Deprecated: Optional parameter $output declared before required parameter $attr is implicitly treated as a required parameter in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-content/themes/voice/core/extensions.php on line 166
Warning: Cannot modify header information - headers already sent by (output started at /home/taframa/old.tafra.ma/wp-content/themes/voice/core/extensions.php:166) in /home/taframa/old.tafra.ma/wp-includes/feed-rss2.php on line 8
ومع ذلك، فإن التحليل الإقليمي للديناميات الاجتماعية والسلوكيات الانتخابية يكشف عن أوضاع معاكسة لذلك على مستوى الجماعات المغربية، وهو ما يطرح التساؤل حول ما إذا كان الإطار التنظيمي والممارسات الحزبية يتماشيان مع الوضع الاجتماعي للمرأة.
في الجزء الأول من هذا التقرير، تقترح أليسيا فرانسوا ودافيد غوري تحليلاً دقيقاً لديناميات تمكين المرأة، انطلاقاً من سلسلة من المؤشرات المرتبطة بمستويات التعليم وسن الزواج والخصوبة ومعدلات النشاط والحصول على مداخيل نقدية مباشرة، كما يسلطان الضوء على الفوارق الإقليمية الكبيرة على مستويي التعليم وفرص الحصول على العمل المأجور.
أما في الجزء الثاني، فيتطرقان إلى التمثيل السياسي النسوي داخل المجالس المنتخبة، ويبينان أن المنطق التنظيمي المعتمد يحفز بشكل خاص المشاركة النسوية في الجماعات الأقل كثافة من الناحية السكانية في ربوع المملكة.
وللوقوف على الديناميات المتدخلة في هذه المسألة والاقتراب من فهمها، تقترح كل من فرانسوا وغوري إجراء تحليل للديناميات الجماعية في جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة بهدف استيعاب حجم الفوارق الإقليمية داخل جهتين هما الأكثر نشاطاً في المملكة. ولهذا الغرض، يرتكز الباحثان على بيانات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014 إضافة إلى بيانات انتخابية من الانتخابات الجماعية لسنة 2015.
بالموازاة مع الديناميات الاقتصادية والاجتماعية، قررت السلطات زيادة التمثيل النسوي داخل المجالس المنتخبة. لكن في إطار الانتخابات الجماعية لسنة 2015، فقد كان الأمر يتعلق ببروتوكول معقد ارتبط ارتباطاً وثيقاً بحجم الجماعات. وبالتالي، ففي الجماعات التي تقل ساكنتها عن 35 ألف نسمة، والمقسمة إلى أربع دوائر انتخابية ذات مرشح واحد، حصلت الدوائر الانتخابية الأربع ذات الكثافة السكانية الأعلى على مقعد تكميلي نسوي ثان.
أما في الجماعات التي تزيد ساكنتها عن 35 ألف نسمة وفي الدوائر، توجد لائحة نساء تضم 6 أسماء عن الجماعات والدوائر التي تقل ساكنتها عن 200 ألف نسمة، و8 أسماء عن نظيرتها التي تزيد ساكنتها عن 200 ألف نسمة.


غير أن عدد المقاعد مرتبط بدرجة كبيرة بحجم الساكنة، حيث إنه وفقاً لهذا المنطق التنظيمي، تضم الجماعات ذات الكثافة السكانية الأقل، أي التي لا يصل عدد سكانها إلى 7500 نسمة، المجالس البلدية ذات أكبر حضور نسوي بـ4 نساء منتخبات من أصل 15 عضواً بالمجلس، ما يعادل نسبة 26.67%. وتنضاف إلى هذا حالات استثنائية في جماعات الأحياء التابعة للقصور الملكية مثل تواركة بالرباط والمشور بالدار البيضاء، والتي تضم 13 عضواً منتخباً، من بينهم 4 نساء، أي أن نسبة المشاركة النسوية الدنيا تصل إلى 30.3%.
