها؟ لا يمكن لغياب الإرادة السياسية أن يكون التفسير الوحيد، إذ يمكن أن يوجد تفسير آخر يتمثل في أن غياب الرد ناتج على العدد المفرط من الأسئلة الواردة، فكلما زاد عدد الأسئلة، طال أمد الرد.
تبرز دراسة متوسط عدد الأسئلة لكل نائب تباينات مهمة. فرغم حصول “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” على 44 مقعداً فقط خلال الولاية التشريعية 2011-2016، فإنه لا يزال الحزب الأكثر نشاطاً في مجلس النواب، حيث طرح ممثلوه 257 سؤالاً لكل منهم. يليه “حزب العدالة والتنمية” الذي بلغ متوسط الأسئلة التي طرحها نوابه 208 سؤالاً، ثم “حزب التقدم والاشتراكية” بنسبة تناهز 115 سؤالاً لكل نائب. ولم يطرح النواب المنتخبون من “التجمع الوطني للأحرار” في المعدل سوى 18.3 سؤالاً، ما يجعل هذا الأخير الحزب الأقل نشاطاً في مجلس النواب. وبالكاد تجاوزهم نواب “حزب الأصالة والمعاصرة” و”الحركة الشعبية” و”الاتحاد الدستوري” بمعدل 30 سؤالاً لكل نائب.

إن هذه الفوارق بين الأحزاب تذكرنا بواحدة من أقدم الانقسامات في التاريخ السياسي المغربي: من جهة، نجد الأحزاب الإدارية (“الحركة الشعبية” و”التجمع الوطني للأحرار” و”الاتحاد الدستوري” و”حزب الأصالة والمعاصرة”) التي تم تشكيلها بتشجيع كبير من القصر؛ ومن جهة أخرى، أحزاب الحركة الوطنية (“حزب الاستقلال” و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”حزب التقدم والاشتراكية”) وليدة النضال من أجل الاستقلال، بالإضافة إلى “حزب العدالة والتنمية”. وتطرح الأحزاب الإدارية عدداً أقل من الأسئلة مقارنة بالبقية. فالعضو في الحزب الإداري يطرح 26.2 سؤالاً في المعدل، مقابل 165 سؤالاً من عضو في أحد أحزاب الحركة الوطنية أو “حزب العدالة والتنمية”.
والمثير للدهشة هو أن هذا التمييز بين الأحزاب يعد أكثر تأثيراً على طرح الأسئلة البرلمانية من الانقسام بين المعارضة والأغلبية. وقد يظن المرء أن أحزاب المعارضة تمارس ضغطاً أكبر على الحكومة مقارنة بنظيراتها التي تنتمي للأغلبية. إلا أنه على عكس ذلك، يتبين أن برلمانيي الأغلبية يطرحون أسئلة أكثر بقليل من أولئك الذين ينتمون للمعارضة (في المتوسط، يطرح نائب في الأغلبية 123 سؤالاً مقابل 78 لنائب في المعارضة).
تمثل الأسئلة البرلمانية الأداة الأكثر استخداماً من طرف أعضاء مجلس النواب نظراً لبساطة الإجراءات المتعلقة بها. ويتبين أن هناك بعض الاختلافات المنهجية، حيث يتلقى بعض الوزراء أسئلة أكثر من غيرهم، كما أن هناك اختلاف في معدل إجاباتهم. إضافة إلى ذلك، فإن عدد الأسئلة المطروحة من طرف أحزاب الحركة الوطنية و”حزب العدالة والتنمية” أكبر بكثير من عدد الأسئلة التي تطرحها الأحزاب الإدارية.
ونظراً للأهمية الحيوية للأسئلة البرلمانية، فإن استخدامها يستحق تحليلاً أكثر عمقاً. هذا وتمكِّن دراسة هذه الأسئلة من فهم دوافع النواب وتوجهاتهم وأولوياتهم، إذ يعكس استخدام الأسئلة استراتيجيات يحددها عدد من الرهانات. وبالتالي، يمكننا افتراض أن النواب الذين يمثلون الدوائر الانتخابية التي تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية أكثر من غيرها يطرحون أسئلة أكثر من البقية، وذلك بغرض الدفاع عن مصالح ناخبيهم بصورة أفضل. فمن خلال طرح الأسئلة داخل البرلمان، يستطيع النائب أن يتقمص صورة “المدافع” عن مصالح ناخبيه، ما قد يكون مفيداً له خلال مختلف الاستحقاقات الانتخابية.
ستُعيد طفرة التطرق لهذه الرهانات بشكل أكثر عمقاً في تدوينة لاحقة.
]]>ويحمل قرار تعريب التعليم دلالات عميقة على المستويين السياسي والاقتصادي. فمن الجانب السياسي، كان استخدام اللغة العربية رمزاً للاستقلال والسيادة الوطنية. وباختصار، كان تجسيداً للرغبة في التخلص من آثار القوة الاستعمارية التي كانت تمثلها فرنسا. أما من ناحية التبعات الاقتصادية لهذا القرار، فإن تعريب التعليم كان سلاحاً ذا حدين. فمن جهة، كان من شأن تدريس الطلاب المغاربة باللغة العربية أن يمكنهم من التعلم بشكل أكثر فعالية ومن اكتساب مهارات ضرورية لولوج سوق الشغل بشكل سريع. ومن جهة ثانية، كان يتوجب على هؤلاء الطلاب الذين تكونوا باللغة العربية ولوج نظام اقتصادي تهيمن عليه اللغة الفرنسية.
فما هي إذن التبعات الاقتصادية للتعريب؟ هذا هو السؤال الذي طرحه كل من جوشوا أنغريست وفيكتور لافي، اللذان كانا آنذاك عالمي اقتصاد في “معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا” والجامعة العبرية، في دراسة نُشرت في سنة 1997. ويسعى الباحثان بالتحديد إلى تقدير عائد الاستثمار في التعليم، قبل وبعد التعريب. وبتعبير آخر، بكم يعود قضاء سنة في المدرسة من حيث الراتب؟
يقارن أنغريست ولافي رواتب الأجيال الأخيرة التي سبقت التعريب بأول الأجيال التي جاءت بعد التعريب، وذلك من أجل تقدير أثره الاقتصادي. ولهذا الغرض، فإنهما يرتكزان على دراستين حول الشغل: حملتا 1990 و1991 من الدراسة السنوية حول الشغل التي أجريت من طرف مديرية الإحصاء (سميت فيما بعد بالمندوبية السامية للتخطيط)، والتي شملت حوالي 7000 شخص نشيط في المدن، إضافة إلى الدراسة حول مستوى العيش ومحو الأمية في 1991، والتي أجرتها كذلك مديرية الإحصاء بدعم تقني من البنك الدولي. وقد شملت هذه الدراسة أزيد من 1000 شخص في المدن والقرى، وتضمنت اختبارات معيارية للمهارات في الفرنسية والعربية والرياضيات، تسمح برؤية أثر التعريب على الكفاءات المدرسية.
يبدو المشكل بسيطاً للوهلة الأولى. فمنذ الاستقلال، أصبحت اللغة العربية لغة التدريس في المستوى الابتدائي. وكان الطلاب الذين التحقوا بالمستوى الإعدادي قبل 1983 قد تلقوا فيما بعد تعليمهم الثانوي بالفرنسية، فيما تلقى أولئك الذي التحقوا بالإعدادي بعد 1983 تعليمهم الثانوي بالعربية. وبالتالي، فإن الشباب الذين لم تصل أعمارهم إلى 21 سنة في 1991 قد تأثروا بالتعريب، على عكس الذين تجاوزوا 21 سنة.
ويبدأ الباحثان بمقارنة رواتب “الأكبر سناً” الذين التحقوا بالإعدادي بالذين بقوا فيه. فقبل التعريب، كان الولوج إلى المستوى الإعدادي يقدر بحوالي ثلاثة أضعاف الراتب المحصل عليه. وبعد ذلك، يقومون بنفس التمرين بالنسبة للفئة “الأصغر سناً”. فبعد التعريب، لم يرفع الولوج إلى المستوى الإعدادي الراتب سوى بنسبة 14%. يبدو إذن أن التعريب قد قلص أثر التعليم الإعدادي على الراتب بنسبة 60%.
وإذا كانت هذه المقاربة البسيطة سهلة الفهم وتعطي نتائج مقلقة (يقلص التعريب مكاسب الولوج إلى التعليم الإعدادي من حيث الرواتب بنسبة 60%)، فإنها بالمقابل تفتقر إلى الدقة الكافية. فـ”الأكبر سناً” يختلفون عن نظرائهم “الأصغر سناً” على مستويات عدة. حيث إنهم لم يعرفوا التعريب، لكن في سنة 1991، كانواً يتوفرون على خبرة مهنية أكبر (بعض المشاركين الأكبر سنا في العينة يبلغون من العمر 45 سنة)، وهو ما تعكسه رواتبهم الأعلى. هذا ويقارن الباحثان رواتب فئة عمرية بأخرى من أجل تقييم القدر الذي يرتفع به الراتب عن كل سنة خبرة مهنية إضافية، ومن أجل تصحيح التقدير الأول. وبعد أخذ تأثير الخبرة بعين الاعتبار، يصل أنغريست ولافي إلى تقدير أكثر تحفظاً، وهو أن التعريب قلص مكاسب الولوج إلى التعليم الإعدادي من حيث الراتب بنسبة تتراوح بين 20 و30%.
