Deprecated: Optional parameter $output declared before required parameter $attr is implicitly treated as a required parameter in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-content/themes/voice/core/extensions.php on line 166
Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/taframa/old.tafra.ma/wp-content/themes/voice/core/extensions.php:166) in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/feed-rss2.php on line 8
إن الهدف من وراء إعداد “مؤشر الحد الأدنى المضمون من المعلومات المؤسساتية” أو ما نطلق عليه اختصاراً “مؤشر الحد الأدنى من البيانات (SMIIG Data)” هو تعزيز الامتثال للأحكام التنظيمية والتزامات المغرب وكذلك الممارسات الجيدة في النشر الاستباقي للمعلومات من قبل الإدارات. ويُعتبر “مؤشر الحد الأدنى من البيانات” وسيلة قياسية من إعداد جمعية “طفرة” تُمكن من الوقوف على مدى امتثال أي مؤسسة أو إدارة تابعة للقطاع العمومي للمتطلبات القانونية والممارسات الجيدة المرتبطة بالنشر الاستباقي للمعلومات العمومية. يُذكر أن “مؤشر الحد الأدنى من البيانات” الخاص بالجماعات يأخذ بعين الاعتبار المعايير المقررة بموجب الالتزامات القانونية والتنظيمية إضافةً إلى التوصيات الصادرة عن الهيئات الدولية (البنك الدولي وصندوق النقد الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية والأمم المتحدة). كذلك فإن المؤشر يأخذ في الحسبان الممارسات الجيدة المعمول بها في البلدان التي تطبق مبادئ الحكومة المفتوحة والنشر الاستباقي. لقد عملت جمعية “طفرة” أولاً على حصر كافة الجماعات التي تزيد ساكنتها عن 50 000 نسمة (أي 81 جماعة حسب الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014، بما يُمثل ما مجموعه 17 790 453 نسمة) ثم التحقق مما إذا كان لكل من هذه الجماعات موقع إلكتروني. وإن وجد لها موقع إلكتروني فعندها يتم تمحيصه وتدقيق المعلومات المنشورة فيه بهدف تحديد مستوى امتثال الجماعة المعنية للمرجعية المعيارية التي وضعتها “طفرة” استناداً إلى المنهجية المعروضة ضمن هذه الوثيقة.مؤشر الحد الأدنى من البيانات الخاص بالجماعات
تشكل كورونا فيروس أو SARS-CoV-2 خطرًا وشيكًا على المغرب ونظامه الصحي الهش. الكثير من الناس يقارنون هذا الفيروس بالإنفلونزا. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن عدد حالات الإنفلونزا ينتشر على مدى ثمانية أشهر أو أكثر، في حين أن حالات Covid-19 تزداد بشكل أكبر في بضعة أسابيع، كما نلاحظ حاليًا.
ينبغي أن نتوقع ظهور عشرات الآلاف من الحالات في المغرب في الأسابيع المقبلة. تشير أكثر التوقعات تشاؤماً إلى أن المرض يمكن أن ينتقل إلى أكثر من نصف السكان إذا لم يتم اتخاذ تدابير وقائية جدية على الفور. هذه الأرقام ليست مبالغ فيها، وتستند إلى معدل التكاثر الأساسي “R_0” من 2 إلى 3. وبعبارة أخرى، الافتراض هو أن كل شخص مصاب سينقل الفيروس إلى شخصين أو 3 أشخاص آخرين في المتوسط ، مقابل 1.3 للإنفلونزا. في مثل هذا التكوين، سيتضاعف عدد الحالات كل يومين إلى 3 أيام. حقيقة أخرى مثيرة للقلق، أن فترة حضانة الفيروس هي حوالي 5 أيام في المتوسط، ولكن يمكن أن تأخذ هذه الفترة (حضانة الفيروس) من 2 إلى 14 يومًا، مع فترة الكمون (التي لا تظهر فيها أعراض المرض) حوالي يومين إلى 4 أيام. هذا يعني أنه يمكن أن لا ظهر أعراض المرض على المريض، لمدة يومين إلى ثلاثة أيام، ولكنه يمكن أن ينقل الفيروس. يعد هذا اختلافًا مهمًا عن الإنفلونزا الموسمية، وهو ما يفسر جزئيًا التحدي الإضافي الذي تواجهه السلطات العمومية.
وأخيرًا، يشكل Covid-19 تحديًا كبيرا حيث يحتاج ما يقرب من 10 إلى 20 بالمئة من الأشخاص المصابين إلى المستشفى، وفقًا لأحدث الأرقام من الصين وإيطاليا. ويتطلب جزء كبير منهم العناية المركزة. كذلك من المهم ملاحظة أن ما بين 60 بالمئة و 80 بالمئة من المصابين بالفيروس سيكون لديهم أعراض تُشبه أعراض الأنفلونزا وبالتالي سيتم تقدير أنهم لا يحتاجون إلى دخول المستشفى.
سيواجه المغرب حالة صحية حرجة في إدارة Covid-19 لأن قدرته الاستشفائية محدودة للغاية. يوجد في المغرب 1.1 سرير لكل 1000 نسمة، وقد انخفضت هذه القدرة بشكل مطرد منذ الستينيات.
الشكل 1: تطور عدد أسرة المستشفيات لكل 1000 نسمة (1960-2015)

وهذا أقل بكثير من إيطاليا (3.2)، والصين (4.2)، والجزائر (1.9)، وكوريا الجنوبية (12.3)، التي واجهت جميعها صعوبات. كما أن المعلومات الأساسية عن السعة القصوى من حيث أسرة العناية المركزة ومعدات التهوية المتاحة فهي غائبة.
واستنادًا إلى الحد الأدنى من التقديرات الحالية التي اقترحها جميع علماء الأوبئة في حالة غياب تدابير وقائية مناسبة، فلنفترض أن 20 بالمئة فقط من السكان البالغين يحملون الفيروس (تتراوح التقديرات من 20 إلى 60 بالمئة). فمن المرجح أن لا يتم تشخيص غالبية الحالات، وأن هذه الأرقام لن تنشر إلا على مدى عدة أشهر.
تبعا لهذه الفرضية، سيكون لدى المغرب ما يقرب من 4 ملايين حالة (مرة أخرى ولكي لا يكون المعطى مقلقا فإن ذلك في حالة عدم وجود تدابير وقائية مناسبة)، منها حوالي 10 بالمئة تتطلب حالتها الدخول إلى المستشفى. لذلك سوف نحتاج إلى 400.000 سرير في المستشفيات، ويحتاج جزء كبير منها إلى العناية المركزة والتهوية. ومع ذلك، لا يوجد في المغرب حاليًا سوى 30.000 إلى 40.000 سرير، أي أقل بعشر مرات من الضرورة، بالإضافة إلى نقص الأطباء والعاملين في المستشفى. ففي هذه الحالة، ما سنفعل؟
لقد فات الأوان لاحتواء الفيروس، ولكن هناك العديد من الإجراءات الوقائية التي أثبتت فعاليتها من أجل تبطيء انتشار الوباء.
تجارب الوباء التاريخية، كالحالة الأخيرة لكوريا الجنوبية، تُعلمنا أن إبطاء انتشار الوباء هو أفضل استراتيجية في هذه المرحلة. وفقًا لخبراء منظمة الصحة العالمية ، من الضروري اختبار الحد الأقصى لعدد الأشخاص، لتتبع أصل الانتقال إلى عزل جميع المصابين. يساعد الاختبار المكثف والتحقيق والحجر الصحي على إبطاء انتشار الوباء، وهو فعال لثلاثة أسباب:
مثال تاريخي مهم في هذا الباب هو المتعلق بأنفلونزا 1918 – 1919، حيث كان هذا الوباء هو الأكثر فتكًا في التاريخ الحديث. توفي حوالي 40 مليون شخص في جميع أنحاء العالم. في الولايات المتحدة توفي 550.000 شخص، لكن مع وجود تفاوتات كبيرة حسب المدينة. كان الفرق يرجع إلى التدابير الوقائية المطبقة وفي أي وقت. في المثال أدناه ، احتوت مدينة سان لويس قبل ستة أيام من بيتسبرغ. الفرق من حيث الوفيات هو 358 لكل 100.000 نسمة في سان لويس، مقارنة بـ 807 حالة وفاة لكل 100.000 نسمة في بيتسبرغ. بشكل عام، المدن التي قامت بتدخلات استباقية لها ارتباط بارتفاع ذروة الوفاة pic de mortalité، وبالتالي عرفت انخفاضات في ذروة معدل الوفيات وانخفاض في عبء الوفيات الإجمالي.
الشكل 2: فعالية التدابير الوقائية على مستوى السكان خلال وباء عام 1918 في الولايات المتحدة ، مقارنة بين سان لويس الذي نفذ التدابير بسرعة وبيتسبرغ التي انتظرت أسبوعين. المصدر:
Markel H et al. Nonpharmaceutical Interventions Implemented by US Cities During the 1918-1919 Influenza Pandemic. JAMA. 2007;298(6):644–654. doi:10.1001/jama.298.6.644

اليوم، يجب توجيه الجهود نحو إبطاء انتشار الفيروس، من أجل تسطيح “منحنى الوباء” (الشكل 3). فكل إجراء لإبطاء الفيروس يوفر لنا الوقت ويقلل على الأرجح من الحجم الكلي للوباء. من بين أكثر التدابير فعالية الابتعاد الاجتماعي:
الشكل 3: تسطيح المنحنى (المصدر: CDC و La tribune.ca.). توضيح أهمية إبطاء انتشار الفيروس من خلال القياسات السكانية بحيث لا يتجاوز معدل الإصابة في أي وقت القدرة القصوى للنظام الصحي.

وأيضا على المستوى الفردي ، يجب اتخاذ التدابير التالية:
وأخيرا في هذه الأيام غير المؤكد فيها شيء، أفضل شيء يمكن أن يحدث لنا في النهاية هو أن نقول لأنفسنا أننا بالغنا في رد فعلنا.
]]>وللمساهمة في النقاش، تسلط “طفرة” الضوء على نتائج “الباروميتر العربي“، وهو استطلاع للرأي أُجري في 15 بلداً في المنطقة. وقد تم إجراء هذا الاستطلاع في المغرب سنوات 2006 و2013 و2016 و2018 على عينات تمثيلية مشكلة من أكثر من ألف شخص، مبيناً بذلك، من خلال ما يقارب 150 سؤالاً، تطورات الرأي العام المغربي على مدى أكثر من 10 سنوات.

من حسن حظنا أن الدراسة الاستقصائية تطرح مباشرة السؤال الفرعي التالي: “ما هو أكبر تحد يواجهه المغرب اليوم؟” والنتائج غنية عن الشرح (انظر الشكل 1). ويقلق المغاربة في المقام الأول من الأداء الاقتصادي (26%) ومن الوصول إلى الخدمات العمومية (23%). وتشمل الفئة المتبقية “غيرها”، التي احتلت المرتبة الأولى بنسبة 32% من الأجوبة، مجموعة من المشاكل المتنوعة، لاسيما إدمان المخدرات وتهميش بعض الفئات السكانية.

إلا أن المغاربة ليسوا مقتنعين بأن الحكومة، بصفتها المعني الرئيسي، قادرة على مواجهة التحديات لإنعاش الاقتصاد والخدمات العمومية. وبينما يبدو أن التجديد الذي جاء به دستور 2011 قد رفع الثقة في الحكومة، انخفضت تلك الثقة انخفاضاً كبيراً في السنتين الأخيرتين. أما اليوم، يثق أقل من مغربي واحد من أصل ثلاثة (%29) في الحكومة. وفي هذا الصدد، فإن الحل الذي بدا جذاباً سنة 2006، وهو تزايد تأثير الجانب الديني في المجال السياسي، أصبح أقل جاذبية حالياً. وبالتالي، بينما كان حوالي 60% من المغاربة سنة 2006 يرغبون في أن يؤثر الزعماء الدينيون في قرارات الحكومة، فإن نسبة 20% فقط يعتقدون أن هذا الخيار مرغوب فيه اليوم.
وتشير نتائج هذه الدراسة الاستقصائية صراحة إلى ما تبرزه التطورات السياسية والاقتصادية منذ سنوات. فالمؤشرات الإجمالية تظهر نمواً اقتصادياً بطيئاً وتفاوتات تظل مرتفعة من جهة، واستمرار تدهور الخدمات العمومية مثل الصحة والتعليم من جهة أخرى. كل هذا بقيادة مؤسسات سياسية لم تعد تحظى بثقة المغاربة. وبالتالي، إذا كان الخيار الإسلامي، وعلى رأسه حزب العدالة والتنمية، قد جسد بديلاً جذاباً في نهاية العقد الأول من القرن 21، فإن بقاءه في الحكومة لما يقارب العقد قد أفقده مصداقيته.
ويمكن أن يفسر هذا السياق احتجاج المغاربة بشكل أكبر أو رغبتهم في الهجرة. ويكشف “الباروميتر العربي” أن 44% من المغاربة قد فكروا في الهجرة، وهي نسبة تصل إلى 70% بين من تتراوح أعمارهم بين 18 و29 سنة. وعلى النحو ذاته، كشفت دراسة حديثة عن ارتفاع عدد المظاهرات منذ عام 2011، متمثلة في حركات الاحتجاج الكبرى في السنوات الأخيرة (حراك الريف سنة 2017 وحراك جرادة وحملة المقاطعة سنة 2018).
يعد حسن سير عمل الدولة مكوناً أساسياً في حسن سير الخدمات العمومية وكذلك حسن تدبير السياسة الاقتصادية. وفي الواقع، فإن الدولة هي التي تقدم الخدمات العمومية وهي التي تنظم عمل الأسواق بضمان حق الملكية وحل النزاعات التي تنشأ لا محالة بين مختلف الفاعلين الاقتصاديين. وبالتالي، كيف يمكن ضمان استجابة الدولة لطموحات المغاربة ومن ثم إعادة بناء علاقة ثقة تجمعها بالمواطنين؟
هذا وتضع مجموعة متنوعة من المؤشرات يدها على مكامن الخلل. فمن جهة، يقوض الفساد والزبونية التصويت الذي يُعد وسيلة مؤسسية لتعبير المواطنين في نظام ديمقراطي. وحسب “البارومتر العربي”، فإن أقل من مغربي من أصل اثنين (%46) يعتقدون أن غالبية المسؤولين المحليين نزهاء، وحسب استطلاع “الباروميتر الإفريقي” (المشابه لـ”الباروميتر العربي” والذي يشمل الدول الإفريقية)، فإن ما يقارب 20% من المغاربة تم شراء أصواتهم سنة 2016. وقد نتج عن ذلك وجود بيروقراطيات مختلة واستياء المواطنين من صناديق الاقتراع ومكافأة الانتخابات للسياسيين الأكثر استعداداً لشراء الذمم في الانتخابات عوض السياسيين الأكثر كفاءة. ويبدو أن المشكل ينتج عن السياسيين أنفسهم أكثر من الناخبين، لأن المغاربة يكافئون في صناديق الاقتراع النواب الأنشط في البرلمان.
ومن جهة أخرى، فإن المظاهرات، وهي أشكال غير رسمية لتعبير المواطنين عن آرائهم، أصبحت على حد سواء أكثر شيوعا وأكثر تعرضا للقمع. وتبين الدراسة الآنفة الذكر حول المظاهرات في المغرب أن عدد المظاهرات قد ارتفع ارتفاعاً هاماً منذ 2011 رغم الزيادة الكبيرة في القمع منذ 2014. ومع ذلك، فإن المظاهرات لها تكلفة سياسية واقتصادية هامة، وهو ما يستوجب تقديم حلول لها.
وللتغلب على هذه المشاكل، يقترح نشاطنا البحثي مسارين رئيسيين وهما: تعزيز الوصول إلى المعلومة والحصول على أغلبية كبيرة للحد من الزبونية السياسية وتحديث سير البيروقراطية، وإيجاد حلول أقل سلطوية لممارسة الحريات السياسية.
تقوض الزبونية سير عمل المؤسسات الديمقراطية، ولعل أهم تجلياتها تتمثل في شراء الأحزاب للأصوات مع اقتراب الانتخابات ولجوء المنتخَبين فور انتخابهم للفساد من أجل مكافأة الجهات المانحة. ويمتد هذا الفساد إلى البيروقراطية التي تنفذ قرارات السياسيين.
وهناك حلان لهذا المشكل، ويتمثل أولهما في تعزيز المؤسسات السياسية التي تنزع إلى تشكيل أغلبيات كبيرة. فعندما يملك المنتخَبون أغلبيات مريحة، لا يعمدون إلى شراء الانتخابات لأنهم يكونون متيقنين من أنهم سيفوزون. علاوة على ذلك، يكون من الأسهل التوصل إلى توافق عندما تكون جميع الأحزاب متفقة، ما يسهل استكمال المشاريع التنموية. إلا أنه غالباَ ما يتم انتخاب المسؤولين المنتخبين المحليين والوطنيين في المغرب وفق نظام التمثيل النسبي، وهو نظام يعزز تمثيل أصغر الأحزاب. وخلافاً لذلك، فإن استعمال نظام الأغلبية من شأنه أن يعزز تشكيل أغلبيات أكبر ويسمح ربما بحل هذه المشاكل.
أما الحل الثاني فيتمثل في تعزيز مراقبة المواطنين للسياسيين مراقبة مباشرة من خلال الوصول إلى المعلومة. ويتوفر المغرب على مؤسسات تراقب الفساد مراقبة داخلية، بما فيها المجلس الأعلى للحسابات الذي ينشر بانتظام تقارير في هذا الصدد. إلا أن المراقبة الداخلية محدودة: فقدرة هذه المؤسسات على المراقبة ليست مطلقة، كما أن الموظفين في المستويات الدنيا من البيروقراطية يخفون غالباً المعلومات عن رؤسائهم. وتنطوي المراقبة الخارجية، التي يمارسها المواطنون أنفسهم، على فرص هامة: فكونهم أكثر عدداً يجعلهم قادرين على عرض المشاكل أكثر مما تفعل هيئات المراقبة المختصة. ولكن للقيام بذلك، ينبغي الوصول إلى المعلومة والقدرة على إيصالها بحرية، ويُعد تفويت أراض بطريقة احتيالية لبعض كبار مسؤولي الدولة مثالاً على ذلك. ففي الوقت الذي وضعت فيه وكالة المسح العقاري بياناتها على الإنترنت، أُزيلت قاعدة بياناتها في يوليوز 2016 بعد أن استخدمتها الصحافة لتسليط الضوء على هذه الفضيحة. ومنذ ذلك الحين عملت الحكومة على تعزيز حق الوصول إلى المعلومة بالانضمام إلى “شراكة الحكومات المنفتحة” سنة 2018.
في الوقت الذي أصبح المغاربة فيه يحتجون أكثر منذ 2011 ويعبرون عن أنفسهم بصورة متزايدة على الشبكات الاجتماعية، زادت شدة قمع الحكومة لهذه المظاهرات. وفي نفس الصدد، تشير المنظمات الدولية إلى تدهور حريات الصحافة وتأسيس الجمعيات في الآونة الأخيرة.
إذا كانت العصا، في ظاهر الأمر، حلاًّ واضحاً لقمع التحريض، يبدو أن هذه الاستراتيجية تأتي بنتائج عكسية وتؤدي في الواقع إلى مزيد من المظاهرات. في بادئ الأمر، يخلق قمع نشطاءِ اليوم نشطاء الغد. وعلى هذا النحو شهد عدد من المحرضين الأوائل لحركة 20 فبراير أسلافهم يقبعون في سجن الماضي. ثم إن قمع حركة احتجاجية في بداياتها يفضي غالباً إلى اتساع نطاقها، بينما يؤدي إيجاد حل لمطالب هذه الحركات إلى إخمادها سريعاً. وهذا المنطق نفسه يسري أيضاً على حريات أخرى مثل حرية التعبير.
أشرنا في هذا المقال إلى الانشغالين الرئيسيين بالنسبة للمغاربة فيما يتعلق بمستقبل البلد بالاعتماد على استطلاع رأي “الباروميتر العربي”. وانطلاقاً من هذين الانشغالين، قمنا بالإحاطة بسلسلة من المسارات للخروج من المأزق استناداً إلى الأبحاث التي أنجزناها منذ سنوات عديدة.
وتعد مقاربتنا جد محدودة. فكيف تتأتى معرفة ما يشغل المغاربة معرفة دقيقة انطلاقاً من بعض الأسئلة المستقاة من استطلاع للرأي؟ رغم كون السؤال الذي تمت دراسته في الشكل 1 ركناً أساسياً في تحليلنا، إلا أنه لا يمثل إلا فئات تقريبية تكاد لا تصور هذه الانشغالات تصويراً مُفصلاًّ. وعلاوة على ذلك، إذا كان هذا السؤال يحيط بالمشاكل، فإنه لا يعطي إشارات بشأن نوع الحلول التي يرغب المغاربة في الإتيان بها للتصدي لتلك المشاكل.
إننا لا نسعى إلى انتقاد جهود “الباروميتر العربي” الذي يُعد، إلى جانب “الباروميتر الإفريقي” أحد أندر استطلاعات الرأي المُنجزة في المغرب. فبالنظر إلى تناولها مواضيع متنوعة جداً، يكمن الهدف منها في إعطاء فكرة عامة عن الرأي العام المغربي وليس التركيز على أسئلة مُعينة.
هذا ويتجلى هدفنا، خلافاً لذلك، في تشجيع “اللجنة الخاصة بالنموذج التنموي” على تعزيز مقاربتها الشاملة. وإذا كانت استشارة الأحزاب السياسية مبادرة جديرة بالإشادة، فإننا نأمل أن تمضي “اللجنة” إلى أبعد حد في التشاور من خلال التشاور مباشرة مع المواطنين بواسطة استطلاعات أكثر تفصيلاً أو دفاتر المظالم أو أية طريقة تشاركية أخرى، ثم نشر محتوى هذه المشاورات حتى يتمكن المغاربة جميعهم من الاطلاع على آراء غيرهم من المواطنين والحلول التي يرى هؤلاء أنها ستتصدى لتلك المشاكل.
]]>ما هو مضمون الأسئلة البرلمانية التي يطرحها النواب؟ هل يُعلق الناخبون أي أهمية على هذه الأسئلة؟ يتضح من خلال تحليل الأسئلة الكتابية التي طرحها النواب البرلمانيون أثناء الولاية التشريعية 2011–2016 أن هذه الأسئلة تمثل شكلاً مهماً من أشكال خدمة الناخبين. وعند سؤالهم حول الموضوع، أوضح النواب أنهم يلجؤون لهذه الأسئلة من أجل الحصول على معلومات متعلقة بدوائرهم الانتخابية، وذلك للضغط على الإدارات من أجل إيجاد حلول للمشاكل المحلية، وفي بعض الحالات، لغرض معالجة بعض المشاكل الفردية التي يواجهها المواطنون.
إن المعطيات التي جمعناها خلال مقابلاتنا مع النواب تدعم التحليل الكمي الذي أجريناه بشأن الأسئلة التي يطرحونها. بمعنى آخر، يعتبر طرح الأسئلة أثناء جلسات البرلمان دليلاً على أن النواب الذين يطرحون تلك الأسئلة يبذلون جهوداً من أجل خدمة ناخبيهم. لكن هل يُعلق المواطنون أي أهمية على هذه الجهود؟ من أجل الإجابة على هذا السؤال، طرحنا التساؤل الآتي: هل أسفر هذا النشاط الاستفهامي تحت قبة البرلمان عن نتائج إيجابية في صناديق الاقتراع بالنسبة للنواب المعنيين خلال الانتخابات الموالية، أي في سنة 2016؟ لقد لاحظنا أن بعض الأحزاب قد حققت معدلات أعلى بكثير في الدوائر الانتخابية التي طرح فيها النواب عدداً أكبر من الأسئلة مقارنةَ بغيرهم.
لقد طُرح ما يزيد عن 27 ألف سؤال خلال الولاية التشريعية 2011-2016، وهو عدد كبير لا تسهل فهرسته يدوياً. لهذا فإننا بدلاً من ذلك لجأنا إلى طرائق آلية لتحليل فحوى هذه الأسئلة، حيث قمنا بالبحث عن مؤشرات مرجعية جغرافية، سواء محلية كانت أو وطنية، وعن حالات الدفاع عن المصالح الفردية للمواطنين (مثلاً، طُرح سؤال حول “تغيير معاش السيدة الفلانية”).
ولتحديد هذه المراجع، استخدمنا مقاربة ارتكزت على قاموس. وبعبارة أدق، قمنا بتحديد عدد من الفئات التي نسبنا إليها كلمات معينة. وتشمل تصنيفاتنا ما يلي:

يكشف اطلاعٌ سريعٌ على الفئات الأكثر وروداً في الأسئلة عن توجهات ملفتة (الشكل 1). ويلاحظ أن الإشارات الجغرافية تتواتر كثيراً في الأسئلة وترد في 77% منها غير أنها تتنوع حسب المستوى الإداري: تُعد الإشارات إلى مستوياتٍ عاليةٍ (الدولة أو الجهة) نادرةً جداً، علماً بأن 60 %من الأسئلة تشير إلى ولايةٍ أو إقليمٍ. ويدل ذلك على أن الأسئلة هي وسائل مهمة لتناول المشاكل الحاصلة على مستوى الدائرة، إذ إن هذه المستويات الإدارية هي التي تتناسب ورقعة الدائرة. هذا وتتطرق الكثير من الأسئلة إلى مشاكل الجماعات.
وتشير 3% فقط من الأسئلة إلى المشاكل ذات الطابع الفردي إلا أنه ينبغي الإشارة هنا إلى أن المنهجية التي اعتمدناها ربما تُفرِّط في تقدير العدد الحقيقي للأسئلة التي تتطرق لمثل تلك المشاكل. في الواقع، لا تذكر هذه الأسئلة دائماً اسم الشخص المعني صراحةً، كما أن العدد القليل من الأسئلة المرتبطة بالمصالح الشخصية ربما لا يُعد مفاجئاً، ناهيك عن أن البرلمان يُعتبر هيئة وطنية والنواب يمثلون عشرات الآلاف إن لم نقل مئات الآلاف من المواطنين. وتُعد المجالس الجماعية بالتأكيد منتدياتٍ أكثر ملاءمةً لمعالجة المشاكل الفردية.
ثم تساءلنا عما إذا كان هذا النوع من النشاط الانتخابي مرتبطاً بمزيد من الدعم الانتخابي. ونظراً إلى أن النواب يلجؤون إلى الأسئلة لمعالجة مشاكل دوائرهم، فإنه من الممكن أن يلجأ السياسيون الأكثر كفاءةً إلى مزيدٍ من الأسئلة البرلمانية والناخبون يكافئونهم على هذا السلوك. وبما أن المغرب يستخدم اللوائح الانتخابية، فقد قمنا بدراسة هذه العلاقة على مستوى الأحزاب. ولتحقيق ذلك، استخدمنا نتائج الانتخابات التشريعية لسنة 2016 مقترنة بعدد الأسئلة التي طرحها النواب في دائرة انتخابية معينة. ونظراً لكون النواب الأكثر شعبية يطرحون عدداً أكبر من الأسئلة، رصدنا الفرق بين النتائج التي حصل عليها الحزب في سنتي 2011 و2016، عوض الاعتماد على نتائج 2016 فقط.

يبين الشكل 2 أنه كلما ارتفع عدد الأسئلة التي يطرحها حزب ما، كلما ارتفعت النتيجة التي حصلها مقارنةً بسنة 2011. ففي المتوسط، يرتبط طرح عدد أسئلة أكبر بعشرة أضعاف مثلاً بارتفاع في النتيجة بنقطة مئوية أو اثنتين، ويُعد هذا الأثر هاماً حين نعلم أنه خلال انتخابات 2016 أدى الفرق بنقطة مئوية واحدة في النتائج إلى تغيير معالم لائحة الفائزين في 25% من الدوائر الانتخابية.
تؤكد هذه النتائج أن الأسئلة البرلمانية تشكل أداة هامة بالنسبة للنواب، حيث تمكنهم من تمثيل دائرتهم ومن تناول القضايا المحلية التي تسترعي الاهتمام. من جهة أخرى تبين النتائج أن النواب المنتخبين يخضعون لنوع من المساءلة أمام ناخبيهم، حيث يفضل هؤلاء تلك الأحزاب التي تنشط على مستوى البرلمان وتمثل أقاليمها وتدافع عن مصالحها.
]]>وترمي هذه المبادرة إلى حث الحكومات على ممارسة الديمقراطية التشاركية، والتي تضع المواطن في قلب إدارة الشؤون العامة من أجل تعزيز الشفافية وتمكين المواطنين ومكافحة الفساد وتسخير التكنولوجيات الجديدة لتعزيز الحكامة الرشيدة.
تُشرف على “شراكة الحكومات المنفتحة” لجنة توجيهية مؤلَّفة من ممثلين للدول الأعضاء (وزراء) وممثلي منظمات المجتمع المدني ذات مستوىً دولي.
ويجب على البلدان التي ترغب في تقديم طلب للانضمام إلى “شراكة الحكومات المنفتحة” أن تكون مستوفية مسبقاً لبعض معايير الأهلية والتقييم، حتى تتأكد قدرتها على الوفاء بالتزاماتها وتنفيذها عبر مبادرات ملموسة. وتُصنف هذه المعايير في أربعة محاور كبرى:
على كل بلد راغب في الانضمام إلى “شراكة الحكومات المنفتحة” أن يلبي 75% من الشروط المذكورة أعلاه على الأقل.
حتى الآن، تشتمل هذه الشراكة على 79 بلد عضو، بما في ذلك المغرب: وقد انضم هذا الأخير إليها في أبريل 2018، مما يجعل من المغرب البلد العضو رقم 76 في “شراكة الحكومات المنفتحة،” لاسيما بفضل إصدار القانون رقم 31-13 المتعلق بالحق في الحصول على المعلومات.
وبناءً على ذلك، تبنى المغرب خطة عمل تقوم على 18 التزاماً يجب التقيد بها خلال الفترة الممتدة من غشت 2018 إلى غشت 2020 والتي تغطي 5 محاور أساسية.
لا تزال الآن أمام المغرب 9 أشهر حتى وصول الموعد النهائي، وإلى حد الساعة، نفَّذ 2 من الالتزامات الثمانية عشر التي تقيد بها. يلخص الجدول التالي التقدم الذي أحرزه المغرب في تنفيذ هذه الالتزامات حتى اليوم، وقد تم إعداد هذه اللمحة عن الحالة الراهنة استناداً إلى البوابة التي وضعتها وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة في تاريخ كتابة هذه الورقة.
الآن وعى بعد 9 أشهر من وصول الموعد النهائي، وإلى حد الساعة، نفَّذ 2 من الالتزامات الثمانية عشر التي تقيد بها. يلخص الجدول التالي التقدم الذي أحرزه المغرب في تنفيذ هذه الالتزامات حتى اليوم، وقد تم إعداد هذه اللمحة عن الحالة الراهنة استناداً إلى البوابة التي وضعتها وزارة الاقتصاد والمالية وإصلاح الإدارة في تاريخ كتابة هذه الورقة.
| محاور 5 | 18 التزاماً | 2 من الالتزامات نفدت |
| الحصول على المعلومات | 6 | تعيين وتكوين المكلفين بالمعلومات على مستوى الهيئات والمؤسسات المعنية |
| النزاهة ومكافحة الفساد | 4 | وضع إطار تنظيمي لإلزامية التقيد بالخدمات الإدارية. يتمثل الالتزام في إدراج مقتضيات في إطار ميثاق المرافق العمومية، المنصوص عليه في المادة 157 من الدستور، وإلزام الإدارات بتدوين الشروط والمراحل الضرورية لتقديم الخدمات الإدارية |
| شفافية الميزانية | 3 | التزامات في طور الانجاز3 |
| المشاركة المواطنة | 4 | التزامات في طور الانجاز 4 |
| التواصل والتحسيس بأهمية الحكومة المنفتحة | 1 | التزام في طور الانجاز 1 |
بعد سقوط النظام الاستبدادي لزين العابدين بن علي في 2011، لم يكتف العديد من الناشطين بالمطالبة بقدر أكبر من العدالة الاجتماعية والحرية، وإنما طالبوا أيضا بالمساواة بين الجنسين وبمشاركة أكبر للمرأة في الحياة السياسية. وقد نظمت المنظمات النسائية والمجتمع المدني مسيرات للمطالبة بحقوق المرأة، وضغطوا على الحكومة والأحزاب السياسية من أجل حضور أكبر للنساء في الحقل السياسي. ورداً على ذلك، فرضت تونس في قانونها الانتخابي أن تضم كل قائمة خاصة بحزب أو مرشح مستقل عدداً متساويا من الرجال والنساء، وذلك في إطار تكافؤ عمودي وفق نظام التناوب.
وبمناسبة الانتخابات البلدية لسنة 2018، ذهبت الحكومة التونسية أبعد من ذلك وطالبت كل حزب بأن يضع امرأة على رأس نصف القوائم المقدمة في الدوائر الانتخابية. وبالرغم من كون هذه السياسات تاريخية بالنسبة لتونس وكون الحضور النسائي في الحياة السياسية قد تضاعف تقريباً خلال العقد الماضي، فإننا لا نعرف كيف ينظر الناخبون للنساء السياسيات وبرامجهن السياسية.
ومن المعلوم أنه بالرغم من الخلفيات المتشابهة، يتم تبخيس قيمة النساء بصورة منهجية بالمقارنة مع نظائرهن من الرجال، إذ ينظر إليهن على أنهن أقل كفاءة وأقل قوة. ولكي نشرح السبب وراء مواجهة النساء في مناصب القيادة لهذه التحديات، قامت الأخصائية في علم النفس الاجتماعي، أليس إغلي بوضع فرضية “الامتثال للدور“، التي مفادها أنه يتم تقييم الأفراد بشكل إيجابي إذا ما أكدوا ما ينتظره منهم المجتمع، وبالمقابل، يتم تقييمهم بشكل سلبي إذا ما خالفوه. ويبين بعض الباحثين أن النساء يستعملن عادة استراتيجيات تتماشى مع نوعهن الاجتماعي (على سبيل المثال، التركيز على قضايا مثل مشاكل النساء، والصحة والتعليم) عندما يسعين وراء مناصب قيادية، وذلك لكي يتجنبن التعرض للعقاب بسبب تجاوز مفترض. بينما يوضح باحثون آخرون أن النساء اللاتي يستعملن استراتيجيات تتطابق مع المفهوم التقليدي للقيادة (من خلال التركيز مثلاً على قضايا من قبيل الدفاع أو الأمن) يحسنَّ نظرة الناخبين المحتملين فيما يتعلق بمهاراتهن القيادية وقدرتهن على النجاح.
وفي إطار الاستطلاع المذكور، ندرس في هذا المقال آثار ديناميات النوع الاجتماعي على ميولات الناخبين في تونس وذلك بالاستناد إلى جنس المرشح(ة) وبرنامجه السياسي. وقد استطلع هذا الاستبيان الإلكتروني عينة مكونة من قرابة 600 شخص مسجلين على منصة YouGov.com. وتتمثل هذه العملية، المسماة “التجربة المشتركة“٬ في تقديم مرشحين اثنين لكل مُستجوَب٬ علماً بأن هؤلاء المرشحين ليسوا سوى شخصيات وهمية ينتجها النظام بشكل تلقائي، ثم يطرح عليه السؤال حول أي من المرشحين يفضل. وقد تمت برمجة النظام على نحو يضمن اختلاف الجنس لذا كل ثنائي مقترح من المرشحين وكذلك اختلاف البرامج الانتخابية التي يقدمها هؤلاء مع تضمينها قضايا ارتبطت تقليدياً بالمرأة (من قبيل تحسين وضعية المرأة)٬ علاوة على مواضيع تنم عن حس قيادي عال (تعزيز الوضع الأمني)٬ دون إغفال مواضيع تكتسي طابع الحيادية (تحسين الوضع الاقتصادي ومكافحة الفساد). من أجل إضفاء صبغة واقعية٬ عملنا على تنويع صفات وخلفيات المرشحين منها الفئة العمرية والمستوى الدراسي والانتماء الحزبي (الشكل 1). ويسمح تحليل نتائج هذا الاستطلاع بتحديد مدى تأثير كل من هذه الصفات على اختيار الناخبين لهذا المرشح أو ذاك. كذلك فإن هذا التحليل قد مكن من التمييز بين المستجوبين ذوي القيم الأبيسية ونظرائهم المعتنقين لقيم المساواة.

تفيد النتائج المستخلصة (الشكل 2) أن المرشحات التونسيات يواجهن أحكاماً مسبقةً حول النوع الاجتماعي لدى جمهور الناخبين٬ مع الإشارة إلى أن هذه الملاحظة تنطبق خصوصاً على الناخبين ذوي الميولات الأبيسية.

أما المستجوبين المعتنقين لقيم المساواة فكان يقع اختيارهم بشكل متساوٍ على رجل أو امرأة على رأس اللائحة٬ فيما أبان المستجوبون ذوي الميولات الأبيسية عن استعداد أقل لاختيار امرأة على رأس اللائحة (أقل بنسبة %7).
يتضح كذلك من خلال تحليلنا أن المرشحين (ذكوراً وإناثاً) الذين يركزون على الملف الأمني في حملاتهم الانتخابية تكون لديهم حظوظ أوفر في الوصول إلى رأس اللائحة مقارنةً بنظرائهم الذين يركزون في حملاتهم الانتخابية على حقوق المرأة، وهذا المعطى ينطبق على المستجوَبين المعتنقين لقيم المساواة ونظرائهم ذوي القيم الأبيسية على حد سواء.
وبالتالي، تُظهر دراستنا أن المرشحين الذين يأتون ببرامج تتوافق مع القوالب النمطية المرتبطة بالقيادة السياسية (الأمن في هذه الحالة)، سواء كانوا رجالا أو نساء، يمكن أن يزيدوا من الدعم الانتخابي الذي يحصلون عليه. لكن بعد انتخابهم، يبدو أن السياسيين يعززون هذه الأحكام المسبقة. ومن خلال دراسة تشكيل اللجان البرلمانية (الشكل 3)، يتضح أن النساء ممثلات بصورة كبيرة في لجنة شؤون المرأة والأسرة والطفولة والشباب والمسنين، وأنهن غير ممثلات بالقدر الكافي في لجنة الأمن والدفاع. لذلك يحصل الرجال عادة على مناصب تزيد من فرص إعادة انتخابهم، في حين قد لا تنال النساء المكافأة والتقدير الكافيين من طرف الناخبين نظير عملهن داخل البرلمان أو الخدمة العامة التي يقدمنها. هذه الاعتبارات مهمة بصورة خاصة في ضوء انتخابات أكتوبر 2019، حيث تقلصت نسبة النساء السياسيات في البرلمان من 30 إلى 25%.

ختاماً، يُبيِّن بحثنا أن النساء التونسيات لا زلن يواجهن القوالب النمطية المرتبطة بالنوع الاجتماعي والمنتشرة بين صفوف الناخبين. ولا تزال النساء السياسيات والبرامج المتمحورة حول القضايا المتعلقة بالنساء لا تحظى بشعبية واسعة، على الأقل بين الناخبين المتشبعين بالقيم الأبيسية.
وبالتالي، إذا كان تحديد الحصص بين الجنسين يمثل خطوة هامة في تعزيز التمثيل السياسي للنساء، فإن الوسيلة الضرورية لإعطائهن المزيد من الثقل السياسي تكمن في زيادة فرصهن في شغل مناصب ذات مسؤولية لا تتوافق مع القوالب النمطية المرتبطة بالنساء. حيث إن تعيين نساء مثلا على رأس اللجان البرلمانية المتعلقة بالأمن أو الدفاع، من شأنه أن يخلق رابطاً إيجابيا بين النساء والقيادة في قضايا حاسمة من منظور الناخبين.
وفي تقرير أول حول هذه القضية، كان قد تم نشره على موقعنا الأسبوع الماضي، يظهر أن “حزب العدالة والتنمية” و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” هما الحزبان اللذان يطرحان أكثر الأسئلة البرلمانية، والتي يصل عددها إلى 25 ألف و12 ألف سؤال على التوالي، فيما لا يتجاوز عدد الأسئلة المطروحة من طرف باقي الأحزاب 5000 سؤال. وتوجه هذه الأسئلة في أغلب الأحيان لوزارة الداخلية (17.5%)، متبوعة بوزارة التربية الوطنية (9%)، ووزارة التجهيز (8.6%). أما معدل الإجابة، فإنه لا يتناسب مع عدد الأسئلة: حيث إن وزارة الصحة التي تستقبل 7.3% من الأسئلة، قد أجابت عن 80% منها. ومن جهتها، فإن وزارة الداخلية الأكثر استقبالاً للأسئلة لم تجب سوى عن 29.6% منها، وهو المعدل الأدنى من بين كافة الوزارات.
وبعيداً عن الانتماءات الحزبية، سنسلط الضوء في هذا التقرير على عوامل أخرى، قمنا بجمعها في ثلاثة أسباب كبرى، يكمن أولها في الوصول إلى المعلومة. إذ يفترض في أي نظام مراقبة فعال للعمل الحكومي من طرف البرلمان وصول جميع النواب إلى المعلومة. فالنائب يطرح أسئلته على الحكومة بهدف الحصول على معلومات متعلقة بالسياسات الوطنية أو المحلية. ويتجلى السبب الثاني في التنديد بسياسات الحكومة. فتماشياً مع مهام البرلمان في لعب دور الثقل الموازن، يطرح النواب أسئلتهم بهدف الاعتراض على بعض السياسات الحكومية. وأخيراً، السعي وراء مكافأة انتخابية. إذ يستغل النواب الأسئلة البرلمانية لنقل احتياجات ناخبيهم ومشاكلهم. هذا الأمر يمكنهم من بناء سمعة طيبة لدى ناخبيهم، إضافة إلى تحقيق مكاسب محتملة خلال الاستحقاقات الانتخابية المقبلة.
إذا كانت الضرورات الانتخابية تفسر عدد الأسئلة في البرلمان، فإنه من المنطقي أن يطرح أكثر النواب رغبة في أن تتم إعادة انتخابهم أكبر عدد من الأسئلة. فطرح الكثير من الأسئلة على الحكومة تحت قبة البرلمان يُكسب النائب صورة المدافع عن مصالح دائرته وناخبيه. هذا الأمر يمكنه من البروز بشكل أكبر ومن بناء سمعة طيبة لدى ناخبيه. وبالمقابل، يُنتظر من الناخبين مكافأته عن طريق أصواتهم خلال مختلف الاستحقاقات الانتخابية.

ولفهم ما إذا كانت الرهانات الانتخابية مرتبطة بعدد الأسئلة المطروحة من طرف النواب، فقد قمنا بالنظر فيما إذا كان البرلمانيون الأقل حظوة في الانتخابات، أي الذين تم انتخابهم بفارق أصوات صغير جداً عن منافسيهم، هم من يطرحون أكبر عدد من الأسئلة. ومن المنطقي أن نعتقد أن هؤلاء النواب هم في حاجة أكثر إلى دعم ناخبيهم، وبالتالي فإن عليهم طرح المزيد من الأسئلة. إلا أن الأمر ليس كذلك، حيث يشير الشكل 1 إلى أن النواب المنتخبين بفارق صغير لا يطرحون أسئلة أكثر من النواب المنتخبين بفارق كبير. وعليه، يمكننا أن نخرج بتفسيرين لهذا الأمر: أولا، قد يعني ذلك أن جميع النواب يوجهون الأسئلة ببساطة لأنهم يرون أن هذا جزء من واجبهم. أما التفسير الآخر فهو أن الناخبين لا يكافئون نوابهم بناء على أدائهم في البرلمان.
من ناحية أخرى، لاحظنا أن النواب المنتخبين عن الدوائر البعيدة عن المركز يطرحون عدداً أكبر من الأسئلة مقارنة بغيرهم، وهو الأمر الذي يمكن تفسيره بالمركزية التاريخية في المملكة. فكلما ابتعدنا عن الرباط، قلت إمكانية الوصول إلى المعلومة. لذلك يوجه النواب المنتخبون عن الدوائر البعيدة عن المركز الأسئلة إلى الحكومة للحصول على المعلومات.

لعل السبب وراء طرح نواب الدوائر الأكثر بعداً عن الرباط عدداً أكبر من الأسئلة يرجع إلى ضعف إمكانية وصولهم إلى المعلومة مقارنة بغيرهم، وربما قد يكون لديهم أسباب إضافية تدفعهم للتنديد بسياسات الحكومة، حيث إن المشاكل التي تعاني منها الدوائر البعيدة عن الرباط تحظى باهتمام إعلامي أقل من مشاكل العاصمتين الإدارية والاقتصادية، الرباط والدار البيضاء على التوالي. وعليه، يسد البرلمانيون هذا الفراغ من خلال نقل مشاكل واحتياجات ناخبيهم عن طريق الأسئلة في مجلس النواب.
إذن هل الوصول إلى المعلومة أو التنديد بسياسات الحكومة هما اللذان يدفعان نواب الدوائر البعيدة عن المركز إلى طرح عدد أكبر من الأسئلة؟ للتيقن من هذا الأمر، سعينا إلى معرفة ما إذا كان المنتخبون في الدوائر الأكثر فقراً يطرحون أسئلة أكثر من غيرهم. لكن الأمر ليس كذلك، ويمكن تفسير ذلك بأن المنتخبين عن الدوائر الأكثر فقراً هم بشكل عام شخصيات بارزة ليست في حاجة لتوجيه أسئلة للحكومة للتدخل لصالح ناخبيهم. فهُم عموماً منخرطون في الحياة السياسية والاقتصادية المحلية، ولديهم الإمكانية للاستجابة لمشاكل ناخبيهم دون الحاجة لطرحها أمام المجلس.
يبدو أن النواب يطرحون الأسئلة أساساً للحصول على المزيد من المعلومات، وبالتالي فإن النواب المنحدرين من دوائر بعيدة عن الرباط يميلون إلى طرح عدد أكبر من الأسئلة مقارنةً بزملائهم. أما الرهانات الانتخابية والتنديد بالسياسات الحكومية فهي أمور ليس لها إلا تأثير بسيط. فلا المنتخبون عن الدوائر الأكثر فقراً ولا المنتخبون الفائزون بفارق صغير يطرحون أسئلة أكثر من غيرهم.
هذا ويساعدنا تحليل الأسئلة البرلمانية على توضيح جزء من الرهانات التي تحدد سلوك منتخَبي الوطن، وهو معطى أساسي بحكم أن الممارسة الفعلية للمساءلة تقتضي أن يكون كافة المواطنين على علم ليس فقط بما يقوم به المنتخَبون من أنشطة بل كذلك ما يمتنعون عنه أو يتقاعسون فيه والدوافع التي تحرك هذا وذاك. بيد أن التحليل ينبغي أن يشمل صلاحيات برلمانية أخرى، من قبيل تعديلات النصوص القانونية والمقترحات التشريعية.
]]>في اطار اطروحة الماستر في العلوم السياسية بجامعة محمد الخامس، قام عثمان بنتوزر، مسؤول على مشروع بطفرة، بجمع كافة الأسئلة الكتابية والشفهية الموجهة من طرف أعضاء مجلس النواب للحكومة خلال الولاية التشريعية 2011ء2016، أي حوالي 40 ألف سؤال، انطلاقا من موقع البرلمان. ومن خلال قراءة أولى لهذه الأسئلة، يتضح أن النواب لا يمارسون جميعاً وظيفتهم الرقابية بالشكل ذاته. ففي الوقت الذي طرح فيه نائب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” عن دائرة جرادة، المختار راشدي، أزيد من 2100 سؤال في 5 سنوات، لم تطرح ياسمينة بادو، وزيرة الصحة السابقة ونائبة “حزب الاستقلال” عن دائرة أنفا بالدار البيضاء، إلا سؤالا واحداً!
وعلى النحو ذاته، فإن “حزب العدالة والتنمية” هو الحزب الذي طرح أكبر عدد من الأسئلة، حيث قدرت بحوالي 25 ألف سؤال، أي ما يزيد عن نصف الأسئلة التي طُرحت خلال هذه الولاية التشريعية. ويأتي خلفه “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، الذي طرح نوابه حوالي 12 ألف سؤال، أي 25% من مجموع الأسئلة الموجهة للحكومة. أما باقي الأحزاب الحاضرة في مجلس النواب، فقد طرح كل واحد منها ما يقل عن 5000 سؤال.
لكن من الذي يتم اختياره للإجابة عن الأسئلة من خلال هذه الآلية؟ لقد طرح أعضاء مجلس النواب أسئلة على كافة الوزارات، لكن وزارة الداخلية كانت أكثر من وُجِّهت لها الأسئلة حيث تلقت 8265 سؤالاً، أي 17.5% من الأسئلة الواردة، تليها وزارة التربية الوطنية بـ4176 سؤالاً (9%)، ثم وزارة التجهيز بـ4079 سؤالاً (8.6%).
إلا أن جميع الوزارات لا تجيب عن الأسئلة بنفس الوتيرة، فمن بين الوزارات العشر التي وُجِّه لها أكبر عدد من الأسئلة (أي 70% من مجموع الأسئلة)، بلغت نسبة الإجابة بالنسبة لوزارة الداخلية 29.6%، أي النسبة الأدنى. في المقابل، أجابت وزارة الصحة على حوالي 80% من الأسئلة الموجهة لها والبالغة نسبتها 7.3% فقط.

ما يمكن أن نستشفه هو أن فعالية الرقابة البرلمانية تختلف باختلاف الوزارات. فعلى سبيل المثال، يسهل حصول أعضاء مجلس النواب على المعلومات من وزارة الصحة أو وزارة العدل، من حصولهم عليها من وزارة الداخلية. بالرغم من أن القانون ينص على كافة الوزارات الإجابة على الأسئلة التي يتلقونها في غضون الـ20 يوماً التي تلي إيداعها لدى مكتب مجلس النواب. وفي حال غياب الرد، يجوز للنائب أن يطلب إدراج سؤاله في جدول أعمال الجلسة الموالية ويجبر الوزير المعني على الإجابة. إلا أن هذا الإجراء نادراً ما يتم اتباعه. لماذا تقوم بعض الوزارات بالرد أكثر من غيرها؟ لا يمكن لغياب الإرادة السياسية أن يكون التفسير الوحيد، إذ يمكن أن يوجد تفسير آخر يتمثل في أن غياب الرد ناتج على العدد المفرط من الأسئلة الواردة، فكلما زاد عدد الأسئلة، طال أمد الرد.
تبرز دراسة متوسط عدد الأسئلة لكل نائب تباينات مهمة. فرغم حصول “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” على 44 مقعداً فقط خلال الولاية التشريعية 2011-2016، فإنه لا يزال الحزب الأكثر نشاطاً في مجلس النواب، حيث طرح ممثلوه 257 سؤالاً لكل منهم. يليه “حزب العدالة والتنمية” الذي بلغ متوسط الأسئلة التي طرحها نوابه 208 سؤالاً، ثم “حزب التقدم والاشتراكية” بنسبة تناهز 115 سؤالاً لكل نائب. ولم يطرح النواب المنتخبون من “التجمع الوطني للأحرار” في المعدل سوى 18.3 سؤالاً، ما يجعل هذا الأخير الحزب الأقل نشاطاً في مجلس النواب. وبالكاد تجاوزهم نواب “حزب الأصالة والمعاصرة” و”الحركة الشعبية” و”الاتحاد الدستوري” بمعدل 30 سؤالاً لكل نائب.

إن هذه الفوارق بين الأحزاب تذكرنا بواحدة من أقدم الانقسامات في التاريخ السياسي المغربي: من جهة، نجد الأحزاب الإدارية (“الحركة الشعبية” و”التجمع الوطني للأحرار” و”الاتحاد الدستوري” و”حزب الأصالة والمعاصرة”) التي تم تشكيلها بتشجيع كبير من القصر؛ ومن جهة أخرى، أحزاب الحركة الوطنية (“حزب الاستقلال” و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”حزب التقدم والاشتراكية”) وليدة النضال من أجل الاستقلال، بالإضافة إلى “حزب العدالة والتنمية”. وتطرح الأحزاب الإدارية عدداً أقل من الأسئلة مقارنة بالبقية. فالعضو في الحزب الإداري يطرح 26.2 سؤالاً في المعدل، مقابل 165 سؤالاً من عضو في أحد أحزاب الحركة الوطنية أو “حزب العدالة والتنمية”.
والمثير للدهشة هو أن هذا التمييز بين الأحزاب يعد أكثر تأثيراً على طرح الأسئلة البرلمانية من الانقسام بين المعارضة والأغلبية. وقد يظن المرء أن أحزاب المعارضة تمارس ضغطاً أكبر على الحكومة مقارنة بنظيراتها التي تنتمي للأغلبية. إلا أنه على عكس ذلك، يتبين أن برلمانيي الأغلبية يطرحون أسئلة أكثر بقليل من أولئك الذين ينتمون للمعارضة (في المتوسط، يطرح نائب في الأغلبية 123 سؤالاً مقابل 78 لنائب في المعارضة).
تمثل الأسئلة البرلمانية الأداة الأكثر استخداماً من طرف أعضاء مجلس النواب نظراً لبساطة الإجراءات المتعلقة بها. ويتبين أن هناك بعض الاختلافات المنهجية، حيث يتلقى بعض الوزراء أسئلة أكثر من غيرهم، كما أن هناك اختلاف في معدل إجاباتهم. إضافة إلى ذلك، فإن عدد الأسئلة المطروحة من طرف أحزاب الحركة الوطنية و”حزب العدالة والتنمية” أكبر بكثير من عدد الأسئلة التي تطرحها الأحزاب الإدارية.
ونظراً للأهمية الحيوية للأسئلة البرلمانية، فإن استخدامها يستحق تحليلاً أكثر عمقاً. هذا وتمكِّن دراسة هذه الأسئلة من فهم دوافع النواب وتوجهاتهم وأولوياتهم، إذ يعكس استخدام الأسئلة استراتيجيات يحددها عدد من الرهانات. وبالتالي، يمكننا افتراض أن النواب الذين يمثلون الدوائر الانتخابية التي تعاني من مشاكل اقتصادية واجتماعية أكثر من غيرها يطرحون أسئلة أكثر من البقية، وذلك بغرض الدفاع عن مصالح ناخبيهم بصورة أفضل. فمن خلال طرح الأسئلة داخل البرلمان، يستطيع النائب أن يتقمص صورة “المدافع” عن مصالح ناخبيه، ما قد يكون مفيداً له خلال مختلف الاستحقاقات الانتخابية.
ستُعيد طفرة التطرق لهذه الرهانات بشكل أكثر عمقاً في تدوينة لاحقة.
]]>د. دينا الخواجة، مديرة معهد الأصفري، الجامعة الأمريكية ببيروت
يسعد معهد الأصفري للمجتمع المدني والمواطنة الفاعلة، بالجامعة الأمريكية ببيروت، بدء شراكاته البحثية لهذا العام، عبر إصدار مشترك مع مؤسسة طفرة للبحوث في المملكة المغربية لنص هام عن “سردية الملك الطيب والأحزاب السياسية السيئة ” وكيف تم إعادة تدويرها في النقاش السياسي والبحوث الأكاديمية والحس العام، لشرح آليات عمل المجال السياسي في المغرب لعقود طويلة. ويتناول النص المقدم من د. مونية بناني شرايبي، الباحثة المغربية المعروفة، مجموعة من تنويعات هذه السردية بغية التحرر من هيمنتها، وفتح نقاش أوسع وأعمق عن قضايا المساءلة والإصلاح والتعددية في المجتمع المغربي خصوصاً، و المجتمعات العربية التي تعاني من وطأة سرديات مماثلة بشكل أوسع
وتصدر هذه السلسة تحت عنوان “شراكات بحثية” وهذا هو الإصدار الأول لها تدعيماً لدور معهد الأصفري في فتح نقاش إقليمي عن الجسور الممكنة لربط الأكاديميا بالحياة السياسية في مجتمعاتنا العربية، وتفعيلاً لدور الباحثين العرب في تفكيك السرديات السائدة بين الفاعلين السياسيين و الباحثين والمواطنين علي السواء عن أسباب أزماتهم السياسية المستمرة.
يونس بن مومن، رئيس جمعية طفرة
في العام الثامن عشر من حكم محمد السادس، فإن القضية تفهم كما يلي: الأحزاب السياسية مسئولة عن الأزمة السياسية التي تمر بها المغرب، لأنها (الأحزاب) ضعيفة. فهي لا يمكنها تأمين مهمة الوسيط بين الشعب والمؤسسات. فقدرتها على تأطير مشاركة المواطنين السياسية، ثم التعبير عنها داخل المؤسسات السياسية، معطلة. يشهد على ذلك، منذ عام، “الحراك” في منطقة حيث لم يتمكن أبدا الحزب المسيطر من تقديم نفسه كمتحدث شرعي نيابة عن السكان المحليين. هذا الاستنتاج مشارك من الكثير، لأنه يحمل ختم الحس المتعارف عليه.
برغم من هذا، فإن هذا الاستنتاج ليس بجديد. فمساهمة مونية بناني شرايبي لها الفضل أولا في توضيح ظهور”أزمة الأحزاب”، والتذكير بمساراتها لدي مختلف الكتاب وأفرع العلم، والمؤرخين والسياسيين وعلماء الانثروبولوجيا. هذا التفكير المسبق يسمح بإماطة اللثام عن التفاعلات الحاكمة اليوم للساحة السياسية المغربية، والتي غاليا ما تكون مستترة بفعل الخطاب السائد.
ماذا نعرف عن “أزمة الأحزاب”؟ بادئ ذي بدء، فإنه وفقا لروايتنا الوطنية فإن الحزب الفاشل هو شخصية قديمة. فهو يظهر بمجرد ما يفرض “القصر” نفسه كفاعل مسيطر على اللعبة السياسية، وذلك على حساب أحزاب الحركة الوطنية. فعلى مدار ثلاثون عاما -سنوات الرصاص- عطل القمع والاستقطاب والانشقاق المجال الحزبي بإقطلاع أنيابه. ما تذكر مونية بناني شرايبي، فإن الأحزاب “الإدارية” تم إنشائها دوما لملأ “الفراغ السياسي”، و”تمثيل الأغلبية الصامتة”، وجذب “الأكثر كفاءة”، وتطبيق “التوجهات الملكية العليا” بكفاءة.
اليوم، صارت الإنتخابات منتظمة، ونسبيا شفافة وتنافسية. ولكن هذه الإنتخابات مأطرة، تمنع ظهور أغلبية برلمانية، وتقوض الأحزاب لتحالفات غير متماسكة. تتمتع الملكية بحقوق واسعة ولكن دون أن تخضع لأية مساءلة. التعددية الحزبية وإن كانت في المقدمة، فإن جزء من المعارضة لا يستطيع الوصول لا إلى الساحة الانتخابية ولا إلى وسائل الإعلام الرسمية. هذه الصورة اجمالا عن السلطوية الإنتخابية تصنع النظام السياسي والتي صارت المغرب نموذجا أصليا له منذ التناوب في 1998.
ماذا تعلمنا الأدبيات الأكاديمية عن هذا الموضوع؟ في الأصل، فإن وظيفة الحزب السياسي في نظام انتخابي سلطوي هو أن يكون “ضعيف” أو “فاشل”. فهو يسهم بدرجة أقل في التأطير والحشد والحكم، عن تأمين توزيع الموارد والوظائف، و” إعطاء ضمانات للمستثمرين وللفاعلين الدوليين، أو إضفاء مصداقية على السياسات المطبقة، وخاصة عند التطرق الي بحث المسئولية في حالة الفشل”. من وجهة النظر تلك، فإن الأحزاب السياسية المغربية تقوم بدورها جيدا. فـ5% من المقاعد في المجلس تكفي لرئاسته، وإيقاف حكومة والوصول في النهاية إلى عضويتها. المشكلة أن الناخبين هم من ينفرون.
الأزمة إذن تكمن بصورة أقل في الأحزاب، مقارنة بطبيعة المطالب الموجهة نحو السلطة. في الخطاب، فإن تحريف المسئولية ناحية الأحزاب لم يعد مقنعا. ففي الحسيمة، لم تكن أبدا الأزمة مع أو ضد حزب الأصالة والمعاصرة (le PAM) حيث كانت بدونه. إذا كان ضعيف جدا، فإن حزبا يصير بلا فائدة. وإذا كان قوي جدا، فإنه يكسرتوازن الكارتل بين الأحزاب ويبدو تهديدا للقصر. فالتركيز على ضعف الأحزاب يرجع إلي إخفاء نقد النظام، الذي هو منبع هذا الضعف.
بدون أن يكون شاملا، هذا التحليل يسمح مع ذلك بإعادة تأكيد الطبيعة المؤسساتية للنقاش. هل يجب أن تكون الأحزاب ضعيفه حتي تبقى الملكية قوية؟. إن عدم القدرة أو رفض مناقشة هذه القضية، ألا وهي تلك الخاصة بفاعل مسيطر يديم هيمنته عبر تبريرها بضعف السياسيين، يشرح الضباب الذي تتوه فيه أية محاولات للإصلاح. تكلف هذه المعضلة البلاد غاليا، بما أنها لا تسمح لا بالثقة في المؤسسات العامة ولا في النتائج الإجتماعية والإقتصادية المستخلصة.
للخروج من هذا، فإن الأمر يستوجب بالضرورة التطبيق الكامل والشامل للمبادئ الدستورية، في مقدمتها العلاقة بين المسئولية والمسائلة. أعمال Tafra حول الإنتخابات التشريعية المغربية تثبت أن نظام التصويت وأشكال التقسيم الإنتخابي تمنع وجود أغلبية برلمانية متماسكة. بيد أن هذا الأمر تحديدا هو أحد شروط ممارسة المسئولية. هذا المبدأ البسيط مستتر خلف الهندسة الإنتخابية، والتي تصنع من البرلمان مؤسسة غير منظمة ومحكوم عليها بعدم الفاعلية، حيث أن التحالفات المكتظة والمتباينة تصبح الوسيلة الأفضل للتشويش على مسئولية كل من أعضائه.
صنع الخطاب الملكي في 29 يوليو من المساءلة حجر زاوية لتطبيق الدستور. ولكن هذا يستلزم مبادرة يبدو أن لا أحدا اليوم يستطيع توليها: إعادة فتح النقاشات الدستورية لعام 2011، والتي عطلت سرعة زوالها اليوم تطبيق مبادئ منصوص عليها. الدولة لديها اليوم سلطة تنفيذية ثنائية الرأس. فرئيسها، متشحا بشرعيته الدينية، يرأس مجلس الوزراء ويمتلك مجالات محددة. وهو يعرف “التوجهات الإستراتيجية”، ويمد الظهير للوظائف المدنية العليا والعسكرية، ويعين ويستبعد الوزراء. هل ما تبقي لرئيس الحكومة، هذا “الأول ضمن نظراء” من المنتخبين، يبرر المساءلة أو يجعلها على أقل تقدير موثوق فيها؟ لأنه من أجل تقديم كشف الحساب، يجب أيضا أن يكون هناك مسئولية كاملة. تلك هي السردية المضادة التي في طور التطور، لمظاهرات 2011 وحتي تلك التي اندلعت في الريف.
]]>