Deprecated: Optional parameter $output declared before required parameter $attr is implicitly treated as a required parameter in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-content/themes/voice/core/extensions.php on line 166
Deprecated: Return type of Requests_Cookie_Jar::offsetExists($key) should either be compatible with ArrayAccess::offsetExists(mixed $offset): bool, or the #[\ReturnTypeWillChange] attribute should be used to temporarily suppress the notice in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/Requests/Cookie/Jar.php on line 63
Deprecated: Return type of Requests_Cookie_Jar::offsetGet($key) should either be compatible with ArrayAccess::offsetGet(mixed $offset): mixed, or the #[\ReturnTypeWillChange] attribute should be used to temporarily suppress the notice in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/Requests/Cookie/Jar.php on line 73
Deprecated: Return type of Requests_Cookie_Jar::offsetSet($key, $value) should either be compatible with ArrayAccess::offsetSet(mixed $offset, mixed $value): void, or the #[\ReturnTypeWillChange] attribute should be used to temporarily suppress the notice in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/Requests/Cookie/Jar.php on line 89
Deprecated: Return type of Requests_Cookie_Jar::offsetUnset($key) should either be compatible with ArrayAccess::offsetUnset(mixed $offset): void, or the #[\ReturnTypeWillChange] attribute should be used to temporarily suppress the notice in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/Requests/Cookie/Jar.php on line 102
Deprecated: Return type of Requests_Cookie_Jar::getIterator() should either be compatible with IteratorAggregate::getIterator(): Traversable, or the #[\ReturnTypeWillChange] attribute should be used to temporarily suppress the notice in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/Requests/Cookie/Jar.php on line 111
Deprecated: Return type of Requests_Utility_CaseInsensitiveDictionary::offsetExists($key) should either be compatible with ArrayAccess::offsetExists(mixed $offset): bool, or the #[\ReturnTypeWillChange] attribute should be used to temporarily suppress the notice in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/Requests/Utility/CaseInsensitiveDictionary.php on line 40
Deprecated: Return type of Requests_Utility_CaseInsensitiveDictionary::offsetGet($key) should either be compatible with ArrayAccess::offsetGet(mixed $offset): mixed, or the #[\ReturnTypeWillChange] attribute should be used to temporarily suppress the notice in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/Requests/Utility/CaseInsensitiveDictionary.php on line 51
Deprecated: Return type of Requests_Utility_CaseInsensitiveDictionary::offsetSet($key, $value) should either be compatible with ArrayAccess::offsetSet(mixed $offset, mixed $value): void, or the #[\ReturnTypeWillChange] attribute should be used to temporarily suppress the notice in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/Requests/Utility/CaseInsensitiveDictionary.php on line 68
Deprecated: Return type of Requests_Utility_CaseInsensitiveDictionary::offsetUnset($key) should either be compatible with ArrayAccess::offsetUnset(mixed $offset): void, or the #[\ReturnTypeWillChange] attribute should be used to temporarily suppress the notice in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/Requests/Utility/CaseInsensitiveDictionary.php on line 82
Deprecated: Return type of Requests_Utility_CaseInsensitiveDictionary::getIterator() should either be compatible with IteratorAggregate::getIterator(): Traversable, or the #[\ReturnTypeWillChange] attribute should be used to temporarily suppress the notice in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/Requests/Utility/CaseInsensitiveDictionary.php on line 91
Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/taframa/old.tafra.ma/wp-content/themes/voice/core/extensions.php:166) in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/feed-rss2.php on line 8
ومع ذلك، ليس من العبث أن نفتح خيالنا لنتصور مدى قدرة الهجرة على إحداث آثار سياسية في مجتمع المنشأ، علماً بأن موازين القوة السياسية تتغير محلياً عندما يغادر أفواج من المواطنين البلاد. في هذا المقال، تتناول الباحثة إميلي أ. سيلارس الكيفية التي تتأثر بها سلباً التعبئة السياسية التي يقودها أولئك الذين قرروا عدم المغادرة وذلك من جراء توفر فرص الهجرة أمام بعض الفئات من المواطنين. ويرتكز تبرير هذا التساؤل على ملاحظة بسيطة: عندما تنطوي التعبئة السياسية على عدد من المخاطر ويستوجب نجاحها حشد عدد كبير من المواطنين، يصير من المحتمل أن تطفو على السطح مشاكل متعلقة بالتنسيق بين مختلف الفاعلين. بالتالي، وفي الوقت الذي يكون فيه نجاح الحركة مشروطاً بتعبئة أكبر عدد من المواطنين، لا يستشعر الأشخاص الذين تتاح لهم فرص مغادرة البلاد الدافع الكافي للتظاهر. وهكذا مع توقع العموم لحدوث انشقاقات في صفوف الفاعلين، تهتز بحكم الواقع ثقة الجماهير في نجاح الحركة.
وقد قسمت الباحثة تناولها للموضوع على مرحلتين، حيث وضعت نموذجاً رياضياً يسمح بتحديد الطريقة التي يقرر بها الناس التعبئة أو يمتنعون عنها. وانطلاقاً من هذه المعاينة، خلصت الباحثة إلى مجموعة من الفرضيات اشتغلت فيما بعد على التحقق منها من خلال دراسة الوقائع التاريخية. وفي سبيل ذلك نجدها تستعين بتاريخ حركتين اجتماعيتين: الثورات الزراعية التي شهدتها المكسيك بعد الثورة مع بداية القرن العشرين، والصراعات المتعلقة بالشغل التي عاشتها اليابان إلى غاية منتصف القرن العشرين.
بالنسبة للباحثة إميلي أ. سيلارس، تعتبر قدرة المواطنين على التنسيق فيما بينهم عاملاً محورياً في تنظيم تعبئة سياسية معينة، وذلك لأن نجاحها يستوجب استباق تصرفات باقي أفراد المجتمع، وكل ذلك في ظل وضعية غير مؤكدة. فعندما لا تقدم الحكومة والنخب تنازلات للجمهور إلا عندما يقوم بالضغط بقوة عليهم، تصبح قدرة المواطن على إيصال صوته مرتبطة بعمل المواطنين الآخرين وبدرجة صعوبة التغيير السياسي في بلاده.
وفي هذا السياق، تفترض الباحثة أن المواطنين يستهويهم دائماً نجاح الحراك الاجتماعي، أكثر مما تستهويهم الهجرة، حتى وإن كانت الهجرة تَعدهم بموارد مادية أهم، لا سيما الحصول على أجور أعلى. ومع ذلك، ليست الهجرة متاحة أمام جميع المواطنين بشكل متساو. فبالنسبة للبعض، تُعتبر الهجرة أقل تكلفة مقارنة بغيرهم من المواطنين، وذلك لكونهم يتوفرون على إمكانيات مالية أو شبكة معارف (عائلة أو أصدقاء أو زملاء) في الخارج تسهل هجرتهم.
وإذا كان للهجرة تكلفة، فالأمر ذاته ينطبق على التعبئة السياسية، وهو ما يسمح بالتمييز بين ثلاثة أنواع من الأشخاص: من يهاجرون نحو سوق عمل أجنبي، ومن يبقون للعمل داخل البلاد، ومن يتفرغون تماماً للتعبئة ويصيرون بذلك دون أجر. كما أن هناك اختلافات بين النتائج الناجمة عن التعبئة: فإذا كانت الأمور على حالها بالنسبة للذين لا يشاركون في المظاهرات، وإيجابيةً بالنسبة للذين يهاجرون (يحصلون على أجور أعلى في الخارج)، فإنها قد تكون سلبيةً في حال فشل التعبئة بالنسبة للمنخرطين فيها، وقد تكون إيجابية في حال نجاحها.
ومن هذا المنطلق، ترى الباحثة أن احتمال نجاح التعبئة يرتفع بارتفاع حجم الساكنة المعبأة وبالمكاسب المتوقعة من هذه التعبئة. فكلما زاد عدد المتظاهرين، كانت الحكومة أكثر قابلية للاستجابة لمطالبهم. وعلى النحو ذاته، كلما ارتفع سقف المكاسب المتوقعة (حقوق اجتماعية أكبر مثلاً)، تزايد عدد الأشخاص الذين تتم تعبئتهم.
بالمقابل، يتراجع احتمال نجاح الحركة كلما أصبح العمل الجماعي محفوفاً بالمخاطر، وكلما ارتفعت تكلفة الفرصة المتصلة بالعمل الجماعي، وكلما أصبحت الهجرة أكثر جاذبية وسهولة. ويقصد بتكلفة الفرصة المتصلة بالعمل الجماعي الفكرة التي مفادها أن المهاجرين المحتملين يحتاجون لضمانات على نجاح التعبئة حتى يظلوا في بلادهم ويشاركوا في المظاهرات، وإلاَّ فإنه ليس من الهين عليهم تفويت فرصة الهجرة على اعتبار أن الهجرة أكثر نفعاً بالنسبة لهم كونها تمنحهم أجوراً أعلى. وعندما تصبح الهجرة أكثر جاذبية وسهولة، يجدر التشديد على وجود عوامل خارجية مؤثرة على جودة المعلومات المتداولة بشأنها. فمعرفة أن هناك أشخاصاً يتوفرون على فرص للهجرة تؤدي إلى تقديرات تقلل من عدد الأشخاص الذين ستتم تعبئتهم، وبالتالي تقلص القدرة على تصور نجاح الحركة. ونتيجةً لذلك يصبح جميع الأشخاص – سواء أتيحت لهم فرصة الهجرة أم لم تتح قط – أقل استعداداً للمشاركة في الحركة. وهذه الآلية تشكل نقطة انطلاق لحلقة مفرغة: فكلما أصبحت فرص الهجرة أكثر وأسهل، زادت الهجرة وتراجعت أعداد الفاعلين الذين تتم تعبئتهم، وبالتالي يقل احتمال نجاح التعبئة، الأمر الذي يصعب معه تصور حدوث تغيير سياسي.
هكذا فإن طرح الباحثة إميلي أ. سيلارس يسمح بملامسة فكرة رئيسية، ألا وهي أن وجود فرص الهجرة يقلص في حد ذاته من التعبئة بشكل مباشر (حيث يصبح الأشخاص الذين يستفيدون من فرص الهجرة أقل استعداداً للتعبئة) وبشكل غير مباشر (بفعل أن وجود فرص الهجرة يضعف ثقة المواطنين في العمل الجماعي، كونهم يستبقون وهن التعبئة جراء موجات الهجرة المفترضة).
خلال الثورة المكسيكية (1920-1910) والسنوات التي تلتها، شهدت القرى صراعات نتيجة التوزيع غير المتكافئ للأراضي. وكرد على هذه الصراعات، اعتمدت الحكومة برنامج إصلاح خاص بالأراضي: حيث أصبح بإمكان مجموعات المزارعين مطالبة الحكومة جماعيا، بواسطة عرائض، بنزع ملكية كبار الملاكين ثم استرجاع أراضيهم، والتي تتم بعد ذلك إعادة توزيعها.
والحال أن العملية التي كان يستطيع من خلالها المواطنون الحصول على الأراضي كانت تتطلب تعاونهم بشكل صريح، حيث كان يتوجب توقيع وتقديم العرائض على مستوى كل بلدة، ولم تكن الأراضي تمنح إلا بعد تعبئة مجموعة لا بأس بها من الأفراد من كل بلدة. ونظرا لأن التواقيع كانت علنية، فإن قرار المشاركة في حركة زراعية كان “مكلفا” بشكل فوري، أي أن المرء يكون مكشوفا أمام الجميع، في حين أن المكاسب كانت غير مؤكدة. علاوة على ذلك، كانت عملية إعادة توزيع الأراضي عنيفة نسبيا، إذ وضعت فئات اجتماعية مختلفة في مواجهة بعضها البعض: فقد قام كبار الملاكين بتوظيف حراس مسلحين للدفاع عن ممتلكاتهم من المصادرة، فيما حمل قادة المتظاهرين السلاح لتخويف الملاكين وممثلي الدولة المحليين، مهددين بإحداث ثورة جديدة.
وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن التنقل بين المكسيك والولايات المتحدة كان سهلاً نسبياً في تلك الفترة، وأن السبب الأكبر للهجرة من المكسيك نحو الولايات المتحدة كان يكمن في الغموض الذي أحاط بالإصلاحات العقارية. وبالتالي، ترتب عن وجود فرص الهجرة آثار مهمة على التعبئة السياسية، حيث إن أكثر المهاجرين، أي الشباب في سن العمل الذين لا يملكون أراض، كانوا الأكثر تعبئة في بادئ الأمر.
وبالتالي، قلل هذا الأمر بشكل مباشرة من حدة الضغط على الحكومة فيما يتعلق بإعادة توزيع الأراضي، الأمر الذي جعل إمكانية الحصول على تنازلات أمرا صعبا للغاية. والحال أنه في أي بلدة كانت، إذا قرر عدد كبير من الأشخاص الهجرة، حتى في الوقت الذي كانت تنظر فيه السلطات المحلية في أمر العريضة، فإن البلدة بأكملها تصبح غير مؤهلة للحصول على الأراضي. وعليه، أقرت بعض الإدارات المكسيكية رسميا بأن النسب العالية للهجرة قد كانت من بين العوامل الرئيسية لرفض منح الأراضي الزراعية.
إلا أنه تجدر الإشارة إلى وجود فوارق جغرافية آنذاك، حيث إن المناطق التي استطاعت الحصول على الأراضي بشكل كبير هي التي كانت فيها نسبة الهجرة ضئيلة. ويرجع ذلك بالأساس إلى أن هذه المناطق لم يكن لديها إمكانية الوصول إلى السكك الحديدية، وهو ما كان يصعب الوصول إلى سوق العمل في الولايات المتحدة. كما كانت هناك أيضا اختلافات حسب الفترة الزمنية، فعلى إثر الكساد الكبير في الولايات المتحدة (1929)، تم إغلاق الحدود مع المكسيك، وأصبحت بذلك الهجرة مستحيلة، الأمر الذي أدى إلى تضاعف حركات التعبئة السياسية.
في هذا الإطار، يمكن إبراز التأثير المثبط لوجود فرص للهجرة. فقد كان التعاون بين المواطنين أمرا ضرورياً من أجل إنجاح الإصلاحات الزراعية، إلا أن هذا التعاون أصبح أكثر صعوبة مع تصاعد العنف وفرض عقوبات اقتصادية على الذين يدافعون على الإصلاح الزراعي. وقد أدت مغادرة الأفراد إلى إضعاف قدرة أولئك الذين ظلوا في البلد على الحصول على الأراضي، الأمر الذي قوض حركة التعبئة.
ومع ذلك أسفر هذا الوضع عن ردود متناقضة من الحكومة والنخب المكسيكية فيما يتعلق بسياسة الهجرة التي يجب اتباعها في عشرينات القرن الماضي. وقد قام أصحاب الأراضي ورؤوس الأموال المكسيكيون بالضغط على الحكومة حتى تمنع منح تأشيرات الخروج، خشية نقص القوى العاملة وما يترتب عنها من زيادة في الأجور. وفي حالات أخرى، فضل ملاكو الأراضي السماح للعمال بالرحيل، لتقليل خطر بروز حركات تعبئة.
في الفترة ما بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، شهدت اليابان هجرة واسعة نحو أمريكا اللاتينية، بدعم من الحكومة التي قدمت تسهيلات كبيرة. وبسبب الصعوبات الاقتصادية والسياسية، تسارعت وتيرة هذه الهجرة في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وانخفضت مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، قبل أن يتم تشجيعها مرة أخرى خلال فترة إعادة الإعمار ما بعد الحرب في الأربعينات والخمسينات.
وقد تزامنت موجات الهجرة هذه مع فترات من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي: فمنذ عشرينات القرن الماضي، رفعت سلسلة من المظاهرات التي نظمها العمال والفلاحون والبوراكومين (وهي فئة يابانية منبوذة) من مستوى تأهب النخب والحكومة.
ورداً على هذه المظاهرات، وضعت الدولة سياسة صارمة للغاية لقمع الحركات الاجتماعية، والتي روجت أيضا لبرامج تصدير القوى العاملة إلى أمريكا اللاتينية، من أجل تشجيع هجرة فئات معينة من العمال: ويتعلق الأمر بمثيري المشاكل. وقد كان الأشخاص المستهدفون على وجه الخصوص هم أولئك الذين كانوا الأكثر انخراطاً في التعبئة، وعلى رأسهم ممثلو النقابات. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الحكومة لم تجبر هؤلاء الأشخاص على المغادرة، بل شجعتهم بشدة وقدمت لهم الدعم.
وقد كان هذا البرنامج يهدف أيضا إلى أن يصبح أداة لتخفيف الضغط السياسي، والتي سمحت للدولة، من خلال الحد من الضغط والتوترات، باستعادة السيطرة. ولهذا السبب عارضت النقابات إجمالا هذه التدابير، خشية تأثيرها على قدراتها على التعبئة وبالتالي تسريع تراجعها. ولهذا السبب أيضاً دعمت النخب اليابانية بشدة هذه البرامج في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. والحال أنها كانت نهجا “منخفض التكلفة” للحد من الاحتجاج الاجتماعي، وتجنب تقديم تنازلات مهمة (زيادة الأجور على سبيل المثال) في الآن نفسه. علاوة على ذلك، مكنت برامج الهجرة من تفادي الشرطة اللجوء إلى الحملات القمعية العنيفة، التي كانت ستكيل سيلا من الانتقادات للحكومة اليابانية، بما في ذلك على الصعيد الدولي.
يمكن عمل الباحثة إميلي أ. سيلارس من إزاحة الستار على العلاقة السلبية بين فرص الهجرة والتعبئة السياسية. وبالتالي فإن الفرص المتاحة لمغادرة البلاد في حد ذاتها تساهم في تقويض الديناميات الرامية إلى تحقيق التغيير الاجتماعي داخل البلد المعني. ويبرز تحليلها أيضاً مكامن استئثار سياسات الهجرة باهتمام الحكام الراغبين في الحد من الاحتجاجات. وحتى لو لم يتم استهداف فئة معينة من المواطنين فقط، فإن إدراك الساكنة لقدرة البعض على المغادرة يقلل من إلحاحية الدوافع التي تحث الجميع على الانضمام إلى حركات التعبئة السياسية. ونظراً لأنه يمكن للهجرة أن تكون وسيلة لتحقيق الاستقرار في الحياة السياسية للبلاد، فهي تعد بالتالي رافعة استراتيجية يمكن أن تستغلها الدولة والساكنة على حد سواء.
Emily A. Sellars, « Emigration and Collective Action, » The Journal of Politics 81, no. 4, 2019.
DOI: 10.1086/704697
يعتبر هذا السؤال بالغ الأهمية. فبينما يتفق الكثيرون على أن إرادة الشعب هي أصل حركات التعبئة السياسية، يبين الباحثان في هذه الورقة أن دور الدولة في الأنظمة الاستبدادية يحتل موقعاً مركزياً في تفسير نشأة حركات التعبئة الموالية لها.
إذ يدرس الباحثان طريقة لجوء السلطة السياسية بشكل استراتيجي إلى تنظيم مظاهرات مؤيدة لها. هذه الاستراتيجيات هي استجابة لوضع سياسي غير مستقر تخشى فيه الدولة التشكيك في مشروعيتها وسلطتها.
وقد استند الباحثان لإجراء بحثهما على قاعدة البيانات الخاصة بالتعبئة الجماهيرية في الأنظمة الاستبدادية وهي أول قاعدة بيانات تسجل كافة المظاهرات المؤيدة للحكومة التي شهدتها أنظمة تعتبر استبدادية، أي التي يسيطر فيها شخص واحد على السلطة السياسية، وذلك خلال الفترة ما بين 2003 و2015، كما تجمع قاعدة البيانات معلومات متنوعة حول حجم المظاهرات وأحداث العنف خلال هذه التجمعات. وانطلاقاً من هذه البيانات، قام الباحثان بإجراء اختبارات إحصائية تسمح لهما بتوضيح الوضع.
يرى الباحثان أن تنظيم مظاهرة مؤيدة للحكومة يسمح للدولة بتقويض قدرات التعبئة لدى ثلاث مجموعات وهي: النخب والجمهور وقوى المعارضة.
ففي المقام الأول، تمثل التجمعات المؤيدة للحكومة وسيلة لتعزيز التماسك بين النخب، سواء كانت حاكمة أو لم تكن كذلك، وتقلص بذلك احتمال حدوث انقلاب على النظام. فمن خلال إظهارها للنظام بمظهر القوي، ترسخ حركات التعبئة فكرة صعوبة إسقاطه. وبالتالي، فإن عناصر النخبة الذين كانوا يرغبون في سقوط النظام يفقدون الدافع للتحرك.
أما فيما يتعلق بالجمهور، فالوضع لا يختلف عن النخب. فمظهر القوي الذي تعكسه المظاهرات المؤيدة للنظام يثني المواطنين المترددين عن الخوض في الاحتجاجات لأنهم يرون أن هذه التعبئة ستبوء لا محالة بالفشل.
كما تتأثر قوى المعارضة من نواح متعددة، فعندما تتزامن المظاهرات المؤيدة للنظام مع الاحتجاجات التي تنظمها، يتزايد الخطر المرتبط بالتظاهر. إذ يتضاعف احتمال تحول المظاهرات إلى مواجهات عنيفة بين المعسكرين المتنافسين. ومن ناحية أخرى، قد تستخدم الدولة تزامن المظاهرات المؤيدة للنظام والمعارضة له كتبرير لسماحها لقوات الأمن بالتدخل العنيف، حيث يبدو قمع حركة معارضة عند اندلاع أعمال العنف أثناء المظاهرات أكثر شرعية من قمعها عندما يكون الاحتجاج سلمياً. وأخيراً، تنظم المظاهرات المؤيدة للنظام في أغلب الأحيان في أماكن استراتيجية وذات دلالة رمزية كبيرة بالنسبة للمعارضة، وهو الأمر الذي يحد من القوة الرمزية لمظاهرات المجموعات المعارضة وحجمها.
لكن اعتماد المظاهرات المؤيدة للحكومة لا يجب أن يعتبر أسلوبا مضمونا. فإذا كانت تسمح للنظام باستظهار قوته وثثتني في نفس الوقت احتجاجات النخب وقوى المعارضة إضافة الى المترددين (يقال حينها أن المظاهرات الموالية للحكومة تزيد من التكلفة المرتبطة بالعمل الجماعي المعارضة) ، فلها جوانب ضارة/مضرة أيضا. مثل تكلفتها التنظيمية الجد مرتفعة، اذ تستوجب على النظام القيام بتقييم دقيق لتحديد من يمكنه دعمه، كما يمكن أن تؤدي الى صراعات/تصادمات بين مؤيدي وعارضي الحكومة قد تنتهي بفقدان الدولة السيطرة على الأحداث. لهذه الأسباب المختلفة، فإن تنظيم الاحتجاجات المؤيدة للحكومة ليست دائمًا الطريقة التي تفضلها الأنظمة الاستبدادية.
يشير الباحثان إلى وجود ثلاث سلبيات رئيسية لهذه الممارسات بالنسبة للدولة، وهي مخاطر يجب على هذه الأخيرة مراعاتها قبل اتخاذ القرار بشأن ما إذا كانت استراتيجية المظاهرات المؤيدة للنظام التي ترغب في تنفيذها مناسبة.
وتعد تكلفة التعبئة أول المشاكل التي يجب أخذها بعين الاعتبار. فهل باستطاعة الدولة تحديد المجموعات التي يحتمل أن تساندها؟ من أجل التصدي لهذا المشكل، تلجأ الدولة إلى الدعاية، أو إلى استهداف فئة المواطنين الذين يعولون على النظام، من قبيل الموظفين الحكوميين، أو إلى منح المكافآت.
أما المشكل الثاني فيتجلى في تكلفة التنظيم. فهل النظام قادر على أن يفرض على مؤيديه احترام التنظيم الذي يضعه؟ السؤال المطروح هنا هو معرفة ما إذا كان النظام قادرا على احتواء عنف المظاهرات في مستوى معين، بحيث يتم تثبيط المعارضة، دون أن تخرج أعمال العنف عن السيطرة. ويمكن للمرء أن يتصور أن النظام الذي يفتقر للقوة القسرية سوف يتحمل تكلفة أكبر جراء التعبئة، بحيث أنه لا يملك الموارد والموظفين لضمان حفظ النظام.
وأخيراً، يجب كذلك أخد تكلفة الحد من التعبئة بالحسبان. فإلى أي حد سيكون بمقدور النظام مكافأة الذين ساندوه على ولائهم؟ هنا سينصب التركيز على قدرات الدولة على الاستمالة، لاسيما إمكانية الوصول إلى المناصب المرموقة التي تقدمها لقادة المجموعات المؤيدة للنظام.
وأخيرا، نظراً إلى التكلفة الباهظة للمظاهرات المؤيدة للحكومة، يبدو أنه ليس لأصحاب السلطة مصلحة في تنظيمها إلا في اللحظات الحاسمة. ويعد تحديد هذه اللحظات، وغيرها من الأمور، موضوع العديد من التحليلات الإحصائية التي قام بها الباحثان.
من خلال تحليلات إحصائية بسيطة لقاعدة بياناتهما، تبين للباحثين أن ما يناهز ثلث المظاهرات المؤيدة للحكومة كانت تهدف أساساً إلى تشكيل تعبئة مضادة. حيث إنه في ثلث الحالات، تنظم المظاهرات الموالية للنظام في نفس الزمان والمكان اللذان تقام فيهما مظاهرات معارضة له.
علاوة على ذلك، يبين الباحثان أنه في الوقت الذي يتعرض فيه الناشطون المؤيدون للنظام لعدد أقل من الاعتقالات العنيفة مقارنة بالمعارضين السياسيين، فإن المظاهرات المؤيدة للنظام تسفر بالمقابل عن إصابات عديدة في صفوف المتظاهرين والمعارضين والشرطة. وإذا كان هذا الأمر يبدو غير منطقي للوهلة الأولى، فإن الباحثان يبرزان سبيين لهذا الوضع. فالقادة السياسيون أنفسهم يشجعون أعمال العنف ضد المعارضين خلال المظاهرات المؤيدة للنظام. إضافة إلى ذلك، يمكن للدولة أن تلجأ إلى مزيد من المظاهرات المؤيدة للنظام عندما يكون بقاؤها على المحك، ما من شأنه أن يزيد من تأجيج المشاعر.
أخيراً، يُلاحَظ من خلال حساب المعدلات أن المظاهرات المؤيدة للحكومة تجري أكثر في الأنظمة ذات الحزب الواحد وكذا الأنظمة العسكرية. ولكن بصفة عامة، كلما زادت سلطوية النظام، ارتفع عدد المظاهرات المؤيدة له. وتحتل كل من روسيا وهايتي وإيران وسوريا وكوبا الرتب الخمس الأولى للبلدان التي عرفت أكبر معدل للمظاهرات المؤيدة للنظام في الشهر خلال الفترة الممتدة ما بين 2003 و2015 (بمعدل 3 مظاهرات شهرياً في روسيا).
تمكن التحليلات الإحصائية الأكثر تفصيلاً الباحثين من تحديد التوقيت الذي تجري فيه المظاهرات المؤيدة للحكومة، أي السياق الخاص الذي يكون مواتياً لحدوثها.
وقد ثبت أولاً أن وتيرة المظاهرات ترتفع في الأوقات التي تزداد فيها حركات المعارضة، حيث إن حدوث عشر مظاهرات إضافية خلال شهر ما، يؤدي إلى ارتفاع في معدل المظاهرات المؤيدة للنظام بنسبة 14% في الشهر الموالي. وينطبق الأمر ذاته عندما تتسبب مظاهرات معارضة للنظام في إثارة البلدان المجاورة للبلد المعني.
إضافة إلى ذلك، تمت ملاحظة عدد أكبر من حركات التعبئة المؤيدة للنظام خلال فترة ما قبل الانتخابات أو الفترة التي تسبق محاولة انقلاب ]إحالة إلى الشكل الوارد أسفله[. وتحتم هذه الحالات التي يتم فيها التشكيك في مشروعية السلطة الحاكمة على الدولة أن تقوم بالرد حتى تحكم قبضتها على السلطة، وهذا يفسر الفائض في حركات التعبئة المؤيدة للحكومة. ومع ذلك تنخفض وتيرة حركات التعبئة المؤيدة للنظام بعد مرور الانتخابات أو محاولة انقلاب، الأمر الذي يمكن تفسيره من خلال الموقف الذي يتخذه النظام الاستبدادي: حيث تخول له شرعيته بعد الفوز في الانتخابات أو إفشال محاولة انقلاب ضده اللجوء إلى القمع المباشر ضد معارضيه دون التأثير على المصداقية التي أحرزها حديثاً.

أخيراً، من المرجح أيضاً أن تحدث المظاهرات المؤيدة للنظام عندما يكون قائد النظام قد شغل ذلك المنصب لمدة طويلة أو عندما تقوم وسائل الإعلام بتغطية هامة لحركات المعارضة أو عقب حدوث هجمات إرهابية. إن هذه الحالات من شأنها أن تهز صورة النظام القوي، ما سيجعله أكثر عرضة للتهديدات.
وبالتالي، يؤكد الباحثان على أن أسباب حركات الموالاة للحكومة تصبح أوضح عندما يكون النظام في وضع هش مقارنة بالفترات التي يعرف فيها وضعاً مزدهراً.
يفسر هذا المقال نشوء حركات التعبئة المؤيدة للحكومات وكذا الدور الذي تلعبه في ترسيخ الأنظمة الحاكمة. حيث تمكِّن الحركات المؤيدة للنظام، كونها أداة تحت تصرف السلطة السياسية، من تعزيز صورة النظام وأيضاً من التقليل من التهديدات التي يمكن أن تشكلها مختلف قوى المعارضة ضده. ونظراً لكون هذا الأسلوب مكلفاً، فإنه لا يمكن توظيفه إلا لماماً من طرف الحكومة التي يتعين عليها بالتالي أن تدمجه مع أدوات قمعية تقليدية أخرى لإنفاذ القانون. وعليه، يتبين عموماً أن اللجوء إلى حركات التعبئة المؤيدة للحكومة يكون مقترناً بالفترات التي يكون فيها النظام هشاً وبالتالي أكثر عرضة للتهديدات.
Comparative Political Studies , 2019. DOI: 10.1177/0010414019843559
]]>فهناك مدرسة تعتبر أن الطبقات المتوسطة هي التي تدفع إلى الثورات الديمقراطية، في حين أن مدرسة أخرى تقول إن هذه الثورات يقودها العمال أو الفقراء المنحدرون من الطبقات الأكثر تهميشاً على وجه العموم. غير أن الدراسات المتوفرة لا تقدم الجواب الفصل بخصوص هذه النقطة، إذ تستند إلى عدد قليل من النماذج أو إلى تقديرات لا يعول عليها بشأن أولويات وقدرات الفئات الاجتماعية – بالارتكاز مثلاً على إجمالي الناتج المحلي لكل نسمة أو على التفاوتات في المداخيل – الأمر الذي يتعذر معه قياس دور كل شريحة اجتماعية في هذه الثورات قياساً مباشراً.
هذا ويوضح الباحثون الثلاثة، دهلوم وكنوستن وفيغ، في الدراسة المذكورة أسباب وتجليات تأثير التركيبة الاجتماعية للمعارضة في الصيرورة الديمقراطية، ويستدلون بما يلي: لكي تنجح حركة اجتماعية ما في فرض الديمقراطية يتعين على المجموعات التي تكونها أن تمتلك القدرة على تنظيم مظاهرات جماهيرية حاشدة وأن يكون لها الحافز الكافي لفرض نظام ديمقراطي في مرحلة لاحقة. إلا أنه في الأنظمة المتحضرة والمصنًّعة نسبياً نجد أن الطبقات المتوسطة والعاملة هي وحدها التي تستطيع أن تجمع بين خاصيتي “القدرة” و”الحافز”. ذلك أن هذه الطبقات الاجتماعية، كونها كثيفة ومنظمة في أغلب الأحيان، لديها القدرة الكافية على تكبيد النظام القائم خسائر هائلة (من جراء هروب رؤوس الأموال مثلاً، أو تواتر الإضرابات)، لاسيما أنها عادة ما تسيطر على قطاعات رئيسية في الاقتصادات المصنَّعة. وهي تمتلك الحافز الكافي أيضاً، كونها أكثر عدداً وأكثر فقراً مقارنةً بالطبقات المهيمنة، لأن لديها فرصاً كبيرة للنجاح في فرض السياسات التي تصب في مصلحتها ضمن نظام ديمقراطي. هذا فيما تفتقر باقي الشرائح إلى القدرة على النهوض بحراك جماعي على نطاق واسع (الفلاحون مثلاً) أو إلى الحافز لاستكمال العملية الديمقراطية (الأرستقراطية مثلاً) – حتى وإن كانت قادرة أحياناً على التعبئة ضد النظام.
كي يتمكن الباحثون من اختبار توقعاتهم، قاموا بدراسة مجموعة من الحملات المناهضة للأنظمة والمسجلة في قاعدة البيانات “نافكو” (NAVCO) وهي مجموعة من البيانات العالمية تصف حملات المعارضة الجماهيرية، سواء كانت عنيفة أم لا، والتي تتمتع بقيادة معروفة بين سنة 1900 و2006. فيما يخص جميع الحركات التي تم جردها ضمن قاعدة بيانات “نافكو”، باستثناء الحركات الانفصالية، قام الباحثون بحصر الشرائح الاجتماعية التي تكون كل واحدة منها مستعينين بمصادر ثانوية، وحددوا المجموعات التي تهيمن على كل حركة، حيث تناولوا ما مجموعه 193 حالة من الحركات الاجتماعية الجماهيرية التي خصصوا فيها ما إذا كانت مكوناتها – من فلاحين وموظفي القطاع الخاص وعسكريين وجماعات دينية وعرقية وعمال وطبقات متوسطة حضرية – تنتمي إلى المعارضة أم لا.
من أجل إيضاح نظام التصنيف هذا، فقد وُصفت الثورة المخملية، التي أدت إلى انهيار النظام الشيوعي في تشيكوسلوفاكيا سنة 1989، بكونها حركة ذات قاعدة جماهيرية كبيرة مكونة من الطبقات الوسطى الحضرية، وعمال المصانع، والعاملين في مجال الصحة والفلاحين، وهكذا سُجلت هذه الفئات الثلاث كمجموعات مشاركة في الثورة.
يقوم الباحثون بعد ذلك بتقييم مدى تأثير تركيبة كل حركة في حدوث انتقال ديمقراطي عن طريق تحققهم مما إذا كانت هذه الحركات الاجتماعية تؤدي إلى إصلاح المؤسسات من أجل تعزيز الديمقراطية. ويستعمل الباحثون مقياسين للوقوف على مستوى الديمقراطية في المؤسسات. أما المقياس الأول فإنه يقيس مدى وجود انتخابات حرة ومنصفة من عدمه؛ أما المقياس الثاني، كونه أكثر دقة، فإنه يسمح بإدخال تغييرات أكثر تقدمية ويقيس الطبيعة الديمقراطية لمجموعة من المؤسسات بما يشمل طريقة انتخاب رئيس السلطة التنفيذية (مباشرة أم غير مباشرة) ونزاهة الانتخابات وحرية تأسيس الجمعيات وحرية التعبير وتوسيع حق الانتخاب.
تقوم الطبقات المتوسطة والعمالية بدور وازن في هذه الحملات الجماهيرية حيث شارك العمال في 62% من جميع الحملات في حين شاركت الطبقات الوسطى الحضرية في 79% منها. ومن ناحية أخرى، تتزعم هاتين الفئتين الحركات في أغلب الأحيان: في حوالي اثنتين من أصل خمس حركات، صُنفت إحدى هاتين الفئتين كفئة قيادية.

تحليل أولي يؤكد البديهة: عندما تهيمن الطبقات الوسطى والطبقات العمالية على حركة ما، تتقدم الديمقراطية، وهو الشيء الذي لا يحدث عندما تكون شرائح اجتماعية أخرى مهيمنة على تلك الحركة. ويبين الشكل 1 مؤشر الديمقراطية لكل شريحة اجتماعية في بداية الحركة وفي نهايتها. لمتحرزالحركاتالتيتشكلخطاًمائلاًفي المبيان أي تقدم في حين تقدمت الحركات المُبينة أعلى الخط المائل وتراجعت الحركات المبينة أسفله. نلاحظ أن الحركات التي تهيمن عليها الطبقات المتوسطة أو العمالية عادة ما ترتبط بالتقدم أو بالإبقاء على الوضع الراهن في حين ترتبط حركات الفلاحين بكثير من التراجعات.
إلا أن هذا التحليل الموجز يشوبه عيب جوهري إذ يُقصي الفترات التي لم تنشأ فيها حركات اجتماعية في دولة ما. لهذا لجأ الباحثون إلى تحليلات إحصائية أكثر شمولاً حيث قارنوا التقدم السنوي لمؤشرات الديمقراطية في (أولاً) الدول التي لم تنشأ فيها حركات اجتماعية بنظيره في الدول التي نشأت فيها حركات اجتماعية تهيمن عليها (ثانياً) الطبقات العمالية أو (ثالثاً) الطبقات المتوسطة أو (رابعاً) فئات أخرى. تراعي هذه التحليلات تأثير عوامل أخرى كالاختلافات الثقافية أو الظروف الاقتصادية.
ويؤكد تحليلهم أن الحركات الاجتماعية التي تهيمن عليها الطبقتين الوسطى والعمالية تميل إلى تمتين المؤسسات الديمقراطية. غير أن الحركات التي تهيمن عليها الطبقات العمالية تكون أكثر فعالية بقليل، ربما لأن هذه الحركات تتمتع بقدرة تنظيمية بالغة القوة تسمح لها بتحدي النظام تحدياً فعالاً ومدعوماً. ويمكن أن يكون هناك سبب آخر وهو أن الطبقات الوسطى تمثل فئة غير متجانسة ومكونة من مجموعات فرعية متنوعة (فهناك الطلاب ورجال الأعمال ومزاولو المهن الحرة وهكذا). وتبين بعض التحليلات التكميلية أن من بين الحركات الاجتماعية التي تهيمن عليها الطبقات الوسطى، تُعد تلك التي يسيطر عليها الطلاب وأصحاب المهن الحرة وحدها التي تؤدي إلى تقدم ديمقراطي. وتبين نتائج تكميلية أخرى أن الحركات الاجتماعية التي تسيطر عليها البورجوازية لا تكون فعالة إلا حينما تستخدم أساليب غير عنيفة في حين أن تلك التي تهيمن عليها الطبقات العمالية تكون فعالة بغض النظر عن الأسلوب المعتمد.
إن تدقيق النظر في الحركات الاجتماعية الجماهيرية التي اشتعلت في القرن الـ20 يبين أن الطبقات الوسطى والعمالية هي التي عملت على نشر الديمقراطية. إذن ما الذي ينبغي استخلاصه اليوم في الوقت الذي تنشأ فيه موجة جديدة من الحركات الاجتماعية في الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأمريكا الجنوبية وأوروبا؟
أولاً، نستخلص أن الحركات الاجتماعية يتعلم بعضها من بعض، ولاحظنا أن استعمال أساليب عنيفة يرعب الطبقات المتوسطة، وأن الغالبية العظمى من الحركات الحالية تستعمل أساليب غير عنيفة.
ثم استفدنا أن التاريخ ليس دائماً هو المرشد الصدوق والدليل الموثوق، فشتَّان بين عالم اليوم ودينامياته وعالم الأمس وخصوصياته. إن حجم الطبقات العمالية في الديمقراطيات المتقدمة قد انكمش عن ذي قبل، ناهيك عن أن العمال قد أصبحوا أقل تنظيماً بكثير في ظل مشاركة نقابية باهتة. من جهة أخرى، أثرت الثورة الرقمية إيجايباً على قدرة شرائح اجتماعية مختلفة على التعبئة والتنظيم، فعلى سبيل المثال تمكنت حركة “السترات الصفراء” الفرنسية، الناشطة منذ قرابة السنة، من تسخير وسائل التواصل الاجتماعي لإطالة أمد نضالها وانتزاع بعض التنازلات من الحكومة الفرنسية، رغم أنها تهيمن عليها مجموعات أقل قدرة على التنظيم عادةً بفعل انحدارها من المناطق الريفية والشبه الحضرية.
The Journal of Politics, 2019. DOI: 10.1086/704699
]]>ومع ذلك، تُظهر حالتا سوريا والمغرب أن القمع يمكن أن يؤدي إلى نتائج عكسية. ففي سوريا، أسفر اعتقال وتعذيب التلاميذ الذين قاموا بالرسم على الجدران عن اندلاع موجة من المظاهرات في مارس من سنة 2011، قابلتها قوات الأمن بفرض إجراءات قمعية، حيث أطلقت النار على العديد من المتظاهرين العُزل وأردتهم قتلى، وهو ما ترتبت عنه حلقة من المقاومة والقمع ما فتئت تتسع وتنفلت. أما في المغرب، فإن الملك قد حظي بالإشادة نظراً لتجنبه فرض القمع بيد من حديد، كونه سارع إلى تقديم مجموعة من التنازلات – وإن كانت بسيطة – مصحوبة بحملة قمعية محدودة وانتقائية.
ومن خلال دراسة “حركة 20 فبراير”، فإن أدريا ك. لورنس، وهي باحثة في العلوم السياسية بجامعة “جونز هوبكينز”، تحاول فهم الدوافع التي تجعل بعض الأشخاص على استعداد للمخاطرة والاحتجاج رغم التهديدات القمعية التي تواجههم، بمعنى أنهم يخاطرون بأنفسهم بشكل كبير مقابل فرص نجاح ضئيلة؛ كما أنها تسعى إلى فهم الأثر الذي يخلفه القمع على النزعة الاحتجاجية.
للإجابة عن هذه الأسئلة، اختارت الباحثة استهداف المحرضين على إطلاق الحركة وأبرز الفاعلين في اندلاع المظاهرات داخل البلدان التي تحكمها الأنظمة الاستبدادية. أولئك الذين إذا تم ثنيهم عن التحرك، فإنه من غير المرجح أن تكون هناك أي مظاهرات حاشدة.
وعلى هذا الأساس، أنجزت لورنس بحثاً ميدانياً في الرباط على وجه الخصوص وذلك في الفترة الممتدة بين شتنبر 2011 ومارس 2012، حيث أجرت أزيد من 50 مقابلة مع قادة الحركة وشاركت في مناقشات على الإنترنت مع ناشطين وأشخاص لم يشاركوا في المظاهرات.
هؤلاء الأشخاص شاركوا فيما بعد في تصميم استطلاع للرأي وتوزيعه على منصة “فيسبوك” بشكل يمكن من إضفاء المزيد من الوضوح والموثوقية على هذه الدراسة: إذ إن رابطاً ينشره صديق يبدو أقل إثارة للشك من رابط يتم نشره عن طريق الإعلانات. وقد كان استطلاع الرأي متوفراً على الإنترنت طيلة الفترة الممتدة ما بين يونيو وشتنبر 2012، وهو ما ترتب عنه ملء 160 استبياناً. وقد كان الهدف من استطلاع الرأي هذا مقارنة المحرضين على إطلاق الحركة بأشخاص آخرين يشبهونهم وليس اختيار عينات عشوائية من الساكنة، شأنه في ذلك شأن المقابلات النوعية.
وتُظهر البيانات التي تم جمعها أن النشاط السياسي ينتقل من جيل إلى آخر: فالمحرضون في “حركة 20 فبراير” ينحدرون في الغالب من أسر عانت في السابق على أيدي النظام.
كما تُبين النتائج أن القمع قد يساهم في استمرار دعم الحراك الاجتماعي، وهو ما ينطبق على القمع الذي تعرضت له “حركة 20 فبراير” والذي عزز دعم الاحتجاجات التي لحقتها بين صفوف الأشخاص الذين تربطهم علاقات اجتماعية بالمحرضين.
عند انطلاق الاحتجاجات في تونس، كان العديد من المحرضين المغاربة قد ناقشوا المشاكل الاقتصادية وممارسة السلطة من قبل النظام على إحدى صفحات “فيسبوك” التي تحمل اسم “الشباب يتناقشون مع الملك”. وقد قام هؤلاء المشاركون بالإضافة إلى العديد من المنظمات بتنظيم اعتصام للتعبير عن تضامنهم مع الشعب التونسي. وفي شريط فيديو تعبوي، يشرح مغاربة من مختلف أطياف المجتمع الدوافع وراء تحركهم في 20 فبراير. وقد حظي الفيديو بمتابعة واسعة على منصة “يوتيوب”، ما أدى إلى خروج المتظاهرين إلى الشوارع في أزيد من 50 مدينة مغربية، واستمرت المظاهرات في التوسع خلال الأشهر التالية لتبلغ ذروتها في أبريل 2011، حين بلغ عدد المدن المغربية المعنية 110.
وأمام هذه الاحتجاجات الحاشدة، تحركت الدولة على ثلاث مراحل: حيث بدأت بالتقليل من حجم التعبئة، وقامت بإدانة الجهات المنظِّمة عبر وسائل الإعلام الحكومية وبرفض الترخيص لتنظيم المظاهرات، وإن سمحت بها. إلا أنه ومع استمرار الاحتجاج، أعرب الملك في خطوة ثانية عن استعداده للاستجابة لمطالب المتظاهرين وأعلن في 9 مارس عن مشروع إصلاح دستوري. وأخيراً، ومنذ ماي 2011، تعرض المتظاهرون لقمع شديد خلال الاحتجاجات، وتمت مضايقتهم في الشهور الموالية من قبل مؤيدي النظام. واعتُقل عدد كبير من القياديين، وحُكم على بعضهم بالسجن لانتقادهم الشرطة والدولة.
وقد أجرت أدريا لورنس مقابلات مع عدد من هؤلاء المحرضين، وأظهرت أن أغلبهم ينحدرون من أسر عانت سابقاً من النظام بسبب أنشطتها السياسية، ما أثر على قرارهم بالمشاركة في النضال، وذلك قبل ظهور “الحركة”. وقد تحدث جميع المشاركين عن شعورهم بضرورة “القيام بأمر ما”، وهو ما دفعهم للالتحاق بمنظمات للدفاع عن قضايا معينة كمسألة اللغة الأمازيغية وحقوق المرأة وحقوق السجناء. كما سنحت للمنظمات التي كانت تنتقد الوضع القائم قبل أحدات تونس ومصر الفرصة للخروج في مظاهرة حاشدة. وكان معظم المحرضين ينتمون إلى منظمات ناشئة توحدت تحت راية “حركة 20 فبراير” بعد نجاح المظاهرة الأولى. فعلى سبيل المثال، شهدت مريم اعتقال والدها في بداية السبعينات، وعند وفاته قبل أربع سنوات، أكدت على أن “دورها قد حان لتستأنف النضال”. وقد انضمت فيما بعد لـ”الحركة البديلة للحريات الفردية” (مالي)، وهي مجموعة تدافع عن حقوق المرأة والمثليين قبل أن تصير عضواً مهماً داخل “حركة 20 فبراير”.
إن الانضمام لهذه المنظمات قد أنشأ رابطاً مع ناشطين آخرين وقاعدة تنظيمية تم من خلالها التخطيط لمظاهرات حاشدة وإطلاقها عندما أتاحت الثورة التونسية فرصة القيام بذلك. حيث انتقل هؤلاء الناشطون من عمل جماعي أقل مخاطرة إلى عمل أكثر مخاطرة، وهو ما قد يكون أسهل من الانتقال من الجمود إلى النشاط.
وقد كشفت مقارنة المقابلات التي أجريت مع القياديين، من جهة، ومع المشاركين غير المنتظمين ومع غير المشاركين، من جهة أخرى، أن الفئة الأولى لم تكن أكثر تأييداً للتغيير من الفئة الثانية، وإنما كانت أكثر انخراطاً في التعبئة بسبب التجارب السياسية السابقة التي عاشها أفرادها من خلال عائلاتهم. كما يبدو أن المشاركين غير المنتظمين وغير المشاركين يتفقون مع أهداف الحركة، كما هو الشأن بالنسبة للقياديين، لكن دون أن يكون لديهم أي معتقل سياسي في عائلاتهم ودون أن ينتموا لأي منظمة سياسية. فعلى سبيل المثال، شارك كمال البالغ من العمر 24 سنة في بعض المظاهرات مع أصدقائه سنة 2011، غير أنه لا ينتمي لأي منظمة، فهو يدافع عن الانتقال الديمقراطي ويفترض أن الاحتجاج وسيلة فعالة، بيد أنه يقول: “أخرجُ [في المظاهرات] حين يمكنني ذلك، فلدي أمور أخرى يتعين عليّ القيام بها”.
وتؤكد بيانات استطلاعات الرأي التي تم تجميعها على موقع “فيسبوك” هاتين الفكرتين. فقد كان لمحرضي “حركة 20 فبراير” تجربة مسبقة في العمل الجماعي، إذ إن 83% من الذين حققوا أعلى نسبة مشاركة (أكثر من 5 مظاهرات في سنة 2011) قد شاركوا من قبل في مظاهرات أخرى، وكانوا عادة ما ينتمون إلى منظمات كـ”حركة 20 فبراير” أو نقابات أو غيرها من المنظمات غير الحكومية، كما كان مرجحاً أيضاً أن يكون أحد أفراد أسرهم ضحية للقمع: إذ أجاب 45 من أصل 155 مستجوباً (29%) بالإيجاب (وهي نسبة مرتفعة مقارنة بمجموع السكان)، في حين أن 40% من المشاركين في أكثر من خمس مظاهرات قد أكدوا أن أحد أفراد أسرهم قد تعرض للقمع، مقارنة مع 14% من أولئك الذين لم يشاركوا.
هذا وتبين الدراسة الاستقصائية الكمية كذلك مفارقة بالغة الأهمية، وهي أن تجارب القمع هي التي تهم داخل الأسرة، وليست تجارب النشاط بشكل عام. فأولئك الذين كان آباؤهم ناشطين لم يكونوا أكثر استعداداً للمشاركة ممن لم يكن آباؤهم من الناشطين. فقط أولئك الذين عانى آباؤهم بسبب أنشطتهم السياسية هم من تفوق نسبة تمثليهم باقي المحتجين.
يمكن للقمع أن يكون عاملاً في الحد من التعبئة. فبعض المستجوبين غير المشاركين أشاروا إلى أن الخوف من القمع يمثل السبب الرئيسي وراء عدم انخراطهم في أنشطة الحركة. لكن لورنس توضح أنه قد يكون للقمع نتائج عكسية على النظام بحيث يشجع على الاحتجاج.
ولاختبار آثار القمع على التعبئة، قامت الباحثة بتقسيم المشاركين في استطلاع الرأي إلى ثلاث مجموعات معالجة ومجموعة مرجعية. وقد حصلت كل واحدة من مجموعات المعالجة على واحدة من المعلومات الثلاث التالية: لجوء النظام إلى استخدام العنف، وتساهله تجاه المظاهرات، وتنازلاته. وفي المقابل، لم تحصل المجموعة المرجعية على أي معلومة. وبعد الحصول على المعلومات، أصبح المشاركون في الاستطلاع مطالبين باتخاذ قرار بخصوص دعمهم للاحتجاجات المستقبلية من عدمه.
وبينما كانت المجموعات الثلاث قد عبرت عن دعمها لاستمرارية الاحتجاجات بنسبة أعلى من المجموعة المرجعية، فإن النتائج تبقى ذات دلالة إحصائية فقط على مستوى المجموعة الخاصة بـ”القمع”. وهناك معطيات إضافية تسمح بإيجاد تفسير للأسباب وراء هذه النتيجة. هذا وقد طُلب من المجموعات الأربع الإجابة عن السؤال حول وضع الديمقراطية في المغرب، فلم يشر أغلب أعضاء المجموعة المرجعية إلى أي تغيير في هذا النطاق، شأنهم في ذلك شأن 40% من أولئك الذين تم إطلاعهم على تساهل النظام مع الاحتجاجات. ومن جهتهم، صرح 61% من المشاركين في المجموعة الخاصة بالتنازلات أن وضعية الديمقراطية تحسنت، في حين أن أعضاء المجموعة الخاصة بالقمع كانوا أكثر من اعتبر أن وضع الديمقراطية قد تدهور.
وبالتالي، يمثل القمع دافعاً للتعبئة، إذ حتى وإن لم يدفع بغير المشاركين إلى النزول إلى الشارع، يمكنه أن يعزز من رغبتهم في أن يصبحوا أكثر نشاطاً على الصعيد السياسي، وهو ما يفتح المجال أمام المشاركة في احتجاجات مستقبلية. هذا ويدرك قياديو الحركات الاجتماعية أنه بإمكان القمع أن يجلب الدعم والتعاطف لقضيتهم، وهو ما يجعلهم لا يترددون في الحديث حول العنف الذي يمارسه النظام.
إن لهذه النتائج تداعيات هامة على فهم العمل الجماعي ونشاط القياديين، فهي تساعد على الربط بين فترات الاحتجاجات الماضية والحاضرة والمستقبلية، وتشير إلى أن القمع يمكن أن تكون له عواقب غير متوقعة على المديين القريب والبعيد. وبالتالي فإن العقود التي شهدت انتهاكات حقوق الإنسان من شأنها أن تحفز الأجيال القادمة على مواجهة النظام، حتى وإن لم ترغب الأغلبية في ذلك، كما هو الشأن بالنسبة لقياديي “حركة 20 فبراير” الذين كان عدد كبير من أقاربهم المباشرين معتقلين سياسيين. وقد شجعتهم هذه التجربة على الانخراط في السياسة حتى قبل الربيع العربي، وعند مجيئه كانوا على استعداد لقيادته. هذا ولا تقتصر الأمثلة على المغرب، فقد كان نشطاء الربيع العربي البارزون في دول أخرى ينحدرون بدورهم من أسر سبق أن تعرض أفرادها للاعتقال بسبب نشاطهم السياسي، على غرار علاء عبد الفتاح في مصر، ولينا بن مهني في تونس، وزينب الخواجة في البحرين.
ومن جهة أخرى فإن للقمع أثر على الفئة الثانية، أولئك المقربون من المحرضين، والذين يزيدون من دعمهم للأنشطة الاحتجاجية عند معرفتهم بالقمع البوليسي، وهو درس بالغ الأهمية بحكم الدور الذي لعبته (وما تزال) وسائل التواصل الاجتماعي في المظاهرات الحاشدة منذ بدء الربيع العربي. كل هذه النتائج تطرح أسئلة حول أثر القمع الذي طال حراك الريف على المدى البعيد.
British Journal of Political Science, 2016.
DOI: 10.1017/S0007123415000733
يرتبط مصير مدينة جرادة ارتباطاً وثيقاً باستغلال مورد هام للفحم الحجري (“الأنتراسيت”) منذ سنة 1927 وبشركة “مفاحم المغرب”، حيث ساهم تطور النشاط المنجمي في تنمية المدينة. غير أن قرار إغلاق المنجم سنة 1998 ووقف النشاط بصورة نهائية في 17 يوليو 2000 قد أديا إلى انهيار الحركة الاقتصادية وتسريح أزيد من 5500 عامل.
وحتى يومنا هذا لم يفلح أي حل بديل في التعويض عن إغلاق المنجم، حيث انخفض تعداد ساكنة المدينة بشكل ملحوظ مع رحيل أزيد من 25% من السكان عنها، لتتراجع من 59.294 نسمة في 1994 إلى 43.916 في 2004، في الوقت الذي ارتفعت فيه ساكنة المغرب بنسبة 14%. وتواصل هذا الانخفاض في المدينة مع فقدانها 1% من ساكنتها في الفترة ما بين 2004 و2014، حيث بلغت 43.506 نسمة، في الوقت الذي ارتفعت فيه الساكنة الحضرية في المغرب بنسبة 24%. وعلى النحو ذاته، تراجعت الساكنة النشيطة لتستقر في حدود 13.000 شخص في سنة 2004، في الوقت الذي ارتفعت فيه الساكنة النشيطة في المغرب بنسبة 23% في الفترة ما بين 2004 و2014. وتتوفر جرادة على معدل نشاط سكاني أقل بسبع نقاط من معدل المدن المغربية (67% بالنسبة للرجال و17% للنساء)، إضافة إلى معدل بطالة أعلى بمرتين، حيث بلغ 37% في سنة 2014 مقابل 19% في باقي المدن المغربية، مع نسبة 30% لدى الرجال و67% لدى النساء. تجدر الإشارة إلى أن ست جماعات حضرية مغربية فقط تتوفر على ظروف تشغيل أسوأ.


لقد خلق انهيار النشاط المنجمي حلقة مفرغة تتسم بتراجع كافة الأنشطة الاقتصادية الأخرى، وهو ما يمكن ملاحظته بالخصوص في قطاع البناء والأشغال العمومية من خلال سوق الإسكان. إذ تتوفر جرادة على ثاني أضعف معدل سكن لمدة تقل عن 10 سنوات من بين الجماعات الحضرية المغربية، إذ لا يتجاوز 4% من العرض الإسكاني مقابل معدل 21% في الجماعات الحضرية المغربية، خلف تويسيت الواقعة في نفس الإقليم (مع استثناء جماعات المشاور الفردية التابعة للقصور الملكية). كما تتوفر جرادة على ثالث أضعف معدل سكن لمدة تتراوح بين 10 و20 سنة، حيث يمثل 7% من العرض الإسكاني. وأخيراً، تتوفر المدينة على ثاني أعلى معدل مساكن تتراوح أعمارها بين 20 و50 سنة، وهي المساكن التي تعود إلى فترة النمو الحضري الكبير الذي شهدته المدينة قبل تراجع النشاط المنجمي بدءاً من سنة 1992.
وبينما كانت المساكن التي يقل عمرها عن 20 سنة تمثل نسبة 42% من إجمالي المساكن بالمغرب سنة 2014، لم تتجاوز هذه النسبة في جرادة 11%، وهو ما يدل على ضعف جاذبية المدينة، وكذلك على ضعف كبير في آفاق التشغيل في قطاع البناء والأشغال العمومية. وبموازاة ذلك، تملك الأسر نسبة 84% من المساكن، مقابل معدل 62% في باقي المدن المغربية، وهو ثالث أعلى معدل بين الجماعات الحضرية. فقد استفاد السكان من بيع المساكن التابعة لشركة “مفاحم المغرب” بسعر رمزي خلال التصفية التي تمت في الفترة ما بين 2000 و2003. غير أنه ومنذ ذلك الحين، لم تعد المدينة تجذب العديد من العمال باستثناء الموظفين. هذا المعدل المرتفع جداً من المالكين يؤدي أيضاً إلى ما يعرف بـ”المطب”، حيث تتردد الأسر في مغادرة المدينة التي يتوفرون فيها على مسكن في ظل غياب إمكانية بيعه لبدء حياة جديدة في مدينة أخرى.


ومع ذلك، لا تعد جرادة من بين الجماعات الأقل تنمية في المغرب، حيث إن مؤشر التنمية المحلية الخاص بها يفوق المعدل الوطني: 0.787 مقابل 0.6، وهو سابع أفضل معدل في الجهة الشرقية. إضافة إلى ذلك، لا تندرج جرادة ضمن الجماعات الأكثر فقراً في المغرب في سنة 2014، حيث يستقر مؤشر الفقر متعدد الأبعاد الخاص بها في 0.007، مقارنة بالمعدل الوطني المتمثل في 0.07، كما أنها تحتل المركز الخامس بين الجماعات الأقل تأثراً بالفقر في الجهة الشرقية.
بيد أن هذه الأرقام تسلط الضوء على مكتسبات مرتبطة بفترة النشاط المنجمي وسياسات التجهيز التعويضية التي تلتها. لذلك ففي سنة 2004، كان مؤشر الفقر متعدد الأبعاد منخفضاً بالفعل، حيث استقر في 0.034 مقابل 0.05 في باقي مدن المملكة. لكن ركود النشاط الاقتصادي ينعكس في ظاهرة تراجع المستوى الاجتماعي، خاصة مع استمرار مؤشر الفقر المرتبط بالدخل الذي كان معدله 0.087 في 2004، مقابل 0.12 في المدن المغربية الأخرى، والذي بالكاد بلغ 0.084 في 2014، في حين أنه لا يتجاوز ثلث هذا الرقم في المدن المغربية الأخرى. وقد باتت جرادة تندرج ضمن 12% من الجماعات الحضرية التي ترتفع فيها نسبة الفقر المرتبط بالدخل، رغم توفر السكن والبنيات التحتية.





وهكذا رغم أن السكان يتوفرون على معدلات أكثر ارتفاعاً من معدل المدن المغربية الأخرى من حيث الوصول إلى الماء الشروب (97% مقابل 87%)، والكهرباء (96% مقابل 94%) ودورات المياه (68% مقابل 55%)، فإن وصولهم إلى التجهيزات المنزلية الحديثة مثل الإنترنت (13% مقابل 20%) أو الحاسوب المحمول (20% مقابل 28%). وهكذا أصبحت جرادة من بين 20% من المدن التي تتوفر على أدنى معدلات اقتناء التجهيزات مثل الحاسوب المحمول والإنترنت، بل إنها المكان الأبرز في الإقليم حيث يوجد أدنى معدل في المغرب من حيث الوصول للإنترنت وثاني أدنى معدل فيما يتعلق بامتلاك حاسوب محمول. هذا الأمر يعكس نوعاً من عدم الاستقرار لدى السكان الذين لا يعملون في وظائف عمومية مرتبطة بمركز الإقليم.


لذلك يبدو أن المدينة تقبع في مستوى معيشة ضعيف دون الاستفادة بشكل حقيقي من أي فرص اقتصادية جديدة منذ أكثر من عشرين سنة. ونتيجة لذلك، أصبح الاستخراج غير القانوني للفحم من بين مصادر الدخل المحلية النادرة، كما أن سكان جرادة لا يستهلكون سوى نسبة قليلة من الفحم المنتج، حيث لا تتجاوز نسبة الأسر التي تستخدمه للطبخ 1.1%، وهو معدل مماثل للمتوسط الوطني. فعمال المناجم يفضلون تسويقه بدلاً من استهلاكه. علاوة على ذلك، تسمح هذه الوضعية بفهم أولى الاحتجاجات التي انطلقت في 2017 منددة بارتفاع تكاليف الماء والكهرباء، وهي الخدمات التي لطالما قدمتها شركة “مفاحم المغرب”، لكنها باتت اليوم تثقل كاهل الأسر التي يظل مدخولها ضعيفاَ، دون أي فرص للتحسن.
إن السياقات الخاصة بالنشاط المنجمي ثم بما بعده قد أدت إلى سلسلة من التعاقبات السياسية المرتبطة بشكل وثيق بالتحولات الاقتصادية.
ففي منطقة خضعت تاريخياً لهيمنة “حزب الاستقلال” منذ 1963، كان النقابيون هم الأكثر نشاطاً في الاضرابات الكبرى، خاصة تلك التي شهدتها سنة 1989، وقد فرضوا وجودهم انتخابياً في جرادة خلال فترة الانتقال الديمقراطي. وقد فاز لحسن الغالي من “الكونفدرالية الديمقراطية للشغل”، المركزية النقابية التابعة لـ”حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، وهو معتقل سياسي سابق، بالانتخابات البلدية والتشريعية في 1997 بدائرة جرادة التي كانت في قبضة “الاستقلال” قبل ذلك. وهكذا اضطلع بمهام رئيس الجماعة ونائبها، لكنه واجه اتهامات بالدفاع عن مصالح عمال شركة “مفاحم المغرب” فقط، وعدم التفاوض حول بديل ملائم: وبالتالي فقدت المدينة 25% من سكانها خلال فترة ولايته.
بعد ذلك، أدى ضعف فرص التشغيل إلى ظهور شخصيات معارضة تجمع بين مصالح الذين همشتهم اتفاقيات الخروج من المناجم، أي المتعاقدين باطنياً والشباب العاطلين من حاملي الشهادات الذين لم تشملهم اتفاقيات التوظيف لسنة 1998. وهكذا أصبح “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” أكثر ضعفاً وعرضة للانتقاد. وقد عانى الحزب لإيجاد مرشح للانتخابات التشريعية لسنة 2002، رغم البعد الرمزي المهم للمدينة، وحصل على أقل من 5% من الأصوات المحتسبة (1075 صوتاً من بين 22.194) في إطار اللائحة الانتخابية الجديدة على مستوى الإقليم.
وقد دعم الناخبون المعارضون المختار الراشدي، وهو عاطل من حاملي الشهادات، تحت مظلة التجمع الاشتراكي الموحد، حيث تصدر نتائج الانتخابات بـ4001 صوتاً، بنسبة 18% من الأصوات المحتسبة، متجاوزاً بذلك المرشح الاستقلالي. وقد أعيد انتخابه في 2007 تحت راية نفس التجمع، “حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي”-“حزب المؤتمر الوطني الاتحادي”-“حزب التجمع الاشتراكي”، وحصل على 3647 صوتاً، بينما في 2011، تم انتخابه كمرشح عن “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” بـ3788 صوتاً، وذلك حين دعا “الحزب الاشتراكي الموحد” إلى مقاطعة الانتخابات.
وبموازاة ذلك، بدأ مجموعة من الأعيان الجدد في البروز في إطار تطوير اقتصاد فحم جديد. فانطلاقاً من سنة 1998، حصل عمال شركة “مفاحم المغرب” القدامى على تراخيص من أجل التنقيب عن الفحم واستغلاله وبيعه، ثم قاموا بتنظيم حلقة اقتصادية جديدة عبر الربط بين مجموعات من العمال غير الرسميين الذي يستخرجون الفحم الحجري بشكل غير قانوني والمشترين، خاصة الإدارات، من أجل تدفئة المباني العمومية، أو المكتب الوطني للماء والكهرباء من أجل محطات توليد الطاقة الحرارية. وقد كان هذا الوضع يضمن لهم تقدماً اجتماعياً سريعاً كما يخول لهم استغلال شبكات سياسية جديدة: وبالتالي أصبح هؤلاء بمثابة الرعاة الجدد الذين يتوفرون على قاعدة مهمة من الزبائن.
وهكذا في سنة 2003، فاز محمد داغو، مؤسس شركة “داغو شاربو” التي تأسست قبل ذلك بثلاث سنوات، برئاسة الجماعة الحضرية، بعد أن اختار الترشح تحت مظلة “حزب العهد”. وقد أعيد انتخابه في 2009 كمرشح عن “حزب الأصالة والمعاصرة”، الذي كان “حزب العهد” من الأحزاب التي شكلته نواته الأولى. وفي سنة 2011، جاء دور مباركة توتو، المنتمية لـ”حزب الأصالة والمعاصرة” والمدعومة بقوة من قبل أخيها مصطفى توتو الذي يدير شركتي “Best Charbon” وشركة “Société Minière Top“، للترشح في الانتخابات التشريعية. وقد فازت توتو في الانتخابات بـ7123 صوتاَ أمام المختار الراشدي، حيث تجاوزت تعبئتها جماعة جرادة لتصل إلى كافة أرجاء الإقليم. وفي عام 2015، تولت رئاسة البلدية خلفاً لمحمد داغو، الذي حل رغم ذلك أولاً في الانتخابات عن “حزب الاستقلال”، وقد عهد إليها “حزب الأصالة والمعاصرة” بهذا المنصب بسبب نشاط أخيها. وقد اتحدت مباركة توتو مع البشير أمنون أوباها، وكيل لائحة “الاتحاد الدستوري” وصاحب شركة “صوريكس مين” (“Sorexmine”) الذي أصبح النائب الأول لرئيسة بلدية جرادة.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن “حزب الأصالة والمعاصرة” لم يستقطب سوى 14% من الناخبين في مدينة جرادة مقابل 29% لفائدة “حزب الاستقلال” و25% لـ”حزب العدالة والتنمية”. وينطبق الأمر نفسه على “حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” الذي لم يحصل سوى على 5% من أصوات الناخبين في جرادة. وقد شهدت الجماعة الحضرية لجرادة نسبة مشاركة ضعيفة بلغت 40% فقط من المسجلين، ما يعزز شبكات الزبونية الجديدة بسبب العزوف الانتخابي في صفوف شبكات الناشطين. وتعد هذه النسبة هي الأدنى في إقليم يعرف تعبئة واسعة النطاق (بمعدل 70%) وثالث أدنى نسبة في الجهة الشرقية بعد وجدة وبركان وجرسيف. وتندرج جرادة ضمن 5% من الجماعات الأقل تعبئة فيما يتعلق بالانتخابات البلدية. لذلك، فإن فوز “حزب الأصالة والمعاصرة” في الانتخابات الإقليمية يرتكز بالأساس على الجماعات القروية، كما هو الحال بالنسبة لـ”حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” الذي احتل الرتبة الثانية.






En 2016, ce sont Mustapha Toutou avec 8358 voix et Yassine Daghou (le fils de Mohamed Daghou) avec 4525 voix qui sont élus députés [5]. La figure militante historique, Mokhtar Rachdi, ne recueille que 2678 voix. Il est donc largement battu malgré sa très forte activité au parlement, avec pas moins de 2139 questions écrites et orales adressées au gouvernement en cinq ans, principalement sur la situation socio-économique de Jerada, alors que Mbarka Toutou n’en avait posé que 13 sur la même période. Cette défaite est d’autant plus forte que le parti avait recueilli lors des élections régionales de 2015 plus de 6819 voix et s’était classé deuxième devant l’Istiqlal. Le PJD connaît aussi une forte ascension avec 4507 voix sur la liste locale. Yassine Daghou ne remporte son siège que de 18 voix alors que l’Istiqlal est en troisième position des votes pour la liste nationale derrière le PJD de 306 voix.
في سنة 2016، تم انتخاب كل من مصطفى توتو بـ8358 صوتاً وياسين داغو (ابن محمد داغو) بـ4525 صوت، فيما لم يحصل المناضل التاريخي، المختار الراشدي، سوى على 2678 صوتاً، فتعرض بذلك لهزيمة كاسحة رغم نشاطه القوي داخل قبة البرلمان، حيث إنه وجه ما لا يقل عن 2139 سؤالاً كتابياً وشفوياً للحكومة خلال خمس سنوات، خاصة حول الوضعية السوسيو-اقتصادية لجرادة، بينما لم تطرح مباركة توتو سوى 13 سؤالاً خلال نفس المدة الزمنية. ما زاد من وقع هذه الهزيمة أن الحزب قد حصل أثناء الانتخابات الجهوية لسنة 2015 على ما يزيد عن 6819 صوت محتلاً بذلك المرتبة الثانية أمام “حزب الاستقلال”. من جهته، حقق “حزب العدالة والتنمية” صعوداً قوياً بـ4507 أصوات، فيما حصل ياسين داغو على مقعده بفارق 18 صوتاً فقط.
يتضح إذاً أن شبكات الزبونية التي أحدثها رجال الأعمال في مجال الفحم، الملقبون محلياً بـ”بارونات الفحم”، باستطاعتها تعبئة عدد مهم من الناخبين مقارنة بالشبكات الاحتجاجية المنهكة بسبب غياب حل حكومي دائم. ومع ذلك، يتم توجيه الاتهامات لهؤلاء الأعيان بانتظام من خلال مظاهرات مهمة، كالتي نظمت في ديسمبر 2009 بسبب انخفاض سعر شراء الفحم المستخرج الراجع بشكل مباشر للعلاقات بين عمال المناجم غير القانونيين والبائعين، وتلك التي اندلعت سنة 2017 بسبب وفاة شقيقين في بئر عشوائية للفحم، في ظل التوتر المتعلق بفواتير المياه والكهرباء، وهو ما يشكل أزمة كبرى بالنسبة للقدرة الشرائية وتراجع المستوى الاجتماعي للساكنة.
يندرج حراك جرادة ضمن دينامية احتجاجية ضاربة في القدم ومرتبطة بمسألة استغلال الفحم، إلا أن الانصراف الحكومي عن هذه المدينة قد أدى إلى بروز أعيان وفاعلين جدد سيطروا بشكل تدريجي على الهيئات المنتخبة على حساب النشطاء المحتجين. والحال أن “بارونات الفحم” الذين يكيل لهم النشطاء اليساريون الانتقادات يبدون في نهاية المطاف على أنهم البديل الوحيد بالنسبة لساكنة تعاني من هشاشة متفاقمة. فإذا كانت ثروات هؤلاء البارونات تزداد بشكل هائل، فإنك تجدهم من جهة أخرى يوفرون مداخيل نقدية لا يستهان بها في سياق غير مسبوق من التهميش الاقتصادي، حيث يحدثون شبكات للتعاون وإعادة التوزيع تضمن لهم أصواتاً (زبناء) في الانتخابات. لقد كثرت المقارنات بين حراك جرادة وحراك الحسيمة رغم اختلاف الدينامية التاريخية لكل من المدينتين. ومع ذلك، فإنهما تعيشان حالياً نفس الوضعية المتمثلة في نسبة بطالة مرتفعة وآفاق اقتصادية جد محدودة. هذا ومن المثير للاهتمام أن المدينتين تتشاركان في الخاصية التالية: ارتفاع متوسط سن الزواج، الذي يبلغ في جرادة 31.2 سنة وفي الحسيمة 32.3 سنة، وهما الأعلى بالمقارنة مع باقي المدن المغربية التي يبلغ فيها هذا المتوسط 28.7 سنة. وإلى جانب سيدي إفني التي شهدت هي الأخرى حركات اجتماعية في سنة 2008، فإن هذه المناطق الثلاث الرئيسية في أقاليمها هي التي يتزوج فيها الشباب في سن متأخرة، وهو دون شك أحد المؤشرات الكبرى على خيبة أملهم تجاه ما قد يحمله المستقبل من فرص.
]]>ويسعى هنا عالم الجغرافيا دافيد غوري إلى تسليط الضوء على الرهانات السوسيو-اقتصادية الكامنة وراء الحراك، وذلك من خلال اللجوء إلى خرائط خاصة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، معتمداً في ذلك على طريقتين تمثيليتين: خريطة الجماعات المحلية حسب مساحتها، وخريطة بيانية لهذه الجماعات حسب ثقلها الديمغرافي.

في سنة 2004، كان معدل الفقر في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة من بين أعلى معدلات الفقر في المغرب (تم قياسه عن طريق مؤشر الفقر متعدد الأبعاد). إذ إن تنفيذ برامج البنية التحتية في إقليمي الحسيمة وشفشاون طاله تأخير كبير، كما أن مستوى العيش في الإقليمين كان دون المعدل المسجل في المغرب. وهكذا في سنة 2004، بلغ معدل جماعات الحسيمة في مؤشر الفقر متعدد الأبعاد 22% مقابل 18.1% في باقي مناطق البلاد. غير أن زلزال 24 فبراير 2004 أظهر الهشاشة الكبيرة التي يعاني منها الإقليم. وبالتالي، تم توظيف استثمارات كبيرة جداً، سواء في مجال البنية التحتية أو الإسكان أو حتى الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية، خاصة بفضل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

وفي سنة 2014، كان معدل مؤشر الفقر متعدد الأبعاد قد تراجع بصورة كبيرة، وشهدت الجماعات انتعاشاً حقيقياً، حيث أصبح معدلها في هذا المؤشر 6% مقابل 7% في باقي أنحاء المغرب. كما حلت مدينة الحسيمة وجماعتا إمزورن وبني بوعياش المجاورتان لها ضمن الجماعات (البالغة نسبتها 10%) الأقل فقراً في المغرب بمعدل يصل إلى 0.6% في مؤشر الفقر متعدد الأبعاد.
بيد أن الانخفاض الكبير في معدل الفقر لم يسفر عن تحسن شامل في ظروف العيش السوسيو-اقتصادية، بل على العكس من ذلك، تظل مدينة الحسيمة ونواحيها تعاني من معدل بطالة مرتفع جداً يتجاوز 21%، وهو ما يفوق بكثير المعدل الجهوي للجماعات الذي يستقر في 12%.


وتبقى مدينة الحسيمة بعيدة عن الدينامية الاقتصادية الجهوية، مع توفرها على أحد أضعف معدلات التشغيل في القطاع الخاص، حيث لا يتجاوز 42%، في حين يفوق 50% في باقي مدن الجهة. وبالتالي، لم تنجح الاستثمارات الحكومية في تحفيز الاستثمارات الإنتاجية الخاصة. ونتيجة لذلك، يجد السكان، والشباب على وجه الخصوص، أنفسهم دون آفاق تذكر، لكن دون أن تصل ظروف عيشهم إلى درجة العوز.



هذا وتسمح إعادة بناء المدينة للأسر بالتوفر على منازل جديدة، بينما يظل معدل السكن العشوائي ضعيفاً جداً حيث لا يصل إلى 3%. وأخيراً، فإن انخفاض أسعار المنتجات الاستهلاكية، وخاصة خدمات الهاتف، قد أدى إلى ارتفاع نسبة اقتناء التجهيزات المنزلية، حيث تتوفر 96% من الأسر بالحسيمة على هاتف محمول مقارنة بمعدل 88% في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، كما تعد نسبة اقتناء التجهيزات المنزلية بالحسيمة من بين الأعلى فيما يخص خدمة الإنترنت (المرتبة الثالثة على مستوى الجهة بنسبة 34% من الأسر) ومن حيث عدد الأسر التي تتوفر على حاسوب خاص (المرتبة الثانية على مستوى الجهة بنسبة 40% من الأسر).

مع ذلك، يجب التأكيد على استمرار عجز حاد فيما يتعلق بالوصول إلى الخدمات الصحية في المناطق القروية في الجماعات القريبة من المدينة. إن هذا الفشل في تقديم الخدمات العمومية ينطوي على شعور بانعدام المساواة على المستوى الإقليمي يتجلى في التضامن مع المجتمعات الجبلية.
في سنة 2011، كان إقليم الحسيمة واحداً من بين أكثر الأقاليم تعبئة أثناء قيام حركة 20 فبراير، ما أدى إلى ظهور تدفقات كبيرة من المشاركين تشهد على قوة الحركات الاحتجاجية. وقد استمرت هذه الاحتجاجات في سنة 2011 لتتجلى في معدل مشاركة ضعيف في الانتخابات التشريعية لنفس السنة وصل إلى 37%، ما جعله في الرتبة 12 من بين أضعف المعدلات في البلاد.
ورغم أن “حزب الأصالة والمعاصرة” المقرب من القصر كان يتعرض لانتقاد شديد من المتظاهرين، إلا أنه تصدر الانتخابات بنسبة 28% من الأصوات المحتسبة البالغ عددها 686 57، أي أنه حصل على 484 16 صوتاً مقارنة بـ”حزب الاستقلال” (426 12 صوتاً)، و”الحركة الشعبية” (9613 صوتاً) و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (5584 صوتاً).


بعد ذلك بأربع سنوات، ارتفع معدل المشاركة في الانتخابات الجماعية والجهوية في 4 سبتمبر 2015 بشكل كبير حيث تضاعف تقريباً عدد الأصوات المحتسبة (439 100) في إقليم الحسيمة على سبيل المثال، لكنه ظل أقل من 50% في عدد كبير من جماعات جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، خاصة في المدن الكبرى. كما أنه في مدينة الحسيمة، لم يشارك في الانتخابات سوى 31% من الأشخاص المسجلين، مقارنة بمعدل 60% في الجماعات الأخرى من الإقليم، وهو أضعف معدل مشاركة في الإقليم، متبوعاً بإمزورن بنسبة 44%. ويأتي هذا المعدل أيضاً في المرتبة 15 وهو أضعف معدلات المشاركة في الجماعات على صعيد المغرب، وفي المرتبة الثانية في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة.




مع ذلك، حل “حزب الأصالة والمعاصرة” المقرب من القصر في الصدارة بفارق كبير في الأصوات في 25 جماعة من بين 33، بنسبة تتجاوز 46% من الأصوات المحتسبة. وقد فاز الحزب بالرئاسة في 23 جماعة، من بينها الحسيمة وإمزورن. هذا وقاد إلياس العماري المنحدر من الإقليم حملة انتخابية مكثفة، حيث قام بزيارة الجماعة القروية النكور (كان عدد سكانها يبلغ 8963 شخصاً في 2014) شخصياً من أجل الفوز برئاسة المجلس الجهوي. وقد نجح العماري في تعبئة 766 44 ناخباً، مضاعِفاً عدد الموالين للحزب بثلاث مرات، حيث ركز بشكل كبير على الجماعات القروية التي ترتفع فيها نسبة المشاركة وحيث يمكن أن يتجاوز الحزب نسبة 60% من الأصوات المحتسبة، وبذلك سيطر “حزب الأصالة والمعاصرة” على المجلس الإقليمي. زد على ذلك أنه بفضل أصوات إقليم الحسيمة، تمكن الحزب من التفوق على “حزب العدالة والتنمية” وحصل على رئاسة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة بفضل دعم كل من “الحركة الشعبية” و”التجمع الوطني للأحرار”.
وفي 17 أكتوبر 2015، استفاد الإقليم من برنامج تنموي مهم أطلقه الملك محمد السادس، يحمل مسمى “الحسيمة، منارة المتوسط”، حيث تمت تعبئة مبلغ 6.5 مليار درهم من أجل تزويد الإقليم، وخاصة مدينة الحسيمة، بتجهيزات كبرى بهدف تعزيز جاذبيتها.
وفي يناير 2016، سمحت النجاحات السياسية التي حققها إلياس العماري بأن يصبح الأمين العام لـ”حزب الأصالة والمعاصرة” من أجل الاستعداد للانتخابات التشريعية في 7 أكتوبر 2016، غير أن المشاركة عرفت انخفاضاً بنسبة 21% على المستوى الإقليمي، حيث تراجع عدد الأصوات المحتسبة من 439 100 إلى 728 79 في 2016. ومع ذلك، كان “حزب الأصالة والمعاصرة” نسبياً أقل المتأثرين بهذه الدينامية، حيث لم يخسر سوى 8% من ناخبيه لسنة 2015، ما سمح له بالحصول على أزيد من 52% من الأصوات المحتسبة، محققاً ثاني أفضل أداء له في المنطقة على الصعيد الوطني. ونتيجة لذلك، هيمن “حزب الأصالة والمعاصرة” على المشهد الانتخابي في سياق يشهد ارتفاعاً في نسبة العزوف عن التصويت.
في 28 أكتوبر 2016، بعد الانتخابات بأقل من ثلاثة أسابيع، لقي بائع السمك محسن فكري حتفه سحقاً بآلية الضغط الخاصة بشاحنة نفايات في الحسيمة، حين كان يحتج على مصادرة بضاعته، التي كانت عبارة عن سمك “أبو سيف” الذي أخرجه بطريقة غير قانونية من الميناء. وقد أدت فظاعة الصور إلى موجة من الغضب والمظاهرات في ليلة 29 أكتوبر، حيث استمرت هذه المظاهرات ليتمخض عنها “الحراك” الذي كان يهدف إلى التنديد بالتأخير الذي تعرفه مجموعة من مشاريع البنية التحتية، خاصة الطرقية منها (حيث ما تزال الأشغال قائمة في محور تازة – الحسيمة)، فضلاً عن الاختلالات في النظام الاستشفائي، وعدم وجود جامعة وأخيراً غياب الفرص الحقيقية أمام الشباب، المحكوم عليهم إما بالهجرة أو الأنشطة غير النظامية، أي أنشطة التهريب وتلك غير المشروعة.
وفي 26 مارس 2017، وصل “الحراك” إلى جماعتي إمزورن وبني بوعياش حيث وقعت اشتباكات مع قوى الأمن. وقد تصاعد التوتر بين المتظاهرين والسلطات، فيما عرف “الحراك” انتشاراً واسعاً على شبكات التواصل الاجتماعي عبر وسائل الإعلام المحلية. كما ازدادت تعبئة الساكنة طوال شهر مايو، بالرغم من تدخل الحكومة وزيارة عدد من الوزراء للمنطقة. هذا ولم يؤد اعتقال عدد من شخصيات الحراك البارزة، خصوصاً ناصر الزفزافي (في 30 مايو) عقب مقاطعته لخطبة الجمعة في 26 مايو بمسجد محمد الخامس بالحسيمة، إلى فقدان الحراك لزخمه، حيث حصل على دعم متزايد في بقية أنحاء البلاد، كما تم تنظيم مسيرة كبرى في الرباط لدعمه في 11 يونيو. ولم تخف حدة التعبئة إلا بعد حملة اعتقالات واسعة، لاسيما بعد اشتباكات 20 يوليو.
في الختام، يندرج “حراك” الحسيمة ضمن الديناميات الاجتماعية والسياسية المعقدة. أولاً، لم يُمَكن الحد من الفقر وإقامة البنيات التحتية من خلق دينامية اقتصادية مولدة لفرص العمل. إلا أنها أتاحت وصولاً هائلاً لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات الحديثة (الهاتف المحمول والحاسوب والإنترنت)، لتصبح هذه الأخيرة هي الوسائل الرئيسية للتعبير السياسي الذي سمح بتنظيم مظاهرات كبرى في 2011 و2016 و2017 ومن ثم نشر المطالب المحلية على المستوى الوطني.
وهكذا، تُحرر شبكات التواصل الاجتماعي المواطنين من الهياكل التقليدية للتأطير السياسي، خاصة الممثلين المنتخبين. هذا ومن الممكن ملاحظة أنه كلما زاد اتصال المواطنين بالانترنت، ارتفع معدل العزوف عن التصويت في الانتخابات. لذلك، حتى مع حصول حزب كـ”حزب الأصالة والمعاصرة” على شبه هيمنة سياسية في أعقاب انتخابات 2015 و2016، فإن شرعية المسؤولين المنتخبين آخذة في التناقص لأنهم مدعومون من قبل مجموعة محدودة من المواطنين.
وبالرغم من المشاريع التي تم إنجازها والإعلان عن مشاريع أخرى أكثر طموحاً، فإن كل هذه المشاريع تبدو غير قادرة على الاستجابة لتوقعات المواطنين الأساسية، وأهمها الحصول على وظائف لائقة وخدمات عمومية فعالة. وهكذا يقوم المواطنون بالتعبئة من أجل مساءلة الحكومة مباشرة، مما يؤكد فقدان المنتخبين المحليين والعمليات الانتخابية للمصداقية.
]]>ذلك أن هناك اعتقاداً بأن هذه العراقيل لا تطال الأنظمة الاستبدادية، فالمعارضة تكون فيها واهنة والقادة – سواء خلال الأزمات أو سعياً منهم إلى سن قانون ما “بالقوة” – لديهم القدرة على “تجاهل” الآراء المعارضة، إضافة إلى أن القرارات الصادرة عن رأس هرم السلطة عادة ما لا تواجه أي معارضة تذكر. ناهيك عن أنه في العديد من الأنظمة الاستبدادية، تغيب الأنظمة التشريعية أو لا تعدو أن تكون مظهراً من مظاهر ذر الرماد في العيون.
في هذا المقال، يوضح روري ترويكس ، وهو أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة “برينستون” بالولايات المتحدة، أنه حتى الأنظمة الاستبدادية تواجه مآزق أو انسدادات تشريعية. وفي حين أن معظم الدراسات حول هذا الموضوع تستند إلى عدد القوانين الهامة التي تمت المصادقة عليها في فترة معينة، فإن ترويكس يرتكز في تحليلاته على عدد السنوات اللازمة للمصادقة على قانون معين، وما إذا كانت هذه الفترة الزمنية تتوافق مع ما تم تحديده في البرنامج التشريعي. من هذا المنطلق، يلاحظ الباحث أنه في الصين، حيث يسود نظام سلطوي قائم على حكم الحزب الواحد، لم تتم المصادقة على ما يناهز نصف القوانين التي تعتبر ذات أولوية (48%) خلال السنوات الخمس المنصوص عليها في البرنامج التشريعي، بينما استغرقت المصادقة على 12% من هذه القوانين أزيد من 10 سنوات.
هذا وتتميز الأنظمة الاستبدادية بخاصيتين رئيسيتين تساعدان على فهم هذه المعطيات. فمن جهة، لا يواجه القادة الاستبداديون فاعلين مؤسساتيين “يتمتعون بحق النقض”، لكنهم يصطدمون بقيود أخرى تتجسد في الفاعلين الرئيسيين داخل الائتلاف الحاكم. ومن جهة أخرى، يمكن أن يكون لمواطني الأنظمة الاستبدادية أثر هام على المسارات التشريعية، ليس من خلال التصويت وإنما عبر التهديد بإشعال الثورة أو إطلاق حركات اجتماعية من شأنها أن تزعزع استقرار النظام، وهو ما يدفع هذا الأخير إلى التفاعل مع تظلمات المواطنين والاستجابة لها.
وتقوم فرضية الكاتب على أن نتائج عملية صياغة القانون تعكس في نهاية المطاف التوازن الذي يتوجب على القادة الاستبداديين تحقيقه بين مصالح الأطراف الفاعلة في الائتلاف الحاكم ومصالح المواطنين عندما يبدون اهتمامهم بموضوع ما.
منذ ما يناهز 20 سنة، تنقسم السلطة التشريعية في الصين بين المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني والحكومة الشعبية المركزية والإدارات المحلية، وهو ما ينجم عنه تداخل المسؤوليات في عمليةٍ كثيراً ما تكون معقدة. من أجل دعم فرضيته، وانطلاقاً من دراسة ثلاثة قوانين، يقوم الأستاذ ترويكس بإجراء تحليل نوعي مصحوب بتحليل كمي.
القانون الأول، وهو “قانون السلامة الغذائية الصيني”، يتعلق بسلامة المواد الغذائية وتم اعتماده سنة 2009، وهو يشكل الحالة الدراسية الرئيسية. ويقارن الكاتب هذا القانون بقانونين ثانويين، وهما: “قانون سلامة المعدات الخاصة” الذي صدر سنة 2013، وأخيراً، “قانون التشريع” الذي اعتُمد سنة 2000، والذي يُلزم لجنة الشؤون التشريعية بنشر تفاصيل العمليات التشريعية. وقد اختلفت درجة حدة الانقسامات داخل الائتلاف الحكومي بالنسبة لكل واحد من هذه القوانين، مثلها مثل درجة اهتمام الرأي العام، الأمر الذي سمح للكاتب باختبار فرضياته.
وبالطبع توجد محددات أخرى خاصة بالأداء التشريعي، من بينها مدى تعقيد النص القانوني المقترح، وصفة المشرعين المسؤولين عن الصياغة وخبرتهم في ذلك، والأجندة السياسية الجارية. وتحظى هذه العوامل بأهميتها الخاصة دون شك، لكن الأمر يتعلق هنا بدراسة إطار سياسي توافقي محدد بين الزعماء السياسيين داخل الائتلاف الحكومي والمواطنين.
في ظل نظام استبدادي، يعتمد القادة في ممارستهم للحكم على دعم مجموعة من النخب. فعلى عكس الأنظمة الديمقراطية، يجدر النظر إلى العلاقة بين القائد (القادة) والائتلاف الحاكم في النظام السلطوي على أنها علاقة استشارية. كما أن خيارات بعض الأطراف ذات الصلة تعتبر مهمة، وإن ظلت غير حاسمة، حيث يمكن للقائد (أو القادة) اللجوء لاستبعاد أضعف أعضاء الائتلاف من أجل تحقيق هدف تشريعي ما. وهكذا فإن العملية التشريعية تكون موضوع مفاوضات ساخنة بين مختلف الأطراف ذات الصلة.
وتوجد في الصين العديد من الجهات الفاعلة التي تعتبر مسؤولة عن العملية التشريعية، كما تشترك مختلف الأجهزة التابعة للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، وأعضاء مكتبها السياسي، والوحدات البيروقراطية الرئيسية (الوزارات، والوكالات، ومجلس الشعب الصيني والحكومة الشعبية المركزية، والنيابة العامة الشعبية العليا، إلى غير ذلك)، والشركات المملوكة للدولة والشركات الرئيسية في البلاد، وجيش التحرير الشعبي، بالإضافة إلى مختلف السلطات على مستوى المقاطعات والمستويات المحلية. وقد تُفضل هذه الجهات الفاعلة المتعددة توحيد القوى أو التنافس فيما بينها، وذلك حسب مشروع القانون.
وتتميز العملية التشريعية بتفاوض مستمر بين النخب الحاكمة والأطراف ذات الصلة. حيث يتم أولاً وضع مشروع القانون على الأجندة ثم طرحه للنقاش. بعد ذلك، تتوصل مختلف الأطراف ذات الصلة إلى إجماع بين المؤسسات؛ وخلال هذه المرحلة، تتفحص اللجان مختلف المقترحات، ويكون “للشخصيات الوازنة” في الحزب تأثير أكبر على النتائج؛ إن هذه المرحلة هي التي غالباً ما تظهر خلالها العراقيل والتأخيرات. بعد هذا تقوم الحكومة الشعبية المركزية (أو مجلس الشعب الصيني) بنشر مسودة مشروع القانون من أجل جمع تعليقات الشعب، قبل عرض المشروع للتصويت داخل هذه المؤسسات. وأخيراً، وفور اعتمادها، يتم إصدار القوانين من طرف الحكومة أو الوزارة المعنية.
من خلال تجميع البيانات المتعلقة بما يناهز 113 قانوناً و43 مراجعة و199 تعديلاً تم اعتمادها من قبل المجلس الوطني لنواب الشعب الصيني أو اللجنة الدائمة للمجلس الوطني لنواب الشعب الصيني في الفترة الممتدة ما بين سنة 1993 و مارس 2017، حدد ترويكس عدد السنوات اللازمة لاعتماد كل مشروع قانون.
ويبين تحليله أنه بالرغم من وجود نظام أوتوقراطي يسيطر فيه حزب واحد على مقاليد الحكم، لم يتم اعتماد سوى 73% من القوانين والمراجعات والتعديلات التي اعتبرت ذات أولوية. وقد بلغ متوسط عدد السنوات اللازمة لاعتماد القوانين “ذات الأولوية” 3.58، فيما تطلبت قرابة 12% من القوانين المعتمدة ذات الأولوية أكثر من 10 سنوات. في المقابل، لم يتم اعتماد 48% من مجموع القوانين أو التعديلات أو المراجعات على مدى السنوات التشريعية الخمس، ما يوضح أهمية حالات التأخير أو الانسداد المرتبطة بالعملية التشريعية الصينية.
يسلط قانون السلامة الغذائية، الصادر سنة 2009، الضوء على أهمية عوامل الانقسامات الداخلية في حالات الانسداد التشريعي. حيث انبثقت فكرة القانون سنة 2004، إلا أنه كان على مشروع القانون الأول انتظار 3 سنوات لكي يرى النور. وتتجلى الغاية منه في وضع نظام تذكير للمنتجات الفاسدة وفرض غرامات على الشركات التي لا تحترم المعايير الصحية.
ومنذ البداية، تتخلل عملية الصياغة صراعات داخلية وتنافس بين مختلف الوزارات المتدخلة في عملية التقنين المتعلقة بالمنتجات الغذائية وسلامتها. وقد دار التنافس بين ما يقارب 17 وحدة بيروقراطية مختلفة، بالإضافة إلى خمس وكالات كبرى (“التنانين الخمسة”)، حيث تميل هذه الوحدات إلى الانفراد بالاختصاص من أجل الحصول على حقوق الترخيص والغرامات التي ستعزز ميزانيتها. علاوة على ذلك، تعتمد كل جهة معنية على قانون تشريع مرجعي خاص ما يعقد المهمة بشكل كبير. هذا ويسبب الانقسام داخل الائتلاف الحاكم حالات تأخير وانسداد كبيرة، إلى أن تظهر فضيحة صحية واسعة النطاق تثير غضب الشعب وتسرع العملية بصورة مفاجأة.
في سنة 2008، انتشرت فضيحة الحليب الملوث، حيث اتضح أن كميات من الحليب الخاص بالاستهلاك اليومي وحليب الأطفال المنتجة في الصين قد احتوت على مادة الميلامين السامة لتبدو على أنها أغنى من حيث البروتينات. زد على ذلك أن كميات غير صالحة للاستهلاك التي تشترى بثلثي السعر كانت معبأة في علب تمتثل لمعايير السلامة من أجل التمويه. وقد نتج عن هذا الأمر إدخال 50 ألف طفل للمستشفى ووفاة ستة منهم. وقد أثارت هذه الفضيحة الصحية قلق وغضب الشعب الذي أصبح يهتم بالسلامة الغذائية، وهو ما كان له تأثيران مباشران على عملية إعداد القانون. فقد أدى غضب المواطنين إلى استنفار المشرعين وإرغامهم على تعزيز مضمون القانون، آخذين بعين الاعتبار الثغرات التي سلطت مسألة الحليب الملوث الضوء عليها.
وفي فبراير 2009، بعد مرور بضعة أشهر عن ظهور الفضيحة، تم سن القانون. وتوحي هذه الحالة أن تغييرات من هذا القابيل ما كانت لتكون ممكنة لولا اهتمام الجمهور. فقد ساهمت الفضيحة وخطر الاضطراب الشعبي في كسر الجمود البيروقراطي، كما أنهما مكنا الاعتماد السريع لقانون أكثر ملاءمة.
ويؤكد هذا الفرضية الثانية التي يُعد الرأي العام حسبها قادراً على التأثير على العملية التشريعية عندما تحظى قضية ما باهتمام كبير من طرفه، الأمر الذي يؤكده تحليل الحالتين الأخرتين. إن “القانون الخاص بالتشريعات” الذي تم اعتماده سنة 2000 يقسِّم الائتلاف الحاكم بشكل كبير لأنه يهم عدداً كبيراً من المتدخلين ذوي السلطة، دون إثارة أي اهتمام كان من طرف المواطنين. والنتيجة هي أن العملية استغرقت ما يقارب 7 سنوات وتطلبت 8 مسودات مختلفة لقانون اعتُبر ناقصاً وبه عدة أوجه قصور.
في المقابل، لقي “القانون الخاص بسلامة المعدات الخاصة” الذي تم سنُّه في 2013 إجماعاً واسعاً داخل الائتلافات الحكومية واهتماماً كبيراً جداً من طرف الجمهور بعدما قامت وسائل الإعلام بتغطية العديد من الحوادث. وكانت النتيجة استكمال العملية التشريعية في غضون سنة واحدة، ما أدى إلى التوصل لقانون واضح ويمكن فهمه.
إلى جانب دراسات الحالات التي تطرقنا إليها، تُعد صحة الفرضية مثبَتة من طرف تحليل واسع النطاق للقوانين المعتمدة في الصين على مستوى عمليات الصياغة وكذا العناصر المتعلقة بالمفاوضات الداخلية. ويرجع الفضل في إتمام هذا التحليل لاعتماد القانون الخاص بالتشريعات الذي يفرض على لجنة الشؤون التشريعية أن تنشر تفاصيل العمليات التشريعية.
ويشير التحليل التراجعي الذي قام به ر. ترويكس إلى أنه كلما زاد عدد المتدخلين التنظيميين المعنيين، طالت المدة التي تستغرقها العمليات التشريعية. ففي الحالات التي لا تشمل فيها القوانين سوى منظمة معروفة واحدة، لم تسجل أي واحدة منها تأخراً يُذكر، في حين سجلت القوانين التي تشمل أربع جهات معنية أو أكثر تأخراً بنسبة 40%. وعلى نفس المنوال، عرفت العديد من مشاريع القوانين (الخاصة بإفلاس الشركات وبالشركات الصناعية التابعة للدولة وبالتخطيط العمراني) التي أثارت صراعات داخلية قوية انسدادات هامة.
تُغيِّر هذه الدراسة الطريقة التي يُنظر بها إلى المسارات التشريعية في سياق الحكم الاستبدادي، فهي تبيِّن أولاً أن الدكتاتوريات لا تستطيع اعتماد نصوص القوانين كما يحلو لها، عكس ما قد يظنه عامة الناس. وثانياً، تسلط هذه الدراسة الضوء على قدرة الأنظمة الاستبدادية على التحلي بصفتي التشاورية والانفتاح، خصوصاً عندما يهدد الرأي العام بزعزعة النظام. وأخيراً، رغم الأفكار المسبقة، فإن هذه الدراسة تبيِّن أن مواطني الأنظمة الاستبدادية قادرون على التأثير بشكل وازن في العمليات التشريعية.
Comparative Political Studies, 2018 DOI : 10.1177/0010414018758766
]]>وللإجابة عن هذه التساؤلات، سنتطرق لحالتين من التعبئة الاجتماعية، إحداهما جاءت رداً على خوصصة المياه في بوليفيا، والثانية رداً على ارتفاع أسعار الذرة في المكسيك. ويبين هذا المقال كيف أن التباينات الكامنة في تصور السلطات العمومية للمطالب الاجتماعية تساهم في تفسير الأسباب التي أدت بصناع القرار في كل من البلدين إلى التعاطي بطريقة مختلفة تماماً مع الحراك الناشئ.
في يناير 2000، خرج الآلاف من سكان مدينة كوتشابامبا البوليفية إلى الشارع للاحتجاج على خوصصة إمدادات المياه التابعة لمدينتهم، إذ لم يحصل المشتري، وهو اتحاد يحمل اسم “أغواس ديل توناري”، على حقوق شبكة المياه البلدية لكوتشابامبا فحسب، بل حتى على حقوق المياه المستجمعة في الآبار الخاصة والأهلية. وعندما توصل السكان بفواتير الماء لشهر يناير، والتي تضاعف سعرها في بعض الحالات، اندلعت نزاعات شديدة حول الموارد المائية، مما أدى إلى انغلاق المدينة لعدة أيام. وقد برزت إثر ذلك حركة تضم مختلف الطبقات الاجتماعية والأعراق والمناطق الحضرية في الإقليم، ثم انتشرت الاحتجاجات في كافة أنحاء البلاد، ما دفع الحكومة إلى إعادة تأميم المياه بعد بضعة أشهر.
بعد ذلك بسبع سنوات وعلى بعد آلاف الكيلومترات من التراب البوليفي، احتشد المكسيكيون في يناير 2007 في ساحة “زوكالو” (ساحة الدستور) بالعاصمة مكسيكو للتعبير عن رفضهم لارتفاع أسعار الذرة ووارداتها. فقد ارتفع سعر رغيف “التورتيلا” بشكل ملحوظ في كافة أرجاء البلاد، حتى أنه تضاعف أربع مرات في بعض المناطق منذ صيف تلك الفترة. وتحت شعار “بدون الذرة، لا وجود للدولة”، وحَّد المستهلكون والمنتجون والطبقة المتوسطة والفلاحون صفوفهم للحصول على ذرة مكسيكسة بأسعار معقولة. حينها قرر الرئيس فيليبي كالديرون، المنتخب حديثاً، تحديد سقف الأسعار، ما أدى إلى تهدئة تلك التعبئة الواسعة النطاق.
في بدايتهما، كانت لحرب المياه في بوليفيا وحرب الذرة في المكسيك أوجه تشابه عديدة. ففي كلتا الحالتين، تشكلت حركات مقاومة واسعة احتجاجاً على تهديد يحيق بسلعة معيشية ضرورية. إلا أنه بالرغم من هذا التشابه الأولي، سرعان ما ذهبت الحركتان في مسارين مختلفين: ففي بوليفيا، اشتدت حدة المظاهرات، مما أدى إلى إغلاق منطقة كوتشابامبا ثم شل حركة البلد بعد ذلك لعدة أيام؛ بينما خفت وهج الحركة في المكسيك بسرعة.
ويزعم هذا المقال بأن رد الحكومة على الاحتجاجات يشكل الفارق الرئيسي بالنسبة لمآل التعبئة الشعبية. فحين كان ممثلو الحكومة مُقدِّرين للقيمة الرمزية للمطالب الاجتماعية، فإنهم اتخذوا إجراءات سريعة لكبح جماح المقاومة. وعلى العكس، عندما لم يستوعب المسؤولون الأهمية الرمزية التي يوليها المتظاهرون لهذه المطالب فإنهم استبعدوا إمكانية حدوث تعبئة واسعة النطاق، الأمر الذي حد من قدرتهم على التصرف بفعالية، ونتج عنه تطور كبير في مآل الحراك.
ومن أجل إبراز ذلك، أجرت إريكا سيمونز، أستاذة العلوم السياسية بجامعة “ويسكونسن – ماديسون” أعمالاً ميدانية في بوليفيا خلال صيف وخريف 2008 وشتاء 2010، وفي المكسيك خلال شتاء وربيع وصيف 2009. وقد شملت أبحاثها في كلا البلدين دراسة إثنولوجية ميدانية، تضمنت أزيد من 200 لقاء مفتوح وشبه منظم، وقراءات مقارنة لنصوص تم إصدارها قبل وأثناء كل تعبئة، بالإضافة إلى بحث تاريخي مبني على تحليل الوثائق المكتوبة والصحف الإقليمية والوطنية، ووثائق استمدتها من مصادرها الأولية (بما فيها تلك التي أصدرتها الجهات المنظِّمة للحراك والفاعلون الحكوميون)، فضلاً عن أعمال أكاديمية.
إن الإعلان عن إبرام الحكومة لعقد خوصصة إمدادات المياه التابعة لمدينة كوتشابامبا أشعل فتيل موجة واسعة من الاحتجاجات في المدينة، حيث إن السكان قد رأوا في هذه الخطوة انتهاكاً لحق أساسي. وقد نظم بعض من الساكنة احتجاجات وعطلوا أماكن مختلفة من المدينة.
فمنذ البداية، قللت الحكومة من أهمية هذه التعبئة وآثرت تجاهلها، متصورة بأنها ستبقى في “الخلفية” وأنه لن يكون لها أي تأثير على تفعيل بنود العقد. غير أن الاحتجاجات استمرت في الارتفاع، فالماء بالنسبة لسكان مدينة كوتشابامبا ليس فقط وسيلة عيش أساسية، بل إن عملية الري والتاريخ الزراعي للمدينة بالنسبة للأهالي يجعلان من الماء مكوناً جوهرياً للهوية المحلية والإقليمية. حيث إن سكان كوتشابامبا قد شكلوا تعاونيات خاصة بالمياه من أجل حفر آبارهم وأنابيبهم الخاصة وعملوا بشكل جماعي على حماية احتياجاتهم من الماء من خلال إحداث مجتمعات محلية يحتل فيها الماء مكانة مركزية.
ويبدو أن هناك هوة بين التصورات المحلية لقيمة الماء في الحياة والمفاهيم التي ترى المياه على أنها سلعة قابلة للتسويق وقابلة للتداول لتحقيق الربح. وفي اللحظات الحاسمة التي كان من الممكن خلالها أن يشرح سكان كوتشابامبا موقفهم القائل بأن العقد الامتيازي المبرم يهدد تصورهم للعيش الجماعي، لم يتم إشراك سوى عدد قليل منهم في عملية صنع القرار. ويشير هربرت مولر، الذي كان يشغل حينذاك منصب وزير المالية في الحكومة البوليفية، أن حكومة بلاده قد فشلت في “إضفاء الطابع الاجتماعي على العملية”.
لقد كنا نعتقد أن العقلانية الاقتصادية ستكون كافية لإقناع الشعب.
ويكشف هذا التعليق على وجود سوء فهم أساسي لعلاقة سكان كوتشابامبا بالماء. فمن خلال استبعاد الآراء المحلية، لم تترك الجهات المسؤولة عن وضع السياسات (ولاحقاً عن الرد على التعبئة الاجتماعية التي برزت) أي مجال لفهم هذه العلاقات وتقييم ما يحمله الماء من دلالات في كوتشابامبا.
ونتيجة لذلك، لم يتوقع المسؤولون العموميون المعنيون الحجم أو النطاق المحتمل لحركة المقاومة هذه. ولم يقدم الأعوان الذين عينتهم الحكومة للتفاوض مع المتظاهرين أي تنازلات، حيث كانوا يعتبرون عقد الخوصصة هذا صفقة تجارية وخطوة نحو الحداثة والتقدم والتكامل الدولي. وقد لاحظ خوسيه أورياس، نائب وزير بالحكومة، وهو من القلة التي تنحدر من كوتشابامبا، أن:
موظفي الدولة كانوا يتعاملون مع الوضع وكأنه عملية شراء أو بيع منزل وليس بالطريقة التي كان ينبغي أن يتعاملوا بها مع قضية الماء.
وبعد فشل الجولة الأولى من المفاوضات، رأى المسؤولون العموميون أنه يمكن احتواء الحركة باستعمال القوة. حيث تحولت المسيرة المنظمة يوم 4 فبراير بسرعة إلى مواجهة عنيفة لما حاولت قوات شرطة لاباز منع المتظاهرين من احتلال “ساحة 14 سبتمبر” التي تُعد المركز الرمزي لمدينة كوتشابامبا. وقد زاد استخدام القوة هذا من توسيع الفجوة بين الحكومة والسكان، فكانت النتيجة أن اتسع نطاق الحركة وأبدى قادتها عزيمتهم لمواصلة الكفاح.
كانت الحكومة تظن أنها ستوقفنا باستخدام القوة. لم يتمكنوا من فهم الدور الذي يلعبه الماء في خلق الديناميات المحلية… فمباشرة بعد تعرض الناس للقمع، نُسِجت علاقة تضامن إقليمي فيما بينهم.
أحد قادة الحركة
لم تستوعب الحكومة أهمية الماء بالنسبة لسكان المدينة، باعتباره جزءاً أساسياً من ثقافتهم وهويتهم. ولهذا فهي لم تدرك إمكانية حشد تعبئة واسعة النطاق رداً على عقد الخوصصة. وبعد أشهر من التعبئة الواسعة النطاق، اضطرت الحكومة إلى فسخ العقد مع اتحاد “أغواس ديل توناري”، حيث استعادت مصلحة البلدية المختصة “سيمابا” السيطرة على إدارة المياه.
تُعد الذرة مكوناً أساسياً في الثقافة المكسيكية. فبالنسبة للعديد من المكسيكيين، ترمز الذرة إلى “المكسيك”؛ فهي متجذرة في فهمهم للحياة العائلية المكسيكية وتمثل أساساً لشعور الانتماء إلى المجتمع.
وقد دفع ارتفاع أسعار الذرة المكسيكيين إلى الخروج إلى شوارع العاصمة للمطالبة باستقرار الأسعار. حيث رددت الجماهير المؤلفة من المستهلكين والمنتجين والبرجوازيين والفلاحين الشعار ذاته: “بدون الذرة، لا وجود للدولة”. وسرعان ما قرر الرئيس فيليبي كالديرون، الذي انتُخب قبل شهر من ذلك إثر استحقاقات انتخابية مثيرة للجدل، أن يحدد سقف الأسعار، فتراجعت بذلك التعبئة الواسعة النطاق.
وإذا كان السياق السياسي قد أثر على نظرة إدارة كالديرون للخيارات المتاحة أمامها – حيث كان على إدارته أن تعطي الانطباع بأنها تستوعب مصالح ناخبيها وأنها على استعداد للاستجابة لها – فإن طريقة تعامله مع مظاهرات “تورتيلازو” تعزى بشكل خاص إلى كونه قد أدرك أن مسألة الذرة كانت تشغل المكسيكيين كافة، ما جعلها مسألة بالغة الأهمية. فبالنسبة للحكومة المكسيكية، أي تجاهل لهذه الحركة كان من شأنه أن يولد تعبئة عارمة في صفوف المواطنين.
ومنذ بداية الاحتجاجات، اقترح الفريق المساعد للرئيس استجابة سريعة نظراً لمدى حساسية مسألة الذرة بالنسبة للمكسيكيين، ولهذا تم تحريك العديد من إدارات الحكومة على الفور لإيجاد حل. وقد قال بعض المسؤولين:
لقد شعرنا جميعاً أنه كان علينا أن نتحرك فوراً، لأن عدم اتخاذ أي إجراء كان سيؤدي إلى كارثة.
وفي 18 يناير 2007، توصلت الحكومة إلى اتفاق بخصوص استقرار الأسعار مع ممثلي صناعة الذرة والموزعين ورئيس “الاتحاد الوطني للفلاحين”. وقد استغل المسؤولون الصلة الرمزية بين رغيف “التورتيلا” ومسألة “أن يكون المرء مكسيكياً” لضمان التزام الفاعلين الرئيسيين في القطاع بالاتفاق المبرم. وبما أن الموافقة كانت طوعية ولا تشمل تعويضاً للشركات، كان على مستشاري الرئيس كالديرون أن يقنعوهم بأن المشاركة في الاتفاق كانت من مصلحتهم. ويبدو أن الشركات قد أدركت أنها ستظهر بمظهر الخائن إن لم تلتزم بالاتفاق عن طيب خاطر، أو إن استمرت في رفع أسعار رغيف “التورتيلا”.
هذا وقد تعامل صناع القرار المكسيكيون مع الوضع بسرعة لأنهم أدركوا أن مسألة الذرة يمكن أن تؤدي إلى تعبئة واسعة النطاق في كافة أرجاء البلاد. وخلال اجتماع مطول بين المسؤولين في مركز الرئاسة (“لوس بينوس”)، استحضر البعض الثورة الفرنسية، حيث أقاموا علاقة واضحة بين رغيف “التورتيلا” والخبز.
بالنسبة للمكسيكيين، الذرة هي خبزنا. وإذا كانوا يقلقون بشأن الخبز في أوروبا، فإننا نقلق بشأن الذرة هنا.
وقد فقدت الحركة الاجتماعية تأثيرها بعد اتفاق استقرار الأسعار. ومع ذلك، خرجت مسيرة أعلنت عنها الحركة في 31 يناير، إلا أن المطالب التي رددتها الحركة من خلالها لم تكن لها نفس قوة التعبئة كسابقتها. في الواقع، أصبحت الأسئلة المطروحة ذات طبيعة تجريدية، وتمحورت حول التنديد بالنموذج الاقتصادي النيوليبيرالي وعدم الشفافية وما إلى ذلك. ومن جهتها، طمأنت الحكومة المواطنين بالتأكيد على أن رغيف “التورتيلا” يحظى بالحماية التي يستحقها، متمكنة في آخر المطاف من إقناع العديد من الأشخاص الذين كانوا مستنفرين حتى ذلك الحين.
وقد تمت دعوة كافة المنظمات الكبرى، التي كانت تنادي إلى المشاركة في المسيرة، إلى جلسات كانت تجرى “بانتظام” مع مختلف المسؤولين الحكوميين. فتراجع المتظاهرون شيئاً فشيئاً ولكن استمرت المناقشات ولعبت اللقاءات دور الرابط – رغم هشاشته – بين الإدارة والمجتمع المدني المنظَّم. فمن خلال إحضار المعارضة بسرعة إلى طاولة المفاوضات، تمكن صناع القرار من تقويض أي دينامية كان يمكن أن تتولد عن مسيرة 31 يناير.
Comparative Political Studies, 2018. DOI: 10.1177/0010414018806532
]]>إن هذه الاحتجاجات تختلف كذلك عن الموجات السابقة من المظاهرات التي شهدتها إفريقيا، كتلك المتعلقة بمسار إنهاء الاستعمار، أو تلك التي اندلعت في تسعينات القرن الماضي والمرتبطة بحركات الانتقال الديمقراطي، أو أخيراً تلك المرتبطة بالحركات المناهضة للتقشف في مطلع القرن الحادي والعشرين. وقد كانت هذه الموجات الأولى عبارة عن حركات نخبوية من تنظيم منظمات المجتمع المدني التي تملك علاقات عابرة للحدود الوطنية، كما أنها كانت تهدف إلى تغيير الأنظمة. أما اليوم، فالمتظاهرون يطالبون بـ”تقديم الخدمات” المتعلقة بـ”القضايا التكافئية”، أي القضايا التي لا يعترض عليها أي كان، بما في ذلك الحكومات، إلا أنه لا يتم الاستجابة لها ولا يتم إعطاؤها نفس القدر من الأهمية كالتي يوليها لها المواطنون.
هذا وقد تساءل أستاذا العلوم السياسية آدم هاريس من جامعة “لندن” وإرين هيرن من جامعة “أيداهو” بمدينة كالدويل عمَّا يدفع المواطنين إلى القيام بالخيار الباهظ الثمن والخطير في بعض الأحيان، والذي يقتضي التظاهر حول قضية لا هي مثيرة للجدل ولا هي ثورية؟
يعزي هاريس وهيرن هذا الخيار إلى قصور القنوات التقليدية التي يشارك من خلالها المواطنين، مثلاً في عملية الاقتراع أثناء الاستحقاقات الانتخابية.
كما يريان بأن هذه المظاهرات، التي يطلقان عليها اسم “المظاهرات أو الاحتجاجات التكافئية”، هي وسيلة يعبر بها المواطنون الملتزمون عن ميولاتهم السياسية وعن الأهمية النسبية لقضية تكافئية عندما تكون الإجراءات السياسية الأخرى كالتصويت غير كافية.
هذا وتستند نظريتهما إلى ملاحظات مماثلة استمدت من أبحاث سابقة لهما في زامبيا (هورن) وجنوب إفريقيا (هاريس). ومع ذلك، برز اتجاه مثير للاهتمام، تمثل في أن الفئة التي كان من المتنظر أن تتبنى سلوكاً احتجاجياً لم تكن الفئة الغاضبة الساخطة على الوضع، بل تلك التي كانت مقتنعة بأن أعمالها قد تؤدي إلى تسريع عملية التغيير. بالنسبة لها، لم يكن الاحتجاج وسيلة لمعاقبة الحكومة، بل بالأحرى وسيلة لاطلاعها على أهمية ميولها السياسي.
ومع ذلك، تتم متابعة المظاهرات بشكل أو بآخر، كما أنها تتفاوت من حيث الحجم. ومن أجل توضيح هذه المتغيرات وأهمية هذا النوع من المظاهرات، يفترض الباحثان بأنه كلما لاقت أعمال المواطنين الاحتجاجية تجاوباً من قبل حكومتهم، كلما ازداد احتمال مشاركتهم فيها.
إلا أن هناك ثلاث حالات شائعة تحول دون تعبير المواطنين على ميولهم السياسية عبر الطرق التقليدية: 1) الأنظمة القائمة على الانتماء العرقي، 2) الأنظمة التي تكون فيها الأحزاب غير مستقرة ولا يكون لديها برنامج، و3) الأنظمة التي يسيطر عليها حزب واحد حيث تكون المنافسة شبه منعدمة. وفي مثل هذه الأنظمة، لا يمكن للناخبين الاعتماد على الساحة الانتخابية لإيصال ميولاتهم. ونتيجة لذلك، قد يكون الاحتجاج وسيلة أكثر فعالية.
من أجل اختبار مختلف هذه الفرضيات، استعمل الباحثان تحليلاً تراجعياً متعدد المستويات، من خلال الارتكاز على بيانات السلسلة 5 لاستطلاعات الرأي التابعة لمؤسسة “الباروميتر الإفريقي” الصادرة سنة 2015، والمتمحورة حول مشاركة المواطنين في المظاهرات. ومن أجل تحديد الدول التي تعرف انتشاراً واسعاً للمظاهرات التكافئية، قاما بمقارنة هذه البيانات مع معطيات “قاعدة بيانات تحليل الصراعات الاجتماعية”. وتقوم قاعدة البيانات هذه بتصنيف المظاهرات التي شهدتها القارة الإفريقية ما بين سنة 1990 و2015، محددة نوع المشاركين ومطالبهم.
انطلاقاً من عينة تشمل 28 دولة، قام الباحثان بتوسيع دائرة البحث لتضم الدول التي تنتشر فيها المظاهرات التكافئية بشكل واسع، مع التركيز على التمييز بينها وبين المظاهرات التي ترتكز على أهداف أيديولوجية أو ثورية. ثم قاما أخيراً بتحليل تراجعي ثان مكنهما من تحديد العناصر السياقية التي تعزز مشاركة المواطنين في مثل هذه المظاهرات.
يدرس الباحثان مدى صحة الفرضية على عينة من البلدان الإفريقية، مستبعدين دول شمال إفريقيا (بسبب الظروف الخاصة بالربيع العربي). ووفقاً لتحليلهم لبيانات “قاعدة بيانات تحليل الصراعات الاجتماعية”، تبين لهم بأن معظم المظاهرات – 49% من عينتهم الأساسية – كانت مظاهرات تكافئية.
أما تحليل بيانات السلسلة 5 لاستطلاعات الرأي التابعة لمؤسسة “الباروميتر الإفريقي” فيأكد هذه النتيجة: تشير أغلبية المشاركين إلى أن القضايا التكافئية كانت السبب وراء مشاركتهم في المظاهرات، إذ يرى 40% من المشاركين على أن الخدمات العمومية هي من أهم المشاكل التي يجب حلها، من ثم تأتي البطالة (34%) وتوفير المياه (23%).
كما يبدو أنه من المرجح أن يخرج المواطنون الذين يرون أن الحكومة تتجاوب مع أعمالهم للتظاهر، وذلك بنسبة 77%. وقد أتى هذا المتغير الأخير ليكمل عناصر أخرى سبق وأن رسختها أدبيات الحركات الاجتماعية ويؤكدَّ أن كون الشخص رجلاً ومنحدراً من المحيط الحضري ومثقفاً وشاباً ومساهماً في أشكال أخرى من العمل السياسي يزيد من معدل مشاركته في المظاهرات.
وللتحقق من هذه البيانات، أجرى الباحثان تحليلاً تراجعياً ثانياً لكل دولة على حدة، فوجدا أنه في 19 حالة من أصل 28، هناك ترابط إيجابي بين درجة التجاوب التي يراها السكان وحجم المشاركة في مظاهرة تكافئية. إلا أنه إذا كانت نظريتهما صحيحة في غانا ومدغشقر وتنزانيا، فإنها ليست كذلك في مالي أو مالاوي أو بنين، وهي دول تتميز بكونها لم تشهد سوى عدد ضئيل من المظاهرات التكافئية أو بكونها عرفت حركات اجتماعية ذات طابع اجتماعي خاص جداً.
وكخطوة ثانية، عمل الباحثان على التحقق من مدى تأثير السياق السياسي على تجاوب الحكومة كما يراها السكان وبالتالي على نسبة المشاركة في المظاهرات التكافئية. ومن أجل ذلك قاما بدراسة ثلاثة سياقات معينة؛ وهي الأنظمة السياسية القائمة على الانتماء العرقي والأنظمة السياسية غير المستقرة والأنظمة السياسية التي يهيمن عليها حزب واحد.
غالباً ما يكون التصويت في الأنظمة المرتكزة على الانتماء العرقي مرتبطاً بحس انتماء جماعي أو باختلاف عرقي أكثر مما هو متعلق ببرنامج سياسي. ولهذا يقل احتمال أن تكون الانتخابات وسيلة تسمح بالتعبير عن ميولات سياسية حقيقية.
وعلى نحو مماثل، تزيد التقلبات التي تعرفها الحكومة في نظام قائم على أحزاب غير مستقرة من عدم اليقين لدى المواطنين وتقلل من قدرة الناخبين على اختيار حزب ما أو معاقبة مسيريه.
أما بالنسبة للأنظمة السياسية القائمة على الانتماء العرقي (كما هو الحال في غانا وسيراليون) وكذلك بالنسبة للأنظمة القائمة على أحزاب غير مستقرة (مدغشقر)، فقد وجد هيرن وهاريس ترابطاً ضئيلاً، إن لم نقل منعدماً، بين هذه العوامل ودرجة تجاوب الحكومة مع الحركات الاحتجاجية.
في المقابل، وجد الباحثان علاقة ترابط إيجابي بين النظام الذي يهيمن عليه حزب واحد ودرجة تجاوب الحكومة مع الأعمال الاحتجاجية.
وهذا هو الحال في كل من تنزانيا وأوغندا وبوتسوانا وكذلك في جنوب إفريقيا حيث تهيمن أحزاب وحيدة على الأنظمة السياسية منذ وقت طويل، في ظل غياب أي شكل من أشكال المنافسة. ويبدو أن الساكنة لا تستطيع التصويت ضد هذه الأحزاب، وغالباً ما يرجع ذلك إلى ما تمثله هذه الأخيرة (تحرير الشعب من نير الاستعمار أو وضع حد للتمييز العنصري). وتُعد حالة حزب “المؤتمر الوطني الإفريقي” خير مثال على ذلك، حيث 36% فقط من سكان جنوب إفريقيا يرون أن التصويت قد يكون نافعاً. ولكن حسب بيانات دراسة استقصائية أُجريت سنة 2011، لاحظ هاريس أنه عندما يتم تذكير أنصار حزب “المؤتمر الوطني الإفريقي” بدوره المحرر من التمييز العنصري، فإنهم يصبحون أكثر ميولاً للتصويت لصالحه وللاحتجاج ضده من أجل الحصول على خدمات أفضل.
تمكِّن المظاهرات التكافئية المواطنين الملتزمين من التعبير عن ميولاتهم السياسية فيما يخص المسائل المتعلقة بالسلع والخدمات التي تقدمها الحكومة. وتكون المشاركة في هذا النوع من المظاهرات أكثر أهمية عندما تفقد الأصوات التقليدية المتعلقة بالمشاركة المواطنين رنينها وتصبح غير فعالة، وأيضا عندما يرى المواطنون أن حكومتهم تتجاوب معهم. وقد سلطت هذه الدراسة الضوء على تغير النظرة إلى الحكومة بحسب السياق. كما أن المواطنين في نظام يهيمن عليه حزب واحد يميلون إلى رؤية حكومتهم على أنها أكثر تجاوباً معهم، وبالتالي فإنهم يكونون أكثر ميلاً إلى المشاركة في هذا النوع من المظاهرات.
بالنسبة للباحثين، يُستحسن أن تركز دراسات الحركات الاجتماعية على المظاهرات التكافئية باعتبارها ظاهرة متميزة. فهذه الأخيرة موجودة في أماكن أخرى غير القارة الإفريقية؛ كالشرق الأوسط وشمال إفريقيا (مصر والأردن) بل وحتى في أوروبا الشرقية (أوكرانيا).
وقد ظهرت العديد من المظاهرات التكافئية بعد الربيع العربي، والتي وجهت اهتمام الحكومات إلى مشاكل معينة كغلاء الأسعار أو نقص المواد الغذائية، بدل المطالبة بإسقاط النظام أو تغييره.
إن نموذج المظاهرات التكافئية الذي يقدم هذا المقال لمحة عنه سيصبح أكثر فعالية إذا كان معمقاً ودقيقاً، بل وحتى موضوع انتقاد، من خلال تدارس حدود صحته. ويقترح الباحثان أن الأبحاث المستقبلية يمكنها أن تركز على الروابط بين هذه المظاهرات والحركات الإيديولوجية أو المناهضة للأنظمة. ومن أجل استكمال ذلك، يجب تحديد الآليات التي يتكيف المواطنون من خلالها مع الأنظمة الديمقراطية القاصرة.
Comparative Political Studies, 2018. DOI: 10.1177/0010414018806540
]]>إننا نميل للاعتقاد بأن النظام الاستبدادي والديمقراطية هما طرفي النقيض في الطيف السياسي، حيث تجرى في الأنظمة الديمقراطية انتخابات حرة ونزيهة، سواء تعلق الأمر بانتخاب رئيسها أو مجالس الشعب، أما الأنظمة الاستبدادية فهي بكل بساطة دول لا تجرى فيها انتخابات حرة ونزيهة. لكن من الضروري أن نفهم، فيما يتعلق بعبارة “حرة ونزيهة”، أن العديد من الأنظمة الاستبدادية تعقد انتخابات رئاسية أو برلمانية، غير أن الفرق يكمن في أن هذه الانتخابات ليست حرة أو أنها لا تحترم مبدأ المنافسة العادلة. كما يمكن للنظام أو الديكتاتور أن يتلاعب بها. وبالتالي، فإننا نميل إلى وصف هذه الأنظمة بأنها أنظمة استبدادية تنافسية.
هل يمكننا الحديث عن التمثيل في نظام غير ديمقراطي؟ أعتقد أن هناك شكل من أشكال التمثيل. لكن ما نراه قد يكون مختلفاً بعض الشيء عما نلاحظه في الأنظمة الديمقراطية. عند استخدام مصطلح التمثيل، فإني أقصد بشكل عام العلاقة بين المشرع والناخبين، حيث يحاول المشرع الدفاع عن الناخبين والاستماع إليهم ووضع السياسات التي تصب في مصلحتهم. وهكذا نلاحظ اعتماد بعض المشرعين هذا النوع من السلوك في الأنظمة الاستبدادية. وقد أصدرت العديد من الأعمال حول الصين، بينت من خلالها أن المشرعين يحاولون الاستماع للناخبين، كما أن هناك أعمال مماثلة بشأن الفيتنام والمغرب ودول أخرى.
لكن يجب التأكيد على أن كل هذا يتم في ظل نظام استبدادي، ما يعني أن النظام يتحكم فيما يمكن وما لا يمكن قوله، وفيما يمكن للمشرعين التحدث عنه وما لا يمكنهم التحدث عنه. لذلك استعملت عبارة “التمثيل المحدود” لوصف طبيعة التمثيل في ظل النظام الاستبدادي، ما يشير إلى أن باستطاعة المشرعين الحديث عن أمور كثيرة، إذ بإمكانهم الدفاع عن مصالح الناخبين في العديد من القضايا، إلا أنهم يصطدمون دائما بالنظام الحاكم. فبمقدور النظام التحكم دائماً فيما يمكن قوله وما لا يمكن قوله
إن المشاركة السياسة، كما أُعرفها، هي محاولة المواطنين الانخراط في الحياة السياسية وإسماع أصواتهم والتأثير على السياسة بشكل أو بآخر. وفي الواقع، يوجد هناك مجموعة من أشكال المشاركة السياسية في وجود نظام استبدادي. لذلك لا ينبغي أن نفترض بأن المواطنين غير مبالين أو متخاذلين فقط لأنهم لا يعيشون في إطار ديمقراطي. والحال أننا كثيراً ما نرى العكس. ونظراً إلى أن الانتخابات وأشكال المشاركة الأخرى قد تكون تحت سيطرة النظام، فإن المواطنين يلجؤون إلى طرق أخرى، من قبيل المظاهرات التي تعد شكلاً مهماً من أشكال المشاركة في ظل وجود نظام استبدادي. كما أننا نلاحظ مستويات عالية من المظاهرات في هذه البلدان.
كما أن المجتمع المدني يمثل جانباً آخر من جوانب المشاركة السياسية، وقد يتعلق الأمر بمنظمة غير ربحية أو بناد رياضي، أي كل ما يربط المواطنين بالمجتمع. وغالباً ما يكون المجتمع المدني أكثر ضعفاً في ظل النظام الاستبدادي مقارنة بالأنظمة الديمقراطية، إذ ينظر إليه في بعض الأحيان على أنه تهديد للنظام. ففي كل مرة يقوم فيما المواطنون بتنظيم أنفسهم والاجتماع خارج الإطار الذي يسطره النظام، يبدو الأمر للنظام كأنه تهديد. هذا ونرى في الكثير من الأحيان أنظمة استبدادية تحاول التلاعب أو التحكم في المجتمع المدني.
في بعض الأحيان، نرى بأن هذه الأنظمة تنشئ منظمات مجتمع مدني خاصة بها في محاولة لإقناع المواطنين بالانخراط فيها حتى يتمكنوا من السيطرة عليهم.
تجدر الإشارة إلى أن هناك أنواع متعددة من الأنظمة الاستبدادية، فهناك أنظمة استبدادية يسيرها حزب واحد، كالحزب الشيوعي الصيني. وهناك أنظمة استبدادية يتزعمها شخص واحد. كما أن بعض هذه الأنظمة أكثر تفاعلية وتحاول الاستماع للمواطنين، بينما توجد أنظمة أخرى يسود فيها الفساد والقمع.
لذلك فمن المهم عند التفكير في النظام الاستبدادي، أن نفكر في مختلف أنواع الأنظمة الاستبدادية وأن ندرك أن بعضها أكثر نجاحاً من غيرها.
]]>