بالمقابل، كلما زاد حجم الجماعة، تراجعت نسبة المشاركة النسوية الدنيا داخل المجالس. حيث تنخفض إلى 23.53% في الجماعات التي يتراوح عدد سكانها بين 7500 و12 ألف و500 نسمة، والتي تتألف مجالسها من 17 عضواً منتخباً. وتصل هذه النسبة إلى 21.05% في الجماعات التي يتراوح عدد سكانها بين 12 ألفاً و500 و15 ألف نسمة، والتي تضم 19 عضواً منتخباً، كما تواصل الانحدار لتصل إلى 13.79% في الجماعات التي يتراوح عدد سكانها بين 25 ألف و35 ألف نسمة، وتضم 29 عضواً منتخباً. وأخيراً، ترتفع نسبة النساء المنتخبات لتصل إلى 20.69% في الجماعات ذات اللائحة الواحدة التي يزيد عدد سكانها عن 35 ألف نسمة، وتتألف مجالسها من 29 عضواً منتخباً لكن يفرض القانون أن تضم 6 نساء.
بيد أن هذه النسبة تتراجع إلى 17.14% في الجماعات التي يزيد عدد سكانها عن 50 ألف نسمة وتضم 35 عضواً منتخباً، وتواصل الانخفاض لتصل إلى 15.38% في الجماعات التي يزيد عدد سكانها عن 100 ألف نسمة وتضم 39 عضواً منتخباً، ثم إلى 13.95% في الجماعات التي يزيد عدد سكانها عن 150 ألف نسمة وتضم 43 عضواً منتخباً. أما بالنسبة للجماعات التي يصل عدد سكانها إلى 200 ألف نسمة وتضم 47 عضواً منتخباً، من بينهم 8 نساء، فإن النسبة القانونية الدنيا تصل على 17.02%، فيما تتراجع إلى 12.31% كحد أدنى في كُبريات البلديات مثل مكناس ووجدة وأكادير والقنيطرة، والتي تضم مجالسها البلدية 65 عضواً منتخباً.
أما فيما يخص الدوائر، يتباين عدد الأعضاء المنتخبين في مجالسها بشكل كبير، حيث يتراوح بين 19 بالدار البيضاء – أنفا و44 في الرباط – يعقوب المنصور، وهو ما يتسبب في تباين نسبة المشاركة النسوية المفروضة قانونياً. ففي أنفا، تصل نسبة المشاركة النسوية المفروضة إلى 31.58%، وهي الأعلى في المغرب، في حين أنها في يعقوب المنصور من بين الأدنى في المملكة، حيث لا تتجاوز 13.64%.


يتسبب هذا التعقيد القانوني إذن في تحيز إحصائي غير خطي، الأمر الذي يطرح إشكالية التمثيل النسوي. ففي الجماعات التي يصل عدد سكانها إلى 35 ألف نسمة، يؤدي اختيار مقعد تكميلي، بدل اللائحة الجماعية الخاصة بالنساء كما في انتخابات 2009، إلى إضعاف موقعهن، ويفرض عليهن أن يكن خلف الرجل وعرضة لهيمنته. وبالتالي، فإن جماعتين في إقليم الخميسات، وهما الغوالم وأولماس، لا تحققان العتبة القانونية الذي يقضي بوجود أربع نساء في المجلس الجماعي، حيث لا يضم المجلسان الجماعيان سوى امرأتين وثلاث نساء على التوالي. وقد أدت نزاعات سياسية عنيفة أثناء الانتخابات إلى إلغاء الاقتراع في دائرتين انتخابيتين رئيسيتين في الغوالم وفي دائرة انتخابية واحدة في أولماس، ما حال دون التصويت وأدى بالتالي إلى مجلس غير مكتمل.
حالياً، يبدو أن جماعات قليلة جداً تتجاوز العتبة القانونية. ففي جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة، يتجاوز التمثيل النسوي العتبة القانونية في 52 جماعة فقط، مقارنة بـ255 جماعة تمتثل للقانون بشكل صارم: 19 من أصل 215 جماعة قروية، أي 8.8% من الجماعات القروية، و16 من أصل 49 بلدية، أي 32.6% من البلديات، و17 من أصل 26 دائرة، أي 65.4% من مجموع الدوائر.
فبالنسبة لحالات انتخاب المرشح الواحد، يفترض أن تمثل امرأة واحدة القرية أو الحي، وبالنسبة لحالات الانتخاب باللائحة، يفترض أن تمنح أهلية الانتخاب في صدارة اللائحة لامرأة. لكن يظل من الصعب بالنسبة لامرأة أن تثبت نفسها كممثل وحيد للحي. ففي جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة، نجحت 25 امرأة فقط في الفوز بمقاعد من بين 3927 مقعداً متوفراً: أي أن 0.6% من الأعضاء المنتخبين في انتخابات المرشح الواحد، دون احتساب المقعد التكميلي، هن نساء. وتعد الهرهورة الجماعة الوحيدة التي تضم أقل من 35 ألف نسمة حيث نجحت امرأتان في تحقيق هذا الإنجاز.
ويبدو أنه من السهل بالنسبة للأحزاب في الجماعات التي تضم أكثر من 35 ألف نسمة وفي الدوائر أن تمنح أهلية الانتخاب للنساء، خارج اللائحة المخصصة لهن. إلا أن 52 امرأة فقط تم انتخابهن من ضمن اللائحة الرئيسية، وذلك من بين 1692 مقعداً متوفراً، لتصل نسبة التمثيل النسوي إلى 3%. وتمثل دائرة أكدال – الرياض استثناءً حيث تضم 7 نساء منتخبات من بين 30 اسماً في اللائحة الرئيسية. وتجدر الإشارة أيضاً إلى الجهد الاستثنائي الذي تم بذله في القنيطرة حيث تظهر 7 نساء على اللائحة الرئيسية التي ضمت 57 اسماً.


وأخيراً، توجد أقلية صغيرة من الجماعات المركزية يتركز فيها عدد كبير من النساء الناشطات والمتعلمات، وهي تتوفر على مجلس بلدي يضم تمثيلاً نسوياً كبيراً نابعاً من رغبة حقيقية من الأحزاب في تعزيز دور المرأة. أما في الجماعات الوسيطة، تظل النساء تمثلن أقلية ويجدن صعوبة في إثبات ذواتهن خارج الحصص التي يفرضها القانون. وبالتالي، إذا كان متوسط النساء في مجالس الدوائر يبلغ 23.8%، فإنه لا يتجاوز 19.2% في مجالس البلديات، فيما تصل النسبة إلى 20.7% في الجماعات القروية.
وفي هذا السياق، لا تتجاوز المشاركة النسوية نسبة 30% إلا في 8 جماعات فقط، وهي جماعتا تواركة والمشور، ودائرتان في الدار البيضاء (أنفا والحي المحمدي)، ودائرتان في الرباط (أكدال-الرياض والسويسي)، وجماعة آيت علي أو لحسن القروية التابعة لإقليم الخميسات، وبلدية دار الكداري الصغيرة التابعة لإقليم سيدي قاسم. وباستثناء دائرتي سباتة والصخور السوداء بالدار البيضاء ودائرة حسان بالرباط، فإن الجماعات الـ51 التي يتواجد فيها أكثر من 25% من النساء المنتخبات هي الجماعات القروية الأقل كثافة من حيث عدد السكان في الجهتين، وتنضاف إليها بلدية واحدة.


يتسم السلوك الانتخابي في الجماعات ذات المجالس التي تكون فيها نسبة التمثيل النسائي مرتفعة بتباين كبير، لإن المشاركة تكون أضعف بكثير في الدوائر مقارنة بالجماعات القروية بحوالي 40 نقطة (أي بمعدل 36% في الدوائر، مقابل 5%7 في الجماعات القروية).
وفي الدوائر الـ10 التي يتواجد فيها أزيد من 25% من النساء المنتخبات، حصد “حزب العدالة والتنمية” الصدارة (باستثناء دائرة السويسي بالرباط التي فاز بها “حزب الأصالة والمعاصرة”)، محققاً بذلك معدل 38%. ومن ناحية أخرى، من بين 46 جماعة قروية، 33 منها فقط كانت تضم مرشحين من “حزب العدالة والتنمية”، إذ لم يحل أولاً إلا مرة واحدة، محققاً بذلك معدل 7.9%، أي 30 نقطة أقل بالمقارنة مع ما حققه في الدوائر. وهكذا، يبدو أن التشريع يؤدي إلى رفع التمثيلية النسائية في سياقات سياسية جد مختلفة، سواء على مستوى المشاركة أو التوجهات الحزبية.
وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن الدوائر التي تتوفر على أكبر عدد من النساء المنتخبات هي التي عرفت أكبر معدلات مشاركة في الانتخابات، كدائرة أنفا بالدار البيضاء (بمعدل 37% مقابل 30% في المدينة ككل)، وكذلك أكدال-الرياض والسويسي بالرباط (الدائرتان الوحيدتان اللتان حققتا 45% و51% على التوالي متجاوزين بذلك معدل المشاركة). إلا أنها لم تكن الدوائر التي حقق فيها “حزب العدالة والتنمية” أفضل نتائجه، وهو الحزب الذي ساعدته نسبة المشاركة الضعيفة للناخبين. ونتيجة لذلك، فإن خيار إشراك النساء بصورة كبيرة في الانتخابات الجماعية في الدوائر التي تتمتع فيها النساء باستقلالية أكبر قد يكون استراتيجية ناجحة ليس فقط من حيث التعبئة الانتخابية، بل كذلك فيما يتعلق بإضعاف احتكار “حزب العدالة والتنمية” للساحة السياسية.






عقب الدورة الأولى، طُرحت مسألة تعيين رؤساء الجماعات، ويبدو أن النساء هن الفئة التي تأثرت على وجه الخصوص. إذ إن ثلاث جماعات فقط (1.4%) من أصل 215 جماعة قروية تتولى رئاستها نساء، وهن: فاطنة لكحيل رئيسة جماعة عرباوة (إقليم القنيطرة) والتي تتولى هذا المنصب منذ 2009، وهي شخصية سياسية بارزة تنتمي لـ”الحركة الشعبية”، وقد كانت نائبة برلمانية في الفترة ما بين 2002 و2016، ونائبة لرئيس مجلس النواب ما بين 2003 و2008، ومنذ 2017، شغلت منصب كاتبة الدولة المكلفة بالإسكان؛ ووفاء البوعمري رئيسة جماعة أولاد زيان (إقليم برشيد)، والي تتولى هذا المنصب منذ 2009، وهي أيضاً عضو في المكتب السياسي لـ”الحركة الشعبية”؛ وأخيراً كلثوم نعيم رئيسة جماعة لعطاطرة (إقليم سيدي بنور)، ابنة رئيس دائرة سيدي بنور السابق محمد نعيم، التي كانت تبلغ 26 عاماً حين تم انتخابها عن حزب “التجمع الوطني للأحرار”، والتي سبق لها أن شغلت منصب مستشارة جماعية وإقليمية في 2009، وقد تمكنت من أن تصبح مرشحة رئيسية في دائرة انتخابية تتوفر على مقعد نسائي تكميلي، الأمر الذي جعل دائرتها واحدة من الدوائر الانتخابية النادرة التي تعرف حضوراً نسائياً مضاعفاً. إن المسارات الثلاث الاستثنائية هذه تعكس صعوبة ترسيخ القيادة السياسية النسائية. هذا وتُعد رئيسات الجماعات الثلاث من بين النساء الـ25 اللواتي تم انتخابهن دون اللجوء إلى المقاعد التكميلية. وعلى ذلك، فإن الخطوة الأولى نحو الرئاسة تتجسد في أن تترشح المرأة في دائرة انتخابية ذات مقعد واحد.
وعلى نحو مماثل، لا تترأس النساء سوى ثلاث دوائر من أصل 26، وهي مقاطعة حسان في الرباط التي تترأسها سعاد الزخنيني (“حزب العدالة والتنمية”)، ومقاطعتي تابريكت وبطانة في سلا اللتان تترأسهما كريمة بوتخيل (“حزب العدالة والتنمية”) ورشيدة الحايل (“الحركة الشعبية”)، ما يجعل سلا المدينة التي تشغل فيها النساء أكبر عدد من المناصب القيادية.
ومن ناحية أخرى، ليست هناك أي دائرة أو مجلس جماعي بالدار البيضاء تترأسه امرأة، حيث تسند وظائف ثانوية إلى النساء تتمثل في نائبات الرئيس السادسة والتاسعة والعاشرة. ويُعد هذا تراجعاً مقارنة بالانتخابات السابقة لسنتي 2003 و2009، والتي انتُخبت فيها الاستقلالية ياسمينة بادو رئيسة لدائرة أنفا.
وفي سنة 2005، كانت دائرة أنفا تحظى بأكبر تمثيلية نسائية في المغرب نتيجة لهذا الإرث، حيث كانت ياسمينة بادو لا تزال على رأس اللائحة وذلك من أجل الدفاع عن ولايتها. وقد تمت محاكاة هذه الاستراتيجية المتمثلة في وضع النساء الجديرات بالانتخاب في اللائحة الرسمية من طرف “حزب الأصالة والمعاصرة”، كما اتبعتها أحزاب أخرى كـ”حزب العدالة والتنمية”. إلا أنه على خلاف ذلك، لم يرغب “حزب العدالة والتنمية” في تعزيز دور النساء في الدار البيضاء كما فعل في الرباط وسلا. وأخيراً، لا توجد امرأة على رأس أي بلدية في هاتين الجهتين، ما يجعل من هذا المستوى نقطة عمياء فيما يتعلق بمسألة الرفع من التمثيلية النسائية.
لم تصب الديناميات الحزبية في صالح وصول المرأة لمناصب رئاسة الجماعات. في الواقع، نادراً جداً ما دعمت الأحزاب عمليات ترشيح نسائية قيادية، خاصة في الدار البيضاء والرباط. ولهذا فإن ما حققته ياسمينة بادو في سنة 2003 و2009 ما هو إلا استثناء. ففي 2015، سادت هذه الدينامية على المستوى الوطني، حيث لم يتم انتخاب أي امرأة على رأس حاضرة مغربية كبرى كما كان الحال بالنسبة لفاطمة الزهراء المنصوري سنة 2009 بمراكش. وعموماً، تمكن العدد القليل من النساء اللواتي يشغلن مناصب الرئاسة في الجماعات من تأكيد حضورهم في المدن الثانوية الصغيرة مثل أزيلال وجرادة والدراركة وخاصة في الجماعات القروية.
ومن هذا، يتبين أن نظام الانتخاب على دورتين لتعيين الرؤساء لا يصب في مصلحة النساء، نظراً لغياب إرادة حزبية لتعزيز حضورهن على مستوى المناصب الرئيسية. فإذا كانت النساء تمثلن 21% من أعضاء المجالس الجماعية، فإن 17 منهن فقط تمكن من رئاسة جماعة ما، أي 1.1% من الجماعات المغربية. وعلى نحو مماثل، إذا كُنَّ يمثلن %37.6 من أعضاء المجالس الجهويين، فإن ولا واحدة منهن توجد على رأس أي جهة. وأخيراً، لا تمثل النساء سوى 4% من أعضاء مجالس العمالات والأقاليم الذين تم انتخابهم عن طريق الانتخابات غير المباشرة والوحيدة، وهناك مجلس عمالة واحد تترأسه امرأة، وهو مجلس عمالة مراكش. بالإضافة إلى ذلك، يتم إسناد الوظائف الثانوية إلى النساء داخل المجالس المختلفة على نحو منهجي، كما أنه نادراً جداً ما يصلن إلى المناصب المهمة مثل مناصب المالية أو التخطيط الحضري. هذا ويبدو أن الرفع من التمثيل النسائي داخل الجماعات الترابية تحدٍّ هائل في انتظار انتخابات 2021.
]]>ومع ذلك، فإن التحليل الإقليمي للديناميات الاجتماعية والسلوكيات الانتخابية يكشف عن أوضاع معاكسة على مستوى الجماعات المغربية، وهو ما يطرح التساؤل حول ما إذا كان الإطار التنظيمي والممارسات الحزبية يتماشيان مع الوضع الاجتماعي للمرأة.
في هذا الجزء الأول، تقترح أليسيا فرانسوا ودافيد غوري تحليلاً دقيقاً لديناميات تمكين المرأة، انطلاقاً من سلسلة من المؤشرات المرتبطة بمستويات التعليم وسن الزواج والخصوبة ومعدلات النشاط والحصول على مداخيل نقدية مباشرة. كما أنهما يسلطان الضوء على التعقيد الذي تتسم به الفوارق الإقليمية حسب أوساط العيش.
أما في الجزء الثاني، فسيتطرقان إلى التمثيل السياسي النسوي داخل المجالس المنتخبة، كما سيبرزان أن المنطق التنظيمي المعتمد قد حفز المشاركة النسوية في الجماعات ذات الكثافة السكانية الأقل في المملكة، لكن دون تعزيز وصول النساء إلى مناصب سياسية مهمة، خاصة منصب الرئاسة في مختلف المجالس.
ولفهم الديناميات المتدخلة في هذه المسألة بشكل أفضل، تقترح أ. فرانسوا ود. غوري إجراء تحليل للديناميات الجماعية على المستوى الوطني، قبل حصره في جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة بهدف استيعاب حجم الفوارق الإقليمية داخل جهتين هما الأكثر نشاطاً في المملكة. ولهذا الغرض، يرتكز الباحثان على بيانات الإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014 إضافة إلى بيانات انتخابية من الانتخابات الجماعية لسنة 2015.
سنختار هنا المقارنة بين ثلاثة أوساط عيش:
هذا ويصعب قياس مسألة استقلالية النساء، حيث إن المؤشرات المختارة تستند إلى تصورات مسبقة مبنية على نموذج مجتمعي معين، لذلك أصبحت المنظمات الدولية اليوم تفضل الاستناد إلى المستوى التعليمي أو سن الزواج أو الخصوبة أو العمل المأجور أو ريادة الأعمال داخل إطار تنظيمي. لكن تجدر الإشارة إلى أن هذه الظواهر ليست مترابطة بشكل منهجي، خاصة في السياق المغربي حيث ارتفعت معدلات متابعة الدراسات الثانوية والعليا بشكل ملحوظ منذ سنة 2004، وصاحب ذلك انخفاض سن الزواج إلى 25.7 سنة في 2014 مقارنة بـ26.3 سنة في 2004.
ومن هذا المنطلق، فإن الفوارق على المستوى الوطني حسب الأقاليم وأوساط العيش تتطلب تحليلا متعمقاً.
لا تتجاوز نسبة النساء الأميات في الدوائر 26.5%، بينما تصل نسبة النساء الحاصلات على شهادات عليا إلى 12.04%. بالمقابل فإن نسبة الأمية في البلديات تزيد عن ذلك بـ10 نقاط (36.8%)، في حين أن حصة النساء الحاصلات على شهادات عليا بالكاد تتجاوز النصف (5.8%). وأخيراً، فإن نسبة الأمية لدى النساء في الجماعات القروية مرتفعة جداً، حيث تبلغ 60.5%، في حين أن نسبة النساء الحاصلات على شهادات عليا تظل ضعيفة للغاية بمعدل 1.02%.
ويُتَرجم هذا التفاوت الكبير في المستويات التعليمية إلى اختلاف بسيط نسبياً في سن زواج النساء بين الدوائر (27.8 سنة) والبلديات (25.8 سنة) والجماعات القروية (25.3 سنة)؛ علما أن ارتفاع سن الزواج في الفترة ما بين 2004 و2014 قد شمل المدن والقرى على حد سواء. وعلى النحو ذاته، يلتقي السلوك الديمغرافي مع معدل الخصوبة الكلي المتمثل في 1.8 طفل لكل امرأة في الدوائر، و2.1 في البلديات، و2.5 في الجماعات القروية. لكن هنا أيضاً استمرت خصوبة النساء القرويات في الانخفاض، في حين شهدت خصوبة النساء الحضريات ارتفاعاً طفيفاً منذ 2004. وفي الوقت الحالي، لا يتجاوز عدد الجماعات التي تتوفر على معدل يفوق 3 أطفال 260 جماعة، في حين أن عدد الجماعات ذات معدل يتراوح بين 4 و5 أطفال لا يتجاوز 30 جماعة. فالنساء الأقل تعليما يقلدن نظيراتهن الأكثر تعليما، وذلك بالخصوص من أجل ضمان تعليم أعلى جودة لأطفالهن. وبالتالي، فإن نسبة تمدرس الفتيات بين 7 و12 سنة تصل إلى 98.1% في الدوائر، و97.5% في البلديات، و90% في الجماعات القروية.
هذا المنطق يشمل كذلك جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة، حتى وإن كانت النساء يتمتعن بمستوى تعليمي أعلى قليلاً. ففي دوائر الدار البيضاء والرباط وسلا (26 جماعة تضم 4.8 مليون شخص)، لا تتجاوز نسبة النساء الأميات 23%، في حين أن 13% من النساء يتوفرن على مستوى تعليم عال. وعلى النحو ذاته، في بلديات الجهتين (49 جماعة تضم 3.1 مليون شخص)، تصل نسبة النساء الأميات إلى 33%، مقابل 6.7% فقط من النساء الحاصلات على شهادات عليا. وأخيراً، في الجماعات القروية (215 جماعة تضم 3.4 مليون شخص)، تفوق نسبة النساء الأميات 60%، شأنها في ذلك شأن باقي الجماعات القروية في المملكة، في حين أن نسبة النساء الحاصلات على شهادات عليا لا تتجاوز 3.08%.
في دوائر الدار البيضاء والرباط وسلا، يترتب عن التفاوت في مستويات التعليم تأخر سن الزواج بحيث يتجاوز 28 سنة، وانخفاض معدل الخصوبة الكلي ليصل إلى 1.7 طفل لكل امرأة. من جهة أخرى، فإن معدلات الخصوبة في البلديات والجماعات القروية في الجهتين مطابقة للمعدلات في باقي المملكة، وهي على التوالي 2.1 و2.5 طفل لكل امرأة، بينما يظل سن الزواج أكثر انخفاضاً حيث يصل إلى 25.5 سنة في الجماعات الحضرية و23.6 في الجماعات القروية. ونتيجة لذاك، يبدو أن سن الزواج المبكر لم يؤثر كثيراً على معدلات الخصوبة؛ حيث إن جماعة واحدة فقط تحتفظ بمعدل خصوبة كلي أعلى من 4، في حين أن معدل الخصوبة الكلي أعلى من 3 في 33 جماعة فقط.
إضافة إلى ذلك، نجد من بين 12 جماعة ذات مؤشر خصوبة أقل من أو يساوي 1.5 ثمان دوائر في الرباط والدار البيضاء تتركز فيها النساء الحاصلات على شهادات عليا، مثل السويسي وأكدال الرياض، بالإضافة إلى جماعتين قرويتين صغيرتين معزولتين في إقليم الخميسات، وهما آيت يويحيى الحجامة وآيت مالك، التي يوجد بها أقل من 1% من النساء الحاصلات على شهادات عليا. لذلك يبدو أن هناك تقارباً قوياً في السلوك الديموغرافي بين أوساط العيش المختلفة، بغض النظر عن المستوى التعليمي للنساء.
وتتقارب معدلات تمدرس الفتيات من سن 7 سنوات إلى 12 سنة مع معدلات الجماعات الأخرى في المملكة: 98.3% في الدوائر، و97.4% في البلديات و90% في الجماعات القروