Deprecated: Optional parameter $output declared before required parameter $attr is implicitly treated as a required parameter in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-content/themes/voice/core/extensions.php on line 166 Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/taframa/old.tafra.ma/wp-content/themes/voice/core/extensions.php:166) in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/feed-rss2.php on line 8 التعبئة – Tafra http://old.tafra.ma Mon, 29 Jun 2020 15:26:14 +0000 en-US hourly 1 https://wordpress.org/?v=6.1.10 الرحيل أم البقاء؟ كيف للهجرة أن تُضِر بفرص نجاح الحركات الاجتماعية في بلدان المنشأ؟ http://old.tafra.ma/http-tafra-ma-partir-ou-rester-pourquoi-lemigration-compromet-la-reussite-des-mouvements-sociaux-dans-le-pays-dorigine-ar/ Mon, 29 Jun 2020 15:25:41 +0000 http://old.tafra.ma/?p=4916 إن محاولة إثبات وجود رابط بين الهجرة والتعبئة السياسية قد يبدو للوهلة الأولى أمراً خارجاً عن المألوف، لاسيما حين ينصب التساؤل على المجتمع الذي يغادره المهاجر وليس ذاك الذي ينطلق إليه. ذلك أن العادة قد جرت على أن يهتم الباحثون بالأسباب الاقتصادية التي تدفع الفرد إلى الهجرة أساساً، أو بالانعكاسات السياسية المتصلة بالهجرة على بلد الوجهة.

ومع ذلك، ليس من العبث أن نفتح خيالنا لنتصور مدى قدرة الهجرة على إحداث آثار سياسية في مجتمع المنشأ، علماً بأن موازين القوة السياسية تتغير محلياً عندما يغادر أفواج من المواطنين البلاد. في هذا المقال، تتناول الباحثة إميلي أ. سيلارس الكيفية التي تتأثر بها سلباً التعبئة السياسية التي يقودها أولئك الذين قرروا عدم المغادرة وذلك من جراء توفر فرص الهجرة أمام بعض الفئات من المواطنين. ويرتكز تبرير هذا التساؤل على ملاحظة بسيطة: عندما تنطوي التعبئة السياسية على عدد من المخاطر ويستوجب نجاحها حشد عدد كبير من المواطنين، يصير من المحتمل أن تطفو على السطح مشاكل متعلقة بالتنسيق بين مختلف الفاعلين. بالتالي، وفي الوقت الذي يكون فيه نجاح الحركة مشروطاً بتعبئة أكبر عدد من المواطنين، لا يستشعر الأشخاص الذين تتاح لهم فرص مغادرة البلاد الدافع الكافي للتظاهر. وهكذا مع توقع العموم لحدوث انشقاقات في صفوف الفاعلين، تهتز بحكم الواقع ثقة الجماهير في نجاح الحركة.

وقد قسمت الباحثة تناولها للموضوع على مرحلتين، حيث وضعت نموذجاً رياضياً يسمح بتحديد الطريقة التي يقرر بها الناس التعبئة أو يمتنعون عنها. وانطلاقاً من هذه المعاينة، خلصت الباحثة إلى مجموعة من الفرضيات اشتغلت فيما بعد على التحقق منها من خلال دراسة الوقائع التاريخية. وفي سبيل ذلك نجدها تستعين بتاريخ حركتين اجتماعيتين: الثورات الزراعية التي شهدتها المكسيك بعد الثورة مع بداية القرن العشرين، والصراعات المتعلقة بالشغل التي عاشتها اليابان إلى غاية منتصف القرن العشرين.

المنطلق التأملي

بالنسبة للباحثة إميلي أ. سيلارس، تعتبر قدرة المواطنين على التنسيق فيما بينهم عاملاً محورياً في تنظيم تعبئة سياسية معينة، وذلك لأن نجاحها يستوجب استباق تصرفات باقي أفراد المجتمع، وكل ذلك في ظل وضعية غير مؤكدة. فعندما لا تقدم الحكومة والنخب تنازلات للجمهور إلا عندما يقوم بالضغط بقوة عليهم، تصبح قدرة المواطن على إيصال صوته مرتبطة بعمل المواطنين الآخرين وبدرجة صعوبة التغيير السياسي في بلاده.

وفي هذا السياق، تفترض الباحثة أن المواطنين يستهويهم دائماً نجاح الحراك الاجتماعي، أكثر مما تستهويهم الهجرة، حتى وإن كانت الهجرة تَعدهم بموارد مادية أهم، لا سيما الحصول على أجور أعلى. ومع ذلك، ليست الهجرة متاحة أمام جميع المواطنين بشكل متساو. فبالنسبة للبعض، تُعتبر الهجرة أقل تكلفة مقارنة بغيرهم من المواطنين، وذلك لكونهم يتوفرون على إمكانيات مالية أو شبكة معارف (عائلة أو أصدقاء أو زملاء) في الخارج تسهل هجرتهم.

وإذا كان للهجرة تكلفة، فالأمر ذاته ينطبق على التعبئة السياسية، وهو ما يسمح بالتمييز بين ثلاثة أنواع من الأشخاص: من يهاجرون نحو سوق عمل أجنبي، ومن يبقون للعمل داخل البلاد، ومن يتفرغون تماماً للتعبئة ويصيرون بذلك دون أجر. كما أن هناك اختلافات بين النتائج الناجمة عن التعبئة: فإذا كانت الأمور على حالها بالنسبة للذين لا يشاركون في المظاهرات، وإيجابيةً بالنسبة للذين يهاجرون (يحصلون على أجور أعلى في الخارج)، فإنها قد تكون سلبيةً في حال فشل التعبئة بالنسبة للمنخرطين فيها، وقد تكون إيجابية في حال نجاحها.

ومن هذا المنطلق، ترى الباحثة أن احتمال نجاح التعبئة يرتفع بارتفاع حجم الساكنة المعبأة وبالمكاسب المتوقعة من هذه التعبئة. فكلما زاد عدد المتظاهرين، كانت الحكومة أكثر قابلية للاستجابة لمطالبهم. وعلى النحو ذاته، كلما ارتفع سقف المكاسب المتوقعة (حقوق اجتماعية أكبر مثلاً)، تزايد عدد الأشخاص الذين تتم تعبئتهم.

بالمقابل، يتراجع احتمال نجاح الحركة كلما أصبح العمل الجماعي محفوفاً بالمخاطر، وكلما ارتفعت تكلفة الفرصة المتصلة بالعمل الجماعي، وكلما أصبحت الهجرة أكثر جاذبية وسهولة. ويقصد بتكلفة الفرصة المتصلة بالعمل الجماعي الفكرة التي مفادها أن المهاجرين المحتملين يحتاجون لضمانات على نجاح التعبئة حتى يظلوا في بلادهم ويشاركوا في المظاهرات، وإلاَّ فإنه ليس من الهين عليهم تفويت فرصة الهجرة على اعتبار أن الهجرة أكثر نفعاً بالنسبة لهم كونها تمنحهم أجوراً أعلى. وعندما تصبح الهجرة أكثر جاذبية وسهولة، يجدر التشديد على وجود عوامل خارجية مؤثرة على جودة المعلومات المتداولة بشأنها. فمعرفة أن هناك أشخاصاً يتوفرون على فرص للهجرة تؤدي إلى تقديرات تقلل من عدد الأشخاص الذين ستتم تعبئتهم، وبالتالي تقلص القدرة على تصور نجاح الحركة. ونتيجةً لذلك يصبح جميع الأشخاص – سواء أتيحت لهم فرصة الهجرة أم لم تتح قط – أقل استعداداً للمشاركة في الحركة. وهذه الآلية تشكل نقطة انطلاق لحلقة مفرغة: فكلما أصبحت فرص الهجرة أكثر وأسهل، زادت الهجرة وتراجعت أعداد الفاعلين الذين تتم تعبئتهم، وبالتالي يقل احتمال نجاح التعبئة، الأمر الذي يصعب معه تصور حدوث تغيير سياسي.

هكذا فإن طرح الباحثة إميلي أ. سيلارس يسمح بملامسة فكرة رئيسية، ألا وهي أن وجود فرص الهجرة يقلص في حد ذاته من التعبئة بشكل مباشر (حيث يصبح الأشخاص الذين يستفيدون من فرص الهجرة أقل استعداداً للتعبئة) وبشكل غير مباشر (بفعل أن وجود فرص الهجرة يضعف ثقة المواطنين في العمل الجماعي، كونهم يستبقون وهن التعبئة جراء موجات الهجرة المفترضة).

النموذج المكسيكي

خلال الثورة المكسيكية (1920-1910) والسنوات التي تلتها، شهدت القرى صراعات نتيجة التوزيع غير المتكافئ للأراضي. وكرد على هذه الصراعات، اعتمدت الحكومة برنامج إصلاح خاص بالأراضي: حيث أصبح بإمكان مجموعات المزارعين مطالبة الحكومة جماعيا، بواسطة عرائض، بنزع ملكية كبار الملاكين ثم استرجاع أراضيهم، والتي تتم بعد ذلك إعادة توزيعها.

والحال أن العملية التي كان يستطيع من خلالها المواطنون الحصول على الأراضي كانت تتطلب تعاونهم بشكل صريح، حيث كان يتوجب توقيع وتقديم العرائض على مستوى كل بلدة، ولم تكن الأراضي تمنح إلا بعد تعبئة مجموعة لا بأس بها من الأفراد من كل بلدة. ونظرا لأن التواقيع كانت علنية، فإن قرار المشاركة في حركة زراعية كان “مكلفا” بشكل فوري، أي أن المرء يكون مكشوفا أمام الجميع، في حين أن المكاسب كانت غير مؤكدة. علاوة على ذلك، كانت عملية إعادة توزيع الأراضي عنيفة نسبيا، إذ وضعت فئات اجتماعية مختلفة في مواجهة بعضها البعض: فقد قام كبار الملاكين بتوظيف حراس مسلحين للدفاع عن ممتلكاتهم من المصادرة، فيما حمل قادة المتظاهرين السلاح لتخويف الملاكين وممثلي الدولة المحليين، مهددين بإحداث ثورة جديدة.

وفي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن التنقل بين المكسيك والولايات المتحدة كان سهلاً نسبياً في تلك الفترة، وأن السبب الأكبر للهجرة من المكسيك نحو الولايات المتحدة كان يكمن في الغموض الذي أحاط بالإصلاحات العقارية. وبالتالي، ترتب عن وجود فرص الهجرة آثار مهمة على التعبئة السياسية، حيث إن أكثر المهاجرين، أي الشباب في سن العمل الذين لا يملكون أراض، كانوا الأكثر تعبئة في بادئ الأمر.

وبالتالي، قلل هذا الأمر بشكل مباشرة من حدة الضغط على الحكومة فيما يتعلق بإعادة توزيع الأراضي، الأمر الذي جعل إمكانية الحصول على تنازلات أمرا صعبا للغاية. والحال أنه في أي بلدة كانت، إذا قرر عدد كبير من الأشخاص الهجرة، حتى في الوقت الذي كانت تنظر فيه السلطات المحلية في أمر العريضة، فإن البلدة بأكملها تصبح غير مؤهلة للحصول على الأراضي. وعليه، أقرت بعض الإدارات المكسيكية رسميا بأن النسب العالية للهجرة قد كانت من بين العوامل الرئيسية لرفض منح الأراضي الزراعية.

إلا أنه تجدر الإشارة إلى وجود فوارق جغرافية آنذاك، حيث إن المناطق التي استطاعت الحصول على الأراضي بشكل كبير هي التي كانت فيها نسبة الهجرة ضئيلة. ويرجع ذلك بالأساس إلى أن هذه المناطق لم يكن لديها إمكانية الوصول إلى السكك الحديدية، وهو ما كان يصعب الوصول إلى سوق العمل في الولايات المتحدة. كما كانت هناك أيضا اختلافات حسب الفترة الزمنية، فعلى إثر الكساد الكبير في الولايات المتحدة (1929)، تم إغلاق الحدود مع المكسيك، وأصبحت بذلك الهجرة مستحيلة، الأمر الذي أدى إلى تضاعف حركات التعبئة السياسية.

في هذا الإطار، يمكن إبراز التأثير المثبط لوجود فرص للهجرة. فقد كان التعاون بين المواطنين أمرا ضرورياً من أجل إنجاح الإصلاحات الزراعية، إلا أن هذا التعاون أصبح أكثر صعوبة مع تصاعد العنف وفرض عقوبات اقتصادية على الذين يدافعون على الإصلاح الزراعي. وقد أدت مغادرة الأفراد إلى إضعاف قدرة أولئك الذين ظلوا في البلد على الحصول على الأراضي، الأمر الذي قوض حركة التعبئة.

ومع ذلك أسفر هذا الوضع عن ردود متناقضة من الحكومة والنخب المكسيكية فيما يتعلق بسياسة الهجرة التي يجب اتباعها في عشرينات القرن الماضي. وقد قام أصحاب الأراضي ورؤوس الأموال المكسيكيون بالضغط على الحكومة حتى تمنع منح تأشيرات الخروج، خشية نقص القوى العاملة وما يترتب عنها من زيادة في الأجور. وفي حالات أخرى، فضل ملاكو الأراضي السماح للعمال بالرحيل، لتقليل خطر بروز حركات تعبئة.

النموذج الياباني

في الفترة ما بين أواخر القرن التاسع عشر ومنتصف القرن العشرين، شهدت اليابان هجرة واسعة نحو أمريكا اللاتينية، بدعم من الحكومة التي قدمت تسهيلات كبيرة. وبسبب الصعوبات الاقتصادية والسياسية، تسارعت وتيرة هذه الهجرة في عشرينات وثلاثينات القرن العشرين، وانخفضت مع اندلاع الحرب العالمية الثانية، قبل أن يتم تشجيعها مرة أخرى خلال فترة إعادة الإعمار ما بعد الحرب في الأربعينات والخمسينات.

وقد تزامنت موجات الهجرة هذه مع فترات من عدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي: فمنذ عشرينات القرن الماضي، رفعت سلسلة من المظاهرات التي نظمها العمال والفلاحون والبوراكومين (وهي فئة يابانية منبوذة) من مستوى تأهب النخب والحكومة.

ورداً على هذه المظاهرات، وضعت الدولة سياسة صارمة للغاية لقمع الحركات الاجتماعية، والتي روجت أيضا لبرامج تصدير القوى العاملة إلى أمريكا اللاتينية، من أجل تشجيع هجرة فئات معينة من العمال: ويتعلق الأمر بمثيري المشاكل. وقد كان الأشخاص المستهدفون على وجه الخصوص هم أولئك الذين كانوا الأكثر انخراطاً في التعبئة، وعلى رأسهم ممثلو النقابات. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن الحكومة لم تجبر هؤلاء الأشخاص على المغادرة، بل شجعتهم بشدة وقدمت لهم الدعم.

وقد كان هذا البرنامج يهدف أيضا إلى أن يصبح أداة لتخفيف الضغط السياسي، والتي سمحت للدولة، من خلال الحد من الضغط والتوترات، باستعادة السيطرة. ولهذا السبب عارضت النقابات إجمالا هذه التدابير، خشية تأثيرها على قدراتها على التعبئة وبالتالي تسريع تراجعها. ولهذا السبب أيضاً دعمت النخب اليابانية بشدة هذه البرامج في اليابان بعد الحرب العالمية الثانية. والحال أنها كانت نهجا “منخفض التكلفة” للحد من الاحتجاج الاجتماعي، وتجنب تقديم تنازلات مهمة (زيادة الأجور على سبيل المثال) في الآن نفسه. علاوة على ذلك، مكنت برامج الهجرة من تفادي الشرطة اللجوء إلى الحملات القمعية العنيفة، التي كانت ستكيل سيلا من الانتقادات للحكومة اليابانية، بما في ذلك على الصعيد الدولي.

خاتمة

يمكن عمل الباحثة إميلي أ. سيلارس من إزاحة الستار على العلاقة السلبية بين فرص الهجرة والتعبئة السياسية. وبالتالي فإن الفرص المتاحة لمغادرة البلاد في حد ذاتها تساهم في تقويض الديناميات الرامية إلى تحقيق التغيير الاجتماعي داخل البلد المعني. ويبرز تحليلها أيضاً مكامن استئثار سياسات الهجرة باهتمام الحكام الراغبين في الحد من الاحتجاجات. وحتى لو لم يتم استهداف فئة معينة من المواطنين فقط، فإن إدراك الساكنة لقدرة البعض على المغادرة يقلل من إلحاحية الدوافع التي تحث الجميع على الانضمام إلى حركات التعبئة السياسية. ونظراً لأنه يمكن للهجرة أن تكون وسيلة لتحقيق الاستقرار في الحياة السياسية للبلاد، فهي تعد بالتالي رافعة استراتيجية يمكن أن تستغلها الدولة والساكنة على حد سواء.

للمزيد:

Emily A. Sellars, « Emigration and Collective Action, » The Journal of Politics 81, no. 4, 2019.
DOI: 10.1086/704697

]]>
مونية بناني الشرايبي- ما الذي يدفع المغاربة إلى الخروج إلى الشارع؟ http://old.tafra.ma/%d9%85%d9%88%d9%86%d9%8a%d8%a9-%d8%a8%d9%86%d8%a7%d9%86%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%b4%d8%b1%d8%a7%d9%8a%d8%a8%d9%8a-%d9%85%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%b0%d9%8a-%d9%8a%d8%af%d9%81%d8%b9-%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ba/ Mon, 18 Jun 2018 14:09:09 +0000 http://old.tafra.ma/?p=547 مونية بناني الشرايبي، أستاذة العلوم السياسية في جامعة لوزان ، ومؤلفة العديد من الأعمال في علم اجتماع الحركات الاجتماعية ، والشباب ، والتعبئة الانتخابية ، والنضال - الجمعوي والحزبي - في سياق استبدادي.]]>

ما الذي يدفع المغاربة إلى الخروج إلى الشارع منذ الاستقلال؟

نذكر مسألة التعليم: ففي عام 1965، كانت هناك مذكرة تحظر على البالغين من العمر 17 سنة الالتحاق بالمدارس الثانوية، وهو الأمر الذي نتجت عنه أحداث الدارالبيضاء. وفي عام 1984، كان هناك الإعلان عن تدابير تمس بمجانية التعليم: وقد اتسمت هذه المرحلة بتعبئة هائلة في مختلف مناطق المغرب.

هناك أيضاً تكلفة العيش. فالاحتجاجات لم تبدأ مع حركة المقاطعة الواسعة في ربيع 2018، حيث شهدت البلاد ظهور التنسيقيات المناهضة لغلاء المعيشة في العقد الأول من هذه الألفية، وقبلها احتجاجات سنة 1981 التي صاحبت سياسات التقويم الهيكلي ثم ارتفاع أسعار المواد الأولية.

تضاف إلى هاتين الفئتين مسألة التشغيل والمعطلين من أصحاب الشهادات منذ سنة 1991، والتضامن مع القضايا الإقليمية: فلسطين والعراق. كما أن حرب الخليج دفعت بالناس إلى الشوارع في فبراير 1991، حيث شهدت البلاد أولى المظاهرات الكبرى.

إضافة إلى ذلك، هناك المسائل المتعلقة بالقيم والأعراف والحقوق، سواء تعلق الأمر بإصلاح مدونة الأحوال الشخصية في سنة 2000 أو المظاهرات من أجل إطلاق سراح المعتقلين السياسيين أو تلك المتعلقة بضحايا القمع وانتهاك حقوق الإنسان…

كيف تغيرت أنماط التعبئة منذ أواخر التسعينات؟

أعتقد أنها تغيرت كثيراً في ظل الديناميات المختلفة. أولاً، إذا عدنا إلى نهاية عهد الحماية، نرى أن التعبئة بدأت تنتقل شيئاً فشيئاً من القرى والبوادي “بلاد السيبة” إلى المدن الكبرى، فأصبحت هذه المدن مسرحاً للتعبئة فيما كان المخزن يحاصر العالم القروي. رغم ذلك كانت هناك حركات تعبئة بين الفينة والأخرى، لكن التعبئة الفعلية كانت تتم في المدن الكبرى.

ومع التحرير النسبي الذي شهدته البلاد، امتدت التعبئة إلى المدن المتوسطة والصغرى، بل وحتى إلى القرى والبوادي. فمع بروز حركة “20 فبراير”، عرفت البلاد تعبئة 110 منطقة في 24 أبريل. هذه هي النقطة الأولى في هذه المسألة.

أما المستوى الثاني فيتمثل في التغيير الذي طرأ على شخص المتظاهر، حيث انتقلنا من الخاصة إلى العامة. إذ كان الأمر ينحصر فيالفئات المُسيَّسة : كالطلاب، والعمال المنخرطين في النقابات، والموظفين، قبل أن تصير التعبئة أكثر تنوعاً. فأصبح من الممكن رؤية حركات تعبئة تضم باعة متجولين وسكان دور الصفيح، كما أنها شملت العنصر النسوي كذلك، كما يظهر من خلال حركة السلاليات التي استمرت منذ 2008 إلى غاية 2011.

هذه التحولات المتمثلة في الانتقال على المستوى المحلي من القرى إلى المدن، وفي التحول الذي طرأ على المتظاهرين، كانتا مصحوبتين بحركة أخرى تجلت في تهدئة التعبئة، أي أنه مع التحرير النسبي للفضاء السياسي، حدث تحول في طريقة احتواء المتظاهرين. إذ ستتوقف السلطات عن إراقة الدماء وسيكتسي التظاهر نوع من التهدئة. وبالتالي سيصبح الأمر أقل تكلفة نسبياً، حيث إن الخروج إلى الشوارع لم يعد ينتهي بحمام دم كما كان الحال عليه في سنة 1981 أو 1984. هنا أيضاً نلاحظ مظاهر التنوع، إذ لم تعد التعبئة حكراً على النقابات أو الأحزاب السياسية التي كانت تلجأ للشارع للضغط على السلطات، وهنا سنرى أن هذا التنوع ينطبق أيضا على أساليب العمل. فالأمر لم يعد يقتصر على الإضراب والتظاهر والاعتصام، بل بات يشمل القافلات وارتفاع عدد العرائض المقدمة والمقاطعة وغيرها.

كيف تغيرت إدارة السلطات للتعبئة؟

بين سنتي 1988 و1998، أدت العديد من الظواهر – من قبيل طرح حقوق الإنسان كمسألة مشروعة على المستوى الدولي، ومساعي الدول المجاورة لتحقيق الديمقراطية، والاستياء من الحرب الأهلية في الجزائر، والمخاوف مما ستؤول إليه المملكة، واعتلال صحة الملك – إلى خلق مناخ يشجع على التحرر السياسي.

على النقيض من ذلك، يبدو أن الصورة التي ترتبط فيها السياقات الدولية والإقليمية في الفترة ما بين 2013 و2018 بالزمن البيولوجي لملك المغرب تدعو بشكل أكبر إلى اتخاد تدابير مقيدة للتحرير. فأمام ملك تثير صحته الكثير من القيل والقال، وصور الحروب الأهلية التي تشهدها المنطقة، لم تعد فزاعة الفوضى تنفع مع المتظاهرين. أما السلطات، فتواجه صعوبة في إعادة ضبط أساليبها الاعتيادية. فمن أجل إيقاف الاحتجاج، تضطر إلى اللعب على الحبلين: أي تحاول عدم إعطاء الانطباع بأن الاحتجاج يؤتي أكله، وفي نفس الوقت تتجنب تكثيف ممارسة أعمال القمع حتى لا تتضاعف التعبئة الجماهيرية.

الكلمة الأخيرة

شخصياً، أرى أنه في زمن بوتين وترامب وأردوغان والأسد، وفي وقت نظمت فيه القوات المناهضة للثورة صفوفها على المستوى الإقليمي، تكمن الإشكالية فيما إذا كان القصر سينجر وراء الخطاب السائد المتمثل في أن العنف يؤتي أكله. في هذه الحالة، أعتقد أنه سيخاطر كثيراً، كما يقول المثل المغربي، “دخول الحمام ماشي بحال خروجو “. الآن لم يعد بإمكاننا الرجوع إلى الوراء. فقد شهد المجتمع قدراً كبيراً من التراكمات والتنظيم، فلم نعد نتحدث عن أشخاص يخرجون إلى الشارع لأن نقابة أو حزباً سياسياً دعا إلى الإضراب حتى يحقق مآربه الخاصة.

كما أن حتى آليات من قبيل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، وعمليات التعبئة الموسومة بالزبونية التي تتم خلال الانتخابات، قد مكنت من إقامة عدد من الشبكات، ما يعني أنه تم تعميم هذه الأعراف. لذلك يمكن لجميع هذه الشبكات، وليس فقط شبكات “فيسبوك”، أن تلعب دور آلية احتجاج. وبالتالي، لا أعتقد شخصياً أنه يمكننا العودة إلى الوراء.

]]>