غير أن مشكلة تبقى قائمة: ربما غيَّر التعريب الطريقة التي يتم بها الولوج إلى سوق الشغل، فقد يكون “الأصغر سناً” قد حصلوا على فرص ولوج أكبر إلى سوق الشغل مقارنة بـ”الأكبر سناً”. وماذا عن العناصر الأقل كفاءة في الفئة “الأصغر سناً”؟ إن الأثر على الراتب هو نتيجة لكون هؤلاء الشباب أقل كفاءة، وليست المشكلة في التعريب بحد ذاته. إلا أنه نظراً لكون الدراسات تركز على الأشخاص النشيطين، يبقى التحديد الكمي لهذا الأثر غير ممكن. ولكن ثمة عنصر مطمئن: فمن بين “الأصغر سناً” و”الأكبر سناً،” تبقى حصة العمل المأجور (مقارنة بالمقاولين) هي نفسها. هناك إذن احتمال أقل بأن يكون قد طرأ تغير على ديناميات الولوج إلى فرص الشغل.
تطرق أنغريست ولافي فيما بعد إلى نتائج اختبارات المهارات في اللغتين الفرنسية والعربية وفي الرياضيات. ومجدداً، يقارنان من بين فئتي “الأصغر سناً” و”الأكبر سناً،” أولئك الذين التحقوا بالتعليم الإعدادي والذين لم يفعلوا، وذلك من خلال دراسة اختبارات الكفاءة هذه بدلاً من الراتب. ففي حين أن التعريب قلص بشكل كبير فوائد التعليم الإعدادي على مهارات التلاميذ في اللغة الفرنسية، يبين الباحثان أنه رغم ذلك، لازال إتقانها يشكل العامل الأكثر تأثيراً على الراتب مقارنة باللغة العربية والرياضيات.
هذا ويبين الباحثان أن التعريب لم يقلص أثر التعليم الإعدادي على مهارات التلاميذ في اللغة الفرنسية، بل أثر أيضاً على مهاراتهم في اللغة العربية والرياضيات، وهو ما يُعد أكثر إثارة للدهشة. ويُحتمل أن يكون أثر التعريب على مهارات هاتين المادتين ناتجاً عن انخفاض كفاءة المدرسين، أو حتى عن تكثيف الولوج إلى التعليم الإعدادي: فبعد التعريب، سهلت وزارة التربية الوطنية الوصول إلى التعليم الإعدادي كما قللت عدد حالات الرسوب بين التلاميذ، وبالتالي فإن التلاميذ الأقل كفاءة من نظرائهم السابقين يتعلمون بشكل أسوأ.
لا شك أن التقييم الإحصائي لأثر إصلاح معين على المستوى الوطني مثل التعريب عملية صعبة. إذ يكون أثر هذه الإصلاحات على المدى البعيد – في هذه الحالة، السنوات الست التي تفصل بين التحاق الأجيال الأولى المتأثرة بالتعريب بصفوف التعليم الإعدادي وولوجهم إلى سوق الشغل – وتقترن بسلسلة من التدابير الأخرى، مثل تكثيف التعليم الذي تم في نفس الفترة الزمنية. ورغم الاحتياطات المنهجية التي اتخذها أنغريست ولافي، وفي ظل غياب التجارب، لا يمكننا أن ننسب تقلص المكاسب المرتبطة بالحصول على الراتب وتراجع المهارات في اللغة الفرنسية إلى التعريب وحده بشكل قطعي. إذا كان التراجع على هذين الصعيدين موجوداً بالفعل، فإن سياق تكثيف التعليم وانخفاض كفاءات المدرسين قد زاد من حدته.
في المقابل، يبين الباحثان أن التعريب لم يتحقق دون تكلفة هامة، حيث قلص مكاسب الالتحاق بالتعليم الإعدادي من حيث الراتب بنسبة تتراوح بين 20 و30%، وذلك لأن هذه السياسة أثرت سلباً على تعلُّم مهارة أساسية في سوق الشغل، ألا وهي إتقان اللغة الفرنسية. وبالتالي، رافق التعريبَ انخفاض عام في أداء النظام التعليمي، وهو أمر مرتبط بشكل وثيق بتكثيف التعليم.
ما هي إذن الدروس التي يمكن أن نستخلصها من الماضي بينما قام البرلمان بالمصادقة على العودة إلى تدريس المواد العلمية في المستويين الابتدائي والثانوي باللغة الفرنسية؟ أولاً، أن كل إصلاح يجلب معه تكاليف تكيف. فالاقتصاد بالطبع ليس كل شيء، وتأكيد السيادة الوطنية من خلال لغة التدريس ليس نابعاً من منطق اقتصادي. ومع ذلك، يجب تقييم هذه المكاسب السياسية في ضوء التكاليف الاقتصادية.
لقد كان للتعريب ثمن، تماماً كما كان الأمر مع فرنسة التعليم غداة الاستعمار. وعلى نفس المنوال، ستكون إعادة الفرنسة (الجزئية) للتعليم مكلفة أيضاً. إن مغرب اليوم مختلف عما كان عليه في السابق، وهذا يعني أن التحديات التي ستنجم عن إعادة فرنسة التعليم المرتقبة مختلفة كثيراً عن تلك التي نجمت عن التعريب. لقد تم تكثيف التعليم على نطاق واسع، حيث يلتحق ما يفوق 96.8% من فئة عمرية معينة (في سنة 2017) بالتعليم الابتدائي مقارنة بـ56.1% سنة 1980. وسيكون للتكيف تكلفة أقل بما أن المغرب لن يضطر للعمل على واجهتين في آن واحد. غير أن دراسة أجريت مؤخراً تبينأن المدرسين لا يتوفرون على الكفاءات اللازمة لتلقين اللغة الفرنسية (أو العربية) في المستوى الابتدائي. لذلك يجب على هذا الإصلاح، إذا حدث بالفعل، أن يخفف تكاليف هذا الانتقال من خلال اتخاذ التدابير المصاحبة اللازمة من حيث التكوين الذي يتلقاه المدرسون وكذا الدعم المدرسي من أجل تعلم اللغة الفرنسية.
Journal of Labor Economics, 1997.
https://www.jstor.org/stable/2535401
ومع ذلك، تُظهر حالتا سوريا والمغرب أن القمع يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية. ففي سوريا، أسفر اعتقال وتعذيب التلاميذ الذين قاموا بالرسم على الجدران عن اندلاع موجة من المظاهرات في مارس من سنة 2011، قابلتها قوات الأمن بفرض إجراءات قمعية، حيث أطلقت النار على العديد من المتظاهرين العُزل وأردتهم قتلى، وهو ما ترتبت عنه حلقة من المقاومة والقمع ما فتئت تتسع وتنفلت. أما في المغرب، فإن الملك قد حظي بالإشادة نظراً لتجنبه فرض القمع بيد من حديد، كونه سارع إلى تقديم مجموعة من التنازلات – وإن كانت بسيطة – مصحوبة بحملة قمعية محدودة وانتقائية.
ومن خلال دراسة “حركة 20 فبراير”، فإن أدريا ك. لورنس، وهي باحثة في العلوم السياسية بجامعة “جونز هوبكينز”، تحاول فهم الدوافع التي تجعل بعض الأشخاص على استعداد للمخاطرة والاحتجاج رغم التهديدات القمعية التي تواجههم، بمعنى أنهم يخاطرون بأنفسهم بشكل كبير مقابل فرص نجاح ضئيلة؛ كما أنها تسعى إلى فهم الأثر الذي يخلفه القمع على النزعة الاحتجاجية.
للإجابة عن هذه الأسئلة، اختارت الباحثة استهداف المحرضين على إطلاق الحركة وأبرز الفاعلين في اندلاع المظاهرات داخل البلدان التي تحكمها الأنظمة الاستبدادية. أولئك الذين إذا تم ثنيهم عن التحرك، فإنه من غير المرجح أن تكون هناك أي مظاهرات حاشدة.
وعلى هذا الأساس، أنجزت لورنس بحثاً ميدانياً في الرباط على وجه الخصوص وذلك في الفترة الممتدة بين شتنبر 2011 ومارس 2012، حيث أجرت أزيد من 50 مقابلة مع قادة الحركة وشاركت في مناقشات على الإنترنت مع ناشطين وأشخاص لم يشاركوا في المظاهرات.
هؤلاء الأشخاص شاركوا فيما بعد في تصميم استطلاع للرأي وتوزيعه على منصة “فيسبوك” بشكل يمكن من إضفاء المزيد من الوضوح والموثوقية على هذه الدراسة: إذ إن رابطاً ينشره صديق يبدو أقل إثارة للشك من رابط يتم نشره عن طريق الإعلانات. وقد كان استطلاع الرأي متوفراً على الإنترنت طيلة الفترة الممتدة ما بين يونيو وشتنبر 2012، وهو ما ترتب عنه ملء 160 استبياناً. وقد كان الهدف من استطلاع الرأي هذا مقارنة المحرضين على إطلاق الحركة بأشخاص آخرين يشبهونهم وليس اختيار عينات عشوائية من الساكنة، شأنه في ذلك شأن المقابلات النوعية.
وتُظهر البيانات التي تم جمعها أن النشاط السياسي ينتقل من جيل إلى آخر: فالمحرضون في “حركة 20 فبراير” ينحدرون في الغالب من أسر عانت في السابق على أيدي النظام.
كما تُبين النتائج أن القمع قد يساهم في استمرار دعم الحراك الاجتماعي، وهو ما ينطبق على القمع الذي تعرضت له “حركة 20 فبراير” والذي عزز دعم الاحتجاجات التي لحقتها بين صفوف الأشخاص الذين تربطهم علاقات اجتماعية بالمحرضين.
عند انطلاق الاحتجاجات في تونس، كان العديد من المحرضين المغاربة قد ناقشوا المشاكل الاقتصادية وممارسة السلطة من قبل النظام على إحدى صفحات “فيسبوك” التي تحمل اسم “الشباب يتناقشون مع الملك”. وقد قام هؤلاء المشاركون بالإضافة إلى العديد من المنظمات بتنظيم اعتصام للتعبير عن تضامنهم مع الشعب التونسي. وفي شريط فيديو تعبوي، يشرح مغاربة من مختلف أطياف المجتمع الدوافع وراء تحركهم في 20 فبراير. وقد حظي الفيديو بمتابعة واسعة على منصة “يوتيوب”، ما أدى إلى خروج المتظاهرين إلى الشوارع في أزيد من 50 مدينة مغربية، واستمرت المظاهرات في التوسع خلال الأشهر التالية لتبلغ ذروتها في أبريل 2011، حين بلغ عدد المدن المغربية المعنية 110.
وأمام هذه الاحتجاجات الحاشدة، تحركت الدولة على ثلاث مراحل: حيث بدأت بالتقليل من حجم التعبئة، وقامت بإدانة الجهات المنظِّمة عبر وسائل الإعلام الحكومية وبرفض الترخيص لتنظيم المظاهرات، وإن سمحت بها. إلا أنه ومع استمرار الاحتجاج، أعرب الملك في خطوة ثانية عن استعداده للاستجابة لمطالب المتظاهرين وأعلن في 9 مارس عن مشروع إصلاح دستوري. وأخيراً، ومنذ ماي 2011، تعرض المتظاهرون لقمع شديد خلال الاحتجاجات، وتمت مضايقتهم في الشهور الموالية من قبل مؤيدي النظام. واعتُقل عدد كبير من القياديين، وحُكم على بعضهم بالسجن لانتقادهم الشرطة والدولة.
وقد أجرت أدريا لورنس مقابلات مع عدد من هؤلاء المحرضين، وأظهرت أن أغلبهم ينحدرون من أسر عانت سابقاً من النظام بسبب أنشطتها السياسية، ما أثر على قرارهم بالمشاركة في النضال، وذلك قبل ظهور “الحركة”. وقد تحدث جميع المشاركين عن شعورهم بضرورة “القيام بأمر ما”، وهو ما دفعهم للالتحاق بمنظمات للدفاع عن قضايا معينة كمسألة اللغة الأمازيغية وحقوق المرأة وحقوق السجناء. كما سنحت للمنظمات التي كانت تنتقد الوضع القائم قبل أحدات تونس ومصر الفرصة للخروج في مظاهرة حاشدة. وكان معظم المحرضين ينتمون إلى منظمات ناشئة توحدت تحت راية “حركة 20 فبراير” بعد نجاح المظاهرة الأولى. فعلى سبيل المثال، شهدت مريم اعتقال والدها في بداية السبعينات، وعند وفاته قبل أربع سنوات، أكدت على أن “دورها قد حان لتستأنف النضال”. وقد انضمت فيما بعد لـ”الحركة البديلة للحريات الفردية” (مالي)، وهي مجموعة تدافع عن حقوق المرأة والمثليين قبل أن تصير عضواً مهماً داخل “حركة 20 فبراير”.
إن الانضمام لهذه المنظمات قد أنشأ رابطاً مع ناشطين آخرين وقاعدة تنظيمية تم من خلالها التخطيط لمظاهرات حاشدة وإطلاقها عندما أتاحت الثورة التونسية فرصة القيام بذلك. حيث انتقل هؤلاء الناشطون من عمل جماعي أقل مخاطرة إلى عمل أكثر مخاطرة، وهو ما قد يكون أسهل من الانتقال من الجمود إلى النشاط.
وقد كشفت مقارنة المقابلات التي أجريت مع القياديين، من جهة، ومع المشاركين غير المنتظمين ومع غير المشاركين، من جهة أخرى، أن الفئة الأولى لم تكن أكثر تأييداً للتغيير من الفئة الثانية، وإنما كانت أكثر انخراطاً في التعبئة بسبب التجارب السياسية السابقة التي عاشها أفرادها من خلال عائلاتهم. كما يبدو أن المشاركين غير المنتظمين وغير المشاركين يتفقون مع أهداف الحركة، كما هو الشأن بالنسبة للقياديين، لكن دون أن يكون لديهم أي معتقل سياسي في عائلاتهم ودون أن ينتموا لأي منظمة سياسية. فعلى سبيل المثال، شارك كمال البالغ من العمر 24 سنة في بعض المظاهرات مع أصدقائه سنة 2011، غير أنه لا ينتمي لأي منظمة، فهو يدافع عن الانتقال الديمقراطي ويفترض أن الاحتجاج وسيلة فعالة، بيد أنه يقول: “أخرجُ [في المظاهرات] حين يمكنني ذلك، فلدي أمور أخرى يتعين عليّ القيام بها”.
وتؤكد بيانات استطلاعات الرأي التي تم تجميعها على موقع “فيسبوك” هاتين الفكرتين. فقد كان لمحرضي “حركة 20 فبراير” تجربة مسبقة في العمل الجماعي، إذ إن 83% من الذين حققوا أعلى نسبة مشاركة (أكثر من 5 مظاهرات في سنة 2011) قد شاركوا من قبل في مظاهرات أخرى، وكانوا عادة ما ينتمون إلى منظمات كـ”حركة 20 فبراير” أو نقابات أو غيرها من المنظمات غير الحكومية، كما كان مرجحاً أيضاً أن يكون أحد أفراد أسرهم ضحية للقمع: إذ أجاب 45 من أصل 155 مستجوباً (29%) بالإيجاب (وهي نسبة مرتفعة مقارنة بمجموع السكان)، في حين أن 40% من المشاركين في أكثر من خمس مظاهرات قد أكدوا أن أحد أفراد أسرهم قد تعرض للقمع، مقارنة مع 14% من أولئك الذين لم يشاركوا.
هذا وتبين الدراسة الاستقصائية الكمية كذلك مفارقة بالغة الأهمية، وهي أن تجارب القمع هي التي تهم داخل الأسرة، وليست تجارب النشاط بشكل عام. فأولئك الذين كان آباؤهم ناشطين لم يكونوا أكثر استعداداً للمشاركة ممن لم يكن آباؤهم من الناشطين. فقط أولئك الذين عانى آباؤهم بسبب أنشطتهم السياسية هم من تفوق نسبة تمثليهم باقي المحتجين.
يمكن للقمع أن يكون عاملاً في الحد من التعبئة. فبعض المستجوبين غير المشاركين أشاروا إلى أن الخوف من القمع يمثل السبب الرئيسي وراء عدم انخراطهم في أنشطة الحركة. لكن لورنس توضح أنه قد يكون للقمع نتائج عكسية على النظام بحيث يشجع على الاحتجاج.
ولاختبار آثار القمع على التعبئة، قامت الباحثة بتقسيم المشاركين في استطلاع الرأي إلى ثلاث مجموعات معالجة ومجموعة مرجعية. وقد حصلت كل واحدة من مجموعات المعالجة على واحدة من المعلومات الثلاث التالية: لجوء النظام إلى استخدام العنف، وتساهله تجاه المظاهرات، وتنازلاته. وفي المقابل، لم تحصل المجموعة المرجعية على أي معلومة. وبعد الحصول على المعلومات، أصبح المشاركون في الاستطلاع مطالبين باتخاذ قرار بخصوص دعمهم للاحتجاجات المستقبلية من عدمه.
وبينما كانت المجموعات الثلاث قد عبرت عن دعمها لاستمرارية الاحتجاجات بنسبة أعلى من المجموعة المرجعية، فإن النتائج تبقى ذات دلالة إحصائية فقط على مستوى المجموعة الخاصة بـ”القمع”. وهناك معطيات إضافية تسمح بإيجاد تفسير للأسباب وراء هذه النتيجة. هذا وقد طُلب من المجموعات الأربع الإجابة عن السؤال حول وضع الديمقراطية في المغرب، فلم يشر أغلب أعضاء المجموعة المرجعية إلى أي تغيير في هذا النطاق، شأنهم في ذلك شأن 40% من أولئك الذين تم إطلاعهم على تساهل النظام مع الاحتجاجات. ومن جهتهم، صرح 61% من المشاركين في المجموعة الخاصة بالتنازلات أن وضعية الديمقراطية تحسنت، في حين أن أعضاء المجموعة الخاصة بالقمع كانوا أكثر من اعتبر أن وضع الديمقراطية قد تدهور.
وبالتالي، يمثل القمع دافعاً للتعبئة، إذ حتى وإن لم يدفع بغير المشاركين إلى النزول إلى الشارع، يمكنه أن يعزز من رغبتهم في أن يصبحوا أكثر نشاطاً على الصعيد السياسي، وهو ما يفتح المجال أمام المشاركة في احتجاجات مستقبلية. هذا ويدرك قياديو الحركات الاجتماعية أنه بإمكان القمع أن يجلب الدعم والتعاطف لقضيتهم، وهو ما يجعلهم لا يترددون في الحديث حول العنف الذي يمارسه النظام.
إن لهذه النتائج تداعيات هامة على فهم العمل الجماعي ونشاط القياديين، فهي تساعد على الربط بين فترات الاحتجاجات الماضية والحاضرة والمستقبلية، وتشير إلى أن القمع يمكن أن تكون له عواقب غير متوقعة على المديين القريب والبعيد. وبالتالي فإن العقود التي شهدت انتهاكات حقوق الإنسان من شأنها أن تحفز الأجيال القادمة على مواجهة النظام، حتى وإن لم ترغب الأغلبية في ذلك، كما هو الشأن بالنسبة لقياديي “حركة 20 فبراير” الذين كان عدد كبير من أقاربهم المباشرين معتقلين سياسيين. وقد شجعتهم هذه التجربة على الانخراط في السياسة حتى قبل الربيع العربي، وعند مجيئه كانوا على استعداد لقيادته. هذا ولا تقتصر الأمثلة على المغرب، فقد كان نشطاء الربيع العربي البارزون في دول أخرى ينحدرون بدورهم من أسر سبق أن تعرض أفرادها للاعتقال بسبب نشاطهم السياسي، على غرار علاء عبد الفتاح في مصر، ولينا بن مهني في تونس، وزينب الخواجة في البحرين.
ومن جهة أخرى فإن للقمع أثر على الفئة الثانية، أولئك المقربون من المحرضين، والذين يزيدون من دعمهم للأنشطة الاحتجاجية عند معرفتهم بالقمع البوليسي، وهو درس بالغ الأهمية بحكم الدور الذي لعبته (وما تزال) وسائل التواصل الاجتماعي في المظاهرات الحاشدة منذ بدء الربيع العربي. كل هذه النتائج تطرح أسئلة حول أثر القمع الذي طال حراك الريف على المدى البعيد.
British Journal of Political Science, 2016.
DOI: 10.1017/S0007123415000733
كل هذه الأسئلة تم التطرق لها من خلال التقرير التركيبي الذي تم نشره للعموم، يوم الاثنين 20 ماي، من طرف الجمعيات المنتمية لمنصة الحق في الولوج إلى المعلومة و المتعلق بتنزيل القانون 31-13.
يضم هذا التقرير مختلف العروض التي تم تقديمها خلال اليوم الدراسي المنظم يوم 23 نونبر 2018 من طرف المنصة و الذي عرف مشاركة ممثلات و ممثلين عن الإدارات و المؤسسات العمومية، خبيرات و خبراء دوليين، جمعيات محلية و مهنية، بالإضافة إلى ممثلات و ممثلين عن منظمات تونسية (أنا يقظ و الفصل 19) و أردنية (OGP الأردن) التي قامت بتقاسم تجربتها في هذا المجال.
بعدما تمت مناقشة المقتضيات المتعلقة بالقانون، التحديات البشرية و التقنية و المؤسساتية المرتبطة بتنزيل القانون 31-13 في علاقة مع التزامات المغرب بعد انضمامه لمبادرة الشراكة من أجل الحكومة المنفتحة (26 أبريل 2018)، رفعت المشاركات و المشاركين مجموعة من التوصيات التي نسرد منها: ضرورة تحسيس المواطنات و المواطنين و كذا وسائل الإعلام بأهمية ممارسة هذا الحق، ممارسة تقييم موضوعي من طرف المجتمع المدني بخصوص التقدم المحرز في تنزيل القانون، حصر لائحة المعلومات التي يتعين على كل إدارة عمومية توفيرها بطريقة استباقية و تشجيع البحث العلمي و الأكاديمي المتعلق بعلوم المعلومات و البيانات من قبيل العلوم الاجتماعية، الاقتصاد، السوسيولوجيا، الأنثروبولوجيا و العلوم السياسية بطريقة تضمن تطوير و الاشتغال على المعطيات التي يتوفر عليها المغرب.
في انتظار دخول القانون حيز التنفيذ النهائي يوم 12 مارس 2020، يضرب لكم أعضاء المنصة موعدا من أجل استعراض حصيلة التنزيل خلال نونبر المقبل.
تتشكل هذه المنصة من المركز والجمعيات التالية:
ومع ذلك، فإن التحليل الإقليمي للديناميات الاجتماعية والسلوكيات الانتخابية يكشف عن أوضاع معاكسة لذلك على مستوى الجماعات المغربية، وهو ما يطرح التساؤل حول ما إذا كان الإطار التنظيمي والممارسات الحزبية يتماشيان مع الوضع الاجتماعي للمرأة.
في الجزء الأول من هذا التقرير، تقترح أليسيا فرانسوا ودافيد غوري تحليلاً دقيقاً لديناميات تمكين المرأة، انطلاقاً من سلسلة من المؤشرات المرتبطة بمستويات التعليم وسن الزواج والخصوبة ومعدلات النشاط والحصول على مداخيل نقدية مباشرة، كما يسلطان الضوء على الفوارق الإقليمية الكبيرة على مستويي التعليم وفرص الحصول على العمل المأجور.
أما في الجزء الثاني، فيتطرقان إلى التمثيل السياسي النسوي داخل المجالس المنتخبة، ويبينان أن المنطق التنظيمي المعتمد يحفز بشكل خاص المشاركة النسوية في الجماعات الأقل كثافة من الناحية السكانية في ربوع المملكة.
وللوقوف على الديناميات المتدخلة في هذه المسألة والاقتراب من فهمها، تقترح كل من فرانسوا وغوري إجراء تحليل للديناميات الجماعية في جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة بهدف استيعاب حجم الفوارق الإقليمية داخل جهتين هما الأكثر نشاطاً في المملكة. ولهذا الغرض، يرتكز الباحثان على بيانات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014 إضافة إلى بيانات انتخابية من الانتخابات الجماعية لسنة 2015.
بالموازاة مع الديناميات الاقتصادية والاجتماعية، قررت السلطات زيادة التمثيل النسوي داخل المجالس المنتخبة. لكن في إطار الانتخابات الجماعية لسنة 2015، فقد كان الأمر يتعلق ببروتوكول معقد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بحجم الجماعات. وبالتالي، ففي الجماعات التي تقل ساكنتها عن 35 ألف نسمة، والمقسمة إلى أربع دوائر انتخابية ذات مرشح واحد، حصلت الدوائر الانتخابية الأربع ذات الكثافة السكانية الأعلى على مقعد تكميلي نسوي ثان.
أما في الجماعات التي تزيد ساكنتها عن 35 ألف نسمة وفي الدوائر، توجد لائحة نساء تضم 6 أسماء عن الجماعات والدوائر التي تقل ساكنتها عن 200 ألف نسمة، و8 أسماء عن نظيرتها التي تزيد ساكنتها عن 200 ألف نسمة.


غير أن عدد المقاعد مرتبط بدرجة كبيرة بحجم الساكنة، حيث إنه وفقاً لهذا المنطق التنظيمي، تضم الجماعات ذات الكثافة السكانية الأقل، أي التي لا يصل عدد سكانها إلى 7500 نسمة، المجالس البلدية ذات أكبر حضور نسوي بـ4 نساء منتخبات من أصل 15 عضواً بالمجلس، ما يعادل نسبة 26.67%. وتنضاف إلى هذا حالات استثنائية في جماعات الأحياء التابعة للقصور الملكية مثل تواركة بالرباط والمشور بالدار البيضاء، والتي تضم 13 عضواً منتخباً، من بينهم 4 نساء، أي أن نسبة المشاركة النسوية الدنيا تصل إلى 30.3%.
بالمقابل، كلما زاد حجم الجماعة، تراجعت نسبة المشاركة النسوية الدنيا داخل المجالس. حيث تنخفض إلى 23.53% في الجماعات التي يتراوح عدد سكانها بين 7500 و12 ألف و500 نسمة، والتي تتألف مجالسها من 17 عضواً منتخباً. وتصل هذه النسبة إلى 21.05% في الجماعات التي يتراوح عدد سكانها بين 12 ألفاً و500 و15 ألف نسمة، والتي تضم 19 عضواً منتخباً، كما تواصل الانحدار لتصل إلى 13.79% في الجماعات التي يتراوح عدد سكانها بين 25 ألف و35 ألف نسمة، وتضم 29 عضواً منتخباً. وأخيراً، ترتفع نسبة النساء المنتخبات لتصل إلى 20.69% في الجماعات ذات اللائحة الواحدة التي يزيد عدد سكانها عن 35 ألف نسمة، وتتألف مجالسها من 29 عضواً منتخباً لكن يفرض القانون أن تضم 6 نساء.
بيد أن هذه النسبة تتراجع إلى 17.14% في الجماعات التي يزيد عدد سكانها عن 50 ألف نسمة وتضم 35 عضواً منتخباً، وتواصل الانخفاض لتصل إلى 15.38% في الجماعات التي يزيد عدد سكانها عن 100 ألف نسمة وتضم 39 عضواً منتخباً، ثم إلى 13.95% في الجماعات التي يزيد عدد سكانها عن 150 ألف نسمة وتضم 43 عضواً منتخباً. أما بالنسبة للجماعات التي يصل عدد سكانها إلى 200 ألف نسمة وتضم 47 عضواً منتخباً، من بينهم 8 نساء، فإن النسبة القانونية الدنيا تصل على 17.02%، فيما تتراجع إلى 12.31% كحد أدنى في كُبريات البلديات مثل مكناس ووجدة وأكادير والقنيطرة، والتي تضم مجالسها البلدية 65 عضواً منتخباً.
أما فيما يخص الدوائر، يتباين عدد الأعضاء المنتخبين في مجالسها بشكل كبير، حيث يتراوح بين 19 بالدار البيضاء – أنفا و44 في الرباط – يعقوب المنصور، وهو ما يتسبب في تباين نسبة المشاركة النسوية المفروضة قانونياً. ففي أنفا، تصل نسبة المشاركة النسوية المفروضة إلى 31.58%، وهي الأعلى في المغرب، في حين أنها في يعقوب المنصور من بين الأدنى في المملكة، حيث لا تتجاوز 13.64%.


يتسبب هذا التعقيد القانوني إذن في تحيز إحصائي غير خطي، الأمر الذي يطرح إشكالية التمثيل النسوي. ففي الجماعات التي يصل عدد سكانها إلى 35 ألف نسمة، يؤدي اختيار مقعد تكميلي، بدل اللائحة الجماعية الخاصة بالنساء كما في انتخابات 2009، إلى إضعاف موقعهن، ويفرض عليهن أن يكن خلف الرجل وعرضة لهيمنته. وبالتالي، فإن جماعتين في إقليم الخميسات، وهما الغوالم وأولماس، لا تحققان العتبة القانونية الذي يقضي بوجود أربع نساء في المجلس الجماعي، حيث لا يضم المجلسان الجماعيان سوى امرأتين وثلاث نساء على التوالي. وقد أدت نزاعات سياسية عنيفة أثناء الانتخابات إلى إلغاء الاقتراع في دائرتين انتخابيتين رئيسيتين في الغوالم وفي دائرة انتخابية واحدة في أولماس، ما حال دون التصويت وأدى بالتالي إلى مجلس غير مكتمل.
حالياً، يبدو أن جماعات قليلة جداً تتجاوز العتبة القانونية. ففي جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة، يتجاوز التمثيل النسوي العتبة القانونية في 52 جماعة فقط، مقارنة بـ255 جماعة تمتثل للقانون بشكل صارم: 19 من أصل 215 جماعة قروية، أي 8.8% من الجماعات القروية، و16 من أصل 49 بلدية، أي 32.6% من البلديات، و17 من أصل 26 دائرة، أي 65.4% من مجموع الدوائر.
فبالنسبة لحالات انتخاب المرشح الواحد، يفترض أن تمثل امرأة واحدة القرية أو الحي، وبالنسبة لحالات الانتخاب باللائحة، يفترض أن تمنح أهلية الانتخاب في صدارة اللائحة لامرأة. لكن يظل من الصعب بالنسبة لامرأة أن تثبت نفسها كممثل وحيد للحي. ففي جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة، نجحت 25 امرأة فقط في الفوز بمقاعد من بين 3927 مقعداً متوفراً: أي أن 0.6% من الأعضاء المنتخبين في انتخابات المرشح الواحد، دون احتساب المقعد التكميلي، هن نساء. وتعد الهرهورة الجماعة الوحيدة التي تضم أقل من 35 ألف نسمة حيث نجحت امرأتان في تحقيق هذا الإنجاز.
ويبدو أنه من السهل بالنسبة للأحزاب في الجماعات التي تضم أكثر من 35 ألف نسمة وفي الدوائر أن تمنح أهلية الانتخاب للنساء، خارج اللائحة المخصصة لهن. إلا أن 52 امرأة فقط تم انتخابهن من ضمن اللائحة الرئيسية، وذلك من بين 1692 مقعداً متوفراً، لتصل نسبة التمثيل النسوي إلى 3%. وتمثل دائرة أكدال – الرياض استثناءً حيث تضم 7 نساء منتخبات من بين 30 اسماً في اللائحة الرئيسية. وتجدر الإشارة أيضاً إلى الجهد الاستثنائي الذي تم بذله في القنيطرة حيث تظهر 7 نساء على اللائحة الرئيسية التي ضمت 57 اسماً.


وأخيراً، توجد أقلية صغيرة من الجماعات المركزية يتركز فيها عدد كبير من النساء الناشطات والمتعلمات، وهي تتوفر على مجلس بلدي يضم تمثيلاً نسوياً كبيراً نابعاً من رغبة حقيقية من الأحزاب في تعزيز دور المرأة. أما في الجماعات الوسيطة، تظل النساء تمثلن أقلية ويجدن صعوبة في إثبات ذواتهن خارج الحصص التي يفرضها القانون. وبالتالي، إذا كان متوسط النساء في مجالس الدوائر يبلغ 23.8%، فإنه لا يتجاوز 19.2% في مجالس البلديات، فيما تصل النسبة إلى 20.7% في الجماعات القروية.
وفي هذا السياق، لا تتجاوز المشاركة النسوية نسبة 30% إلا في 8 جماعات فقط، وهي جماعتا تواركة والمشور، ودائرتان في الدار البيضاء (أنفا والحي المحمدي)، ودائرتان في الرباط (أكدال-الرياض والسويسي)، وجماعة آيت علي أو لحسن القروية التابعة لإقليم الخميسات، وبلدية دار الكداري الصغيرة التابعة لإقليم سيدي قاسم. وباستثناء دائرتي سباتة والصخور السوداء بالدار البيضاء ودائرة حسان بالرباط، فإن الجماعات الـ51 التي يتواجد فيها أكثر من 25% من النساء المنتخبات هي الجماعات القروية الأقل كثافة من حيث عدد السكان في الجهتين، وتنضاف إليها بلدية واحدة.


يتسم السلوك الانتخابي في الجماعات ذات المجالس التي تكون فيها نسبة التمثيل النسائي مرتفعة بتباين كبير، لإن المشاركة تكون أضعف بكثير في الدوائر مقارنة بالجماعات القروية بحوالي 40 نقطة (أي بمعدل 36% في الدوائر، مقابل 5%7 في الجماعات القروية).
وفي الدوائر الـ10 التي يتواجد فيها أزيد من 25% من النساء المنتخبات، حصد “حزب العدالة والتنمية” الصدارة (باستثناء دائرة السويسي بالرباط التي فاز بها “حزب الأصالة والمعاصرة”)، محققاً بذلك معدل 38%. ومن ناحية أخرى، من بين 46 جماعة قروية، 33 منها فقط كانت تضم مرشحين من “حزب العدالة والتنمية”، إذ لم يحل أولاً إلا مرة واحدة، محققاً بذلك معدل 7.9%، أي 30 نقطة أقل بالمقارنة مع ما حققه في الدوائر. وهكذا، يبدو أن التشريع يؤدي إلى رفع التمثيلية النسائية في سياقات سياسية جد مختلفة، سواء على مستوى المشاركة أو التوجهات الحزبية.
وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الدوائر التي تتوفر على أكبر عدد من النساء المنتخبات هي التي عرفت أكبر معدلات مشاركة في الانتخابات، كدائرة أنفا بالدار البيضاء (بمعدل 37% مقابل 30% في المدينة ككل)، وكذلك أكدال-الرياض والسويسي بالرباط (الدائرتان الوحيدتان اللتان حققتا 45% و51% على التوالي متجاوزين بذلك معدل المشاركة). إلا أنها لم تكن الدوائر التي حقق فيها “حزب العدالة والتنمية” أفضل نتائجه، وهو الحزب الذي ساعدته نسبة المشاركة الضعيفة للناخبين. ونتيجة لذلك، فإن خيار إشراك النساء بصورة كبيرة في الانتخابات الجماعية في الدوائر التي تتمتع فيها النساء باستقلالية أكبر قد يكون استراتيجية ناجحة ليس فقط من حيث التعبئة الانتخابية، بل كذلك فيما يتعلق بإضعاف احتكار “حزب العدالة والتنمية” للساحة السياسية.






عقب الدورة الأولى، طُرحت مسألة تعيين رؤساء الجماعات، ويبدو أن النساء هن الفئة التي تأثرت على وجه الخصوص. إذ إن ثلاث جماعات فقط (1.4%) من أصل 215 جماعة قروية تتولى رئاستها نساء، وهن: فاطنة لكحيل رئيسة جماعة عرباوة (إقليم القنيطرة) والتي تتولى هذا المنصب منذ 2009، وهي شخصية سياسية بارزة تنتمي لـ”الحركة الشعبية”، وقد كانت نائبة برلمانية في الفترة ما بين 2002 و2016، ونائبة لرئيس مجلس النواب ما بين 2003 و2008، ومنذ 2017، شغلت منصب كاتبة الدولة المكلفة بالإسكان؛ ووفاء البوعمري رئيسة جماعة أولاد زيان (إقليم برشيد)، والي تتولى هذا المنصب منذ 2009، وهي أيضاً عضو في المكتب السياسي لـ”الحركة الشعبية”؛ وأخيراً كلثوم نعيم رئيسة جماعة لعطاطرة (إقليم سيدي بنور)، ابنة رئيس دائرة سيدي بنور السابق محمد نعيم، التي كانت تبلغ 26 عاماً حين تم انتخابها عن حزب “التجمع الوطني للأحرار”، والتي سبق لها أن شغلت منصب مستشارة جماعية وإقليمية في 2009، وقد تمكنت من أن تصبح مرشحة رئيسية في دائرة انتخابية تتوفر على مقعد نسائي تكميلي، الأمر الذي جعل دائرتها واحدة من الدوائر الانتخابية النادرة التي تعرف حضوراً نسائياً مضاعفاً. إن المسارات الثلاث الاستثنائية هذه تعكس صعوبة ترسيخ القيادة السياسية النسائية. هذا وتُعد رئيسات الجماعات الثلاث من بين النساء الـ25 اللواتي تم انتخابهن دون اللجوء إلى المقاعد التكميلية. وعلى ذلك، فإن الخطوة الأولى نحو الرئاسة تتجسد في أن تترشح المرأة في دائرة انتخابية ذات مقعد واحد.
وعلى نحو مماثل، لا تترأس النساء سوى ثلاث دوائر من أصل 26، وهي مقاطعة حسان في الرباط التي تترأسها سعاد الزخنيني (“حزب العدالة والتنمية”)، ومقاطعتي تابريكت وبطانة في سلا اللتان تترأسهما كريمة بوتخيل (“حزب العدالة والتنمية”) ورشيدة الحايل (“الحركة الشعبية”)، ما يجعل سلا المدينة التي تشغل فيها النساء أكبر عدد من المناصب القيادية.
ومن ناحية أخرى، ليست هناك أي دائرة أو مجلس جماعي بالدار البيضاء تترأسه امرأة، حيث تسند وظائف ثانوية إلى النساء تتمثل في نائبات الرئيس السادسة والتاسعة والعاشرة. ويُعد هذا تراجعاً مقارنة بالانتخابات السابقة لسنتي 2003 و2009، والتي انتُخبت فيها الاستقلالية ياسمينة بادو رئيسة لدائرة أنفا.
وفي سنة 2005، كانت دائرة أنفا تحظى بأكبر تمثيلية نسائية في المغرب نتيجة لهذا الإرث، حيث كانت ياسمينة بادو لا تزال على رأس اللائحة وذلك من أجل الدفاع عن ولايتها. وقد تمت محاكاة هذه الاستراتيجية المتمثلة في وضع النساء الجديرات بالانتخاب في اللائحة الرسمية من طرف “حزب الأصالة والمعاصرة”، كما اتبعتها أحزاب أخرى كـ”حزب العدالة والتنمية”. إلا أنه على خلاف ذلك، لم يرغب “حزب العدالة والتنمية” في تعزيز دور النساء في الدار البيضاء كما فعل في الرباط وسلا. وأخيراً، لا توجد امرأة على رأس أي بلدية في هاتين الجهتين، ما يجعل من هذا المستوى نقطة عمياء فيما يتعلق بمسألة الرفع من التمثيلية النسائية.
لم تصب الديناميات الحزبية في صالح وصول المرأة لمناصب رئاسة الجماعات. في الواقع، نادراً جداً ما دعمت الأحزاب عمليات ترشيح نسائية قيادية، خاصة في الدار البيضاء والرباط. ولهذا فإن ما حققته ياسمينة بادو في سنة 2003 و2009 ما هو إلا استثناء. ففي 2015، سادت هذه الدينامية على المستوى الوطني، حيث لم يتم انتخاب أي امرأة على رأس حاضرة مغربية كبرى كما كان الحال بالنسبة لفاطمة الزهراء المنصوري سنة 2009 بمراكش. وعموماً، تمكن العدد القليل من النساء اللواتي يشغلن مناصب الرئاسة في الجماعات من تأكيد حضورهم في المدن الثانوية الصغيرة مثل أزيلال وجرادة والدراركة وخاصة في الجماعات القروية.
ومن هذا، يتبين أن نظام الانتخاب على دورتين لتعيين الرؤساء لا يصب في مصلحة النساء، نظراً لغياب إرادة حزبية لتعزيز حضورهن على مستوى المناصب الرئيسية. فإذا كانت النساء تمثلن 21% من أعضاء المجالس الجماعية، فإن 17 منهن فقط تمكن من رئاسة جماعة ما، أي 1.1% من الجماعات المغربية. وعلى نحو مماثل، إذا كُنَّ يمثلن %37.6 من أعضاء المجالس الجهويين، فإن ولا واحدة منهن توجد على رأس أي جهة. وأخيراً، لا تمثل النساء سوى 4% من أعضاء مجالس العمالات والأقاليم الذين تم انتخابهم عن طريق الانتخابات غير المباشرة والوحيدة، وهناك مجلس عمالة واحد تترأسه امرأة، وهو مجلس عمالة مراكش. بالإضافة إلى ذلك، يتم إسناد الوظائف الثانوية إلى النساء داخل المجالس المختلفة على نحو منهجي، كما أنه نادراً جداً ما يصلن إلى المناصب المهمة مثل مناصب المالية أو التخطيط الحضري. هذا ويبدو أن الرفع من التمثيل النسائي داخل الجماعات الترابية تحدٍّ هائل في انتظار انتخابات 2021.
]]>ومع ذلك، فإن التحليل الإقليمي للديناميات الاجتماعية والسلوكيات الانتخابية يكشف عن أوضاع معاكسة على مستوى الجماعات المغربية، وهو ما يطرح التساؤل حول ما إذا كان الإطار التنظيمي والممارسات الحزبية يتماشيان مع الوضع الاجتماعي للمرأة.
في هذا الجزء الأول، تقترح أليسيا فرانسوا ودافيد غوري تحليلاً دقيقاً لديناميات تمكين المرأة، انطلاقاً من سلسلة من المؤشرات المرتبطة بمستويات التعليم وسن الزواج والخصوبة ومعدلات النشاط والحصول على مداخيل نقدية مباشرة. كما أنهما يسلطان الضوء على التعقيد الذي تتسم به الفوارق الإقليمية حسب أوساط العيش.
أما في الجزء الثاني، فسيتطرقان إلى التمثيل السياسي النسوي داخل المجالس المنتخبة، كما سيبرزان أن المنطق التنظيمي المعتمد قد حفز المشاركة النسوية في الجماعات ذات الكثافة السكانية الأقل في المملكة، لكن دون تعزيز وصول النساء إلى مناصب سياسية مهمة، خاصة منصب الرئاسة في مختلف المجالس.
ولفهم الديناميات المتدخلة في هذه المسألة بشكل أفضل، تقترح أ. فرانسوا ود. غوري إجراء تحليل للديناميات الجماعية على المستوى الوطني، قبل حصره في جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة بهدف استيعاب حجم الفوارق الإقليمية داخل جهتين هما الأكثر نشاطاً في المملكة. ولهذا الغرض، يرتكز الباحثان على بيانات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014 إضافة إلى بيانات انتخابية من الانتخابات الجماعية لسنة 2015.
سنختار هنا المقارنة بين ثلاثة أوساط عيش:
هذا ويصعب قياس مسألة استقلالية النساء، حيث إن المؤشرات المختارة تستند إلى تصورات مسبقة مبنية على نموذج مجتمعي معين، لذلك أصبحت المنظمات الدولية اليوم تفضل الاستناد إلى المستوى التعليمي أو سن الزواج أو الخصوبة أو العمل المأجور أو ريادة الأعمال داخل إطار تنظيمي. لكن تجدر الإشارة إلى أن هذه الظواهر ليست مترابطة بشكل منهجي، خاصة في السياق المغربي حيث ارتفعت معدلات متابعة الدراسات الثانوية والعليا بشكل ملحوظ منذ سنة 2004، وصاحب ذلك انخفاض سن الزواج إلى 25.7 سنة في 2014 مقارنة بـ26.3 سنة في 2004.
ومن هذا المنطلق، فإن الفوارق على المستوى الوطني حسب الأقاليم وأوساط العيش تتطلب تحليلا متعمقاً.
لا تتجاوز نسبة النساء الأميات في الدوائر 26.5%، بينما تصل نسبة النساء الحاصلات على شهادات عليا إلى 12.04%. بالمقابل فإن نسبة الأمية في البلديات تزيد عن ذلك بـ10 نقاط (36.8%)، في حين أن حصة النساء الحاصلات على شهادات عليا بالكاد تتجاوز النصف (5.8%). وأخيراً، فإن نسبة الأمية لدى النساء في الجماعات القروية مرتفعة جداً، حيث تبلغ 60.5%، في حين أن نسبة النساء الحاصلات على شهادات عليا تظل ضعيفة للغاية بمعدل 1.02%.
ويُتَرجم هذا التفاوت الكبير في المستويات التعليمية إلى اختلاف بسيط نسبياً في سن زواج النساء بين الدوائر (27.8 سنة) والبلديات (25.8 سنة) والجماعات القروية (25.3 سنة)؛ علما أن ارتفاع سن الزواج في الفترة ما بين 2004 و2014 قد شمل المدن والقرى على حد سواء. وعلى النحو ذاته، يلتقي السلوك الديمغرافي مع معدل الخصوبة الكلي المتمثل في 1.8 طفل لكل امرأة في الدوائر، و2.1 في البلديات، و2.5 في الجماعات القروية. لكن هنا أيضاً استمرت خصوبة النساء القرويات في الانخفاض، في حين شهدت خصوبة النساء الحضريات ارتفاعاً طفيفاً منذ 2004. وفي الوقت الحالي، لا يتجاوز عدد الجماعات التي تتوفر على معدل يفوق 3 أطفال 260 جماعة، في حين أن عدد الجماعات ذات معدل يتراوح بين 4 و5 أطفال لا يتجاوز 30 جماعة. فالنساء الأقل تعليما يقلدن نظيراتهن الأكثر تعليما، وذلك بالخصوص من أجل ضمان تعليم أعلى جودة لأطفالهن. وبالتالي، فإن نسبة تمدرس الفتيات بين 7 و12 سنة تصل إلى 98.1% في الدوائر، و97.5% في البلديات، و90% في الجماعات القروية.
هذا المنطق يشمل كذلك جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة، حتى وإن كانت النساء يتمتعن بمستوى تعليمي أعلى قليلاً. ففي دوائر الدار البيضاء والرباط وسلا (26 جماعة تضم 4.8 مليون شخص)، لا تتجاوز نسبة النساء الأميات 23%، في حين أن 13% من النساء يتوفرن على مستوى تعليم عال. وعلى النحو ذاته، في بلديات الجهتين (49 جماعة تضم 3.1 مليون شخص)، تصل نسبة النساء الأميات إلى 33%، مقابل 6.7% فقط من النساء الحاصلات على شهادات عليا. وأخيراً، في الجماعات القروية (215 جماعة تضم 3.4 مليون شخص)، تفوق نسبة النساء الأميات 60%، شأنها في ذلك شأن باقي الجماعات القروية في المملكة، في حين أن نسبة النساء الحاصلات على شهادات عليا لا تتجاوز 3.08%.
في دوائر الدار البيضاء والرباط وسلا، يترتب عن التفاوت في مستويات التعليم تأخر سن الزواج بحيث يتجاوز 28 سنة، وانخفاض معدل الخصوبة الكلي ليصل إلى 1.7 طفل لكل امرأة. من جهة أخرى، فإن معدلات الخصوبة في البلديات والجماعات القروية في الجهتين مطابقة للمعدلات في باقي المملكة، وهي على التوالي 2.1 و2.5 طفل لكل امرأة، بينما يظل سن الزواج أكثر انخفاضاً حيث يصل إلى 25.5 سنة في الجماعات الحضرية و23.6 في الجماعات القروية. ونتيجة لذاك، يبدو أن سن الزواج المبكر لم يؤثر كثيراً على معدلات الخصوبة؛ حيث إن جماعة واحدة فقط تحتفظ بمعدل خصوبة كلي أعلى من 4، في حين أن معدل الخصوبة الكلي أعلى من 3 في 33 جماعة فقط.
إضافة إلى ذلك، نجد من بين 12 جماعة ذات مؤشر خصوبة أقل من أو يساوي 1.5 ثمان دوائر في الرباط والدار البيضاء تتركز فيها النساء الحاصلات على شهادات عليا، مثل السويسي وأكدال الرياض، بالإضافة إلى جماعتين قرويتين صغيرتين معزولتين في إقليم الخميسات، وهما آيت يويحيى الحجامة وآيت مالك، التي يوجد بها أقل من 1% من النساء الحاصلات على شهادات عليا. لذلك يبدو أن هناك تقارباً قوياً في السلوك الديموغرافي بين أوساط العيش المختلفة، بغض النظر عن المستوى التعليمي للنساء.
وتتقارب معدلات تمدرس الفتيات من سن 7 سنوات إلى 12 سنة مع معدلات الجماعات الأخرى في المملكة: 98.3% في الدوائر، و97.4% في البلديات و90% في الجماعات القروية. هذا ولا يتجاوز معدل التمدرس نسبة 80% سوى في 15 جماعة قروية ضمن هاتين الجهتين، بينما تتوفر جماعة بوقشمير القروية في إقليم الخميسات على أدنى معدل تمدرس بنسبة 71%. ويرتبط ارتفاع معدل تمدرس الفتيات ارتباطاً وثيقاً بانخفاض الخصوبة.
إن الحصول على التعليم الثانوي أو العالي وتأخر سن الزواج وانخفاض معدل الخصوبة هي عوامل تتيح عادة إمكانية الوصول إلى سوق العمل وبالتالي زيادة المشاركة في الحياة الاقتصادية خارج إطار العمل المنزلي. ويعتبر الحصول على دخل مالي مباشر دون اللجوء إلى سلطة أسرية بمثابة المؤشر الحقيقي لاستقلالية المرأة، لكن مع ذلك، فإن الاتجاهات الوطنية خلال الفترة ما بين 2004 و2014 معقدة للغاية.
لقد شهد كل من معدل التمدرس ونسبة الخريجات الجامعيات تطوراً ملحوظاً، الأمر الذي يشير إلى وصول متزايد للتعليم النظامي والتزام الأسر بالسماح للفتيات بالحصول على الكفاءات التي تمكنها من تحقيق الاستقلالية الاقتصادية. إلا أن هذه العملية تؤدي أيضاً إلى حجب عمل النساء اللاتي يتم حصرهن سريعاً داخل إطار العمل المنزلي في الإحصاءات التي تحدد نوعاً نموذجياً من العمل وفقاً للمعايير الدولية، وهو المشاركة المباشرة في الأنشطة التجارية.
لذلك يجب تسليط الضوء على مجموعة من الاختلافات بين إحصاءي 2004 و2014. أولاً، في 2004، أخذ الإحصائيون بعين الاعتبار عمالة الأطفال ابتداء من سن 7 سنوات، بينما شمل إحصاء 2014 الأطفال العاملين الذين يبلغ عمرهم 15 سنة فما فوق. ورغم أن هذه الظاهرة قد انخفضت بشكل حاد، حيث أشار إحصاء 2014 إلى أن نسبة الأطفال العاملين الذين يتراوح سنهم بين 7 سنوات و15 سنة لا تتجاوز 1.5% (62 ألف طفل من بينهم 39.9% من الفتيات)، لكن رواسبها ما تزال موجودة رغم عدم ورودها في الإحصاء.
ثانياً، من المهم طرح تساؤلات حول التصريح بالنشاط. ففي بعض الجماعات القروية، انخفض عدد النساء العاملات بشكل حاد بين سنتي 2004 و2014؛ حيث شهدت جماعتان قرويتان متجاورتان وهما خزامة وسيروا، الواقعتان في إقليم ورزازات والمعروفتان بإنتاج الزرابي، تغيراً في عدد النساء العاملات في اتجاهين مختلفين: ففي حين انخفض عدد النساء العاملات في جماعة خزامة، التي كانت تتوفر على ثاني أعلى معدل نشاط للإناث في المملكة في سنة 2014 (70%)، من 2170 إلى 2150 امرأة عاملة خلال 10 سنوات، مع الحفاظ على نفس العدد من النساء المستقلات والعاملات كأعوان عائلية. بالمقابل، انخفض عدد النساء العاملات في جماعة سيروا من 2215 إلى 1217 (أي أن 998 امرأة أصبحت غير عاملة)، 60% منهن مستقلات و40% عاملات كأعوان عائلية. بالتالي، تثير هذه الاختلافات تساؤلات حول الخيارات التي اعتُمدت خلال إحصاء 2014 لتصنيف النساء على أنهن مستقلات أو عاملات دون أجر لفائدة أسرهن أو نساء عاملات.
نتيجة لذلك، انخفض معدل النشاط على المستوى الوطني وانخفض عدد النساء العاملات من 2.65 مليون إلى 2.51 مليون، مما أدى إلى حصر مقياس النشاط في العمل المأجور الذين يشمل حالياً 71% من الوظائف التي تشغلها الإناث وخاصة في القطاع الخاص الذي يمثل 57.3% من الوظائف. هذا وتعمل حالياً 1.4 مليون امرأة في القطاع الخاص مقابل 823 ألف امرأة في سنة 2004، كما ارتفع عدد العاملات في القطاع العمومي من 257 ألف إلى 350 ألف امرأة. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن عدد المشغلات النساء قد ازداد بثلاثة أضعاف، حيث بلغ 50 ألف امرأة. وبذلك تحسنت فرص الحصول على وظائف جيدة بالنسبة للمرأة المغربية.
من جهة أخرى، ظل عدد النساء المستقلات مستقراً في 350 ألف امرأة، في حين انخفض عدد النساء العاملات كأعوان عائلية إلى النصف. وهذا يثير التساؤل عما إذا كان هذا الأمر يعكس تراجعاً حقيقياً في عدد النساء العاملات في الأنشطة الاقتصادية الأسرية أم أنه يشير إلى تحيز إحصائي يتجاهل مشاركة النساء في الأعمال التجارية الأسرية الصغيرة بسبب عدم التصريح بهن كعاملات.
كما يمكن تفسير هذا الوضع بتغير الآفاق التي تتطلع لها النساء. فنظراً لتزايد فرص الحصول على التعليم، أصبحت النساء ترغبن في الحصول على وظائف أفضل. لكن رغم وصولهن بصورة أكبر إلى العمل المأجور، يبدو أن سوق الشغل غير قادرة على تلبية توقعات النساء اللواتي يصرحن ببطالتهن؛ لذلك فقد ارتفعت نسبة البطالة لديهن إلى 29.6%.
لكن هذا النمط يؤدي إلى فوارق مكانية هامة بين الجماعات، لأن الوظائف المأجورة في القطاع الخاص تبقى متركزة بشكل هائل في المناطق الاقتصادية الأكثر نشاطاً وخاصة في المراكز الحضرية. وفيما يخص مؤشرات النشاط والبطالة، فإن الدوائر تتميز بمعدل نشاط نسوي أكبر متمثل في 29.9%، في حين يبلغ معدل البطالة بين النساء 26.4%. أما بالنسبة للبلديات، فإن معدل النشاط يقل بـ10 نقاط ليستقر عند 19%، في حين يرتفع معدل البطالة بـ12 نقطة ليصل إلى 38.6%. وأخيراً، يواصل معدل نشاط النساء في الجماعات القروية في الانخفاض ليصبح 11.6%، في حين يبلغ معدل البطالة 35.2%.
كما قد تتوفر الجماعات القروية على معدل نشاط ومعدل بطالة شديدي الانخفاض: حيث لا تبحث النساء عن وظائف مأجورة بسبب عدم تواجد هذه الأخيرة في الوسط القروي، في حين تبحث نظيراتهن في بعض الدوائر الشعبية في الحواضر الكبرى والعديد من المدن المتوسطة باستمرار عن وظائف مأجورة رغم ندرتها.
وتتعمق هذه الفوارق في جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة، نظراً لقوة الدينامية الاقتصادية في الحواضر. ولهذا فإن الدوائر والبلديات تعرف معدل نشاط نسائي أعلى بـ5 نقاط (34% و24% على التوالي)، مقابل معدل أقل نسبياً في الجماعات القروية (11.2%). أما فيما يخص معدلات بطالة النساء، فهي أقل: 25.6% في الدوائر و32.3% في البلديات و33.3% في الجماعات القروية. وهكذا، فإن الجماعات التي تتميز بمعدلات نشاط قوية، أي تفوق 40%، تعرف معدل بطالة نساء أدنى من المعدل الوطني بـ13 نقطة، يتمثل في 16.1%. لكن في المقابل، يتجاوز معدل بطالة النساء 50% في 40 جماعة يصل متوسط نشاط النساء فيها إلى 8.7%.
إن التباينات السوسيو-إقليمية مرتفعة بشكل واضح في جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة، على الرغم من القرب النسبي بين الجماعات. وتمثل دائرة أكدال الرياض بالرباط نمطاً استثنائياً، حيث يبلغ معدل النشاط النسوي فيها 47.4%، كما أن بطالة النساء فيها منخفضة جداً (11.1%)، إضافة إلى توفرها على معدل حاصلين على شهادات عليا يصل إلى 39.3%، ومعدل خصوبة كلي يبلغ 1.5، وسن زواج يُعد من بين الأكثر تأخراً (30 سنة)، يوافق معايير البلدان المتقدمة. ويتكرر نفس النمط في دائرة الرباط السويسي وأيضاً في الهرهورة، الجماعة الساحلية الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 15,361 نسمة حسب إحصاء 2014، والتي يقطنها العديد من الأطر العاملين في الرباط. كما يتجاوز معدل النساء الحاصلات على شهادات عليا في هاتين الجماعتين 30%، مقارنة بـ5.4% على الصعيد الوطني.
ويمكن فهم هذه الخصوصية التي تتميز بها هذه الدوائر من خلال النظر إلى التقسيمات الإدارية المرتبطة بسياسات التخطيط التي تعطي الأفضلية لمناطق الفيلات والعمارات الفاخرة، وبالتالي تدعم الانتقاء الاجتماعي بقوة. أما الدوائر الأخرى التي تعرف معدلات مرتفعة للحاصلات على شهادات عليا فإن ساكنتها تكون أكثر كثافة وأكثر تنوعاً من الناحية الاجتماعية، كما هو الحال في دائرة حسان بالرباط أو المعاريف وأنفا والصخور السوداء بالدار البيضاء التي تتجاوز نسبة النساء الحاصلات على شهادات عليا فيها 15%.
هذه الجماعات هي نفسها التي تعرف أعلى معدلات نشاط النساء، والتي لا تتجاوز 40% سوى في سبع جماعات: وهي دوائر الرباط (أكدال الرياض، السويسي، حسان) إضافة إلى جماعة تواركة المرتبطة بالقصر الملكي، ودائرتين بالدار البيضاء (المعارف، أنفا). وتنضاف إلى هذا جماعة الهرهورة التي تم التطرق إليها سابقاً.
بالمقابل، توجد أدنى معدلات النشاط النسوي في جماعات قروية، بنسب تقل عن 5% في 26 منها. ولا تتوفر سوى 0.6% من النساء داخل هذه الجماعات على شهادات عليا. ويتأرجح معدل الخصوبة لدى هؤلاء النساء بين 1.9 و4.2، كما يتراوح معدل تمدرس الفتيات بين سن 7 و12 سنة بين 71% و95.6%، ما يشير إلى أن الأوضاع العائلية والدراسية التي يعشنها متباينة للغاية. وتشير المؤشرات التراكمية لبعض الجماعات إلى أن هذه الأخيرة تعيش دينامية ليست في صالح النساء، مثل جماعة بني يكرين في إقليم سطات حيث إن 36 امرأة فقط من بين نسائها البالغ عددهن 6,178 تعتبر من النساء العاملات، كما لا تملك أي منهن شهادة عليا، ولم تواصل سوى 2.1% منهن دراساتهن الثانوية، في حين أن 75.2% فقط من فتيات الجماعة قد التحقن بالمدارس، كما لا يزال معدل الخصوبة الكلي بها من بين الأكثر ارتفاعاً حيث يستقر في 3.2 أطفال لكل امرأة.
رغم توفر المغرب على إطار تنظيمي يعزز استقلالية المرأة، فقد مرت البلاد بانتكاسة معقدة خلال العقد الأخير. فتقدم سن زواج النساء وتراجع معدل نشاطهن وارتفاع معدل البطالة هي نتائج تخالف الإطار القانوني والجهود الرامية للنهوض بالمرأة. إلا أن هذه الظواهر أكثر تعقيداً: فقد استفادت النساء من تزايد إمكانية وصولهن للوظيفة المأجورة وإنشاء المقاولات بفضل مستوىً تعليمي أعلى نتج عنه تغيير في الأفق الاقتصادي. لكن الفرص المتاحة للنساء تبقى متركزة في بعض الأحياء بالحواضر الكبرى، ما نتج عنه استقطاب متزايد على مستوى التراب الوطني، وتباينات متنامية بين هذه الحواضر وباقي مناطق البلاد.
]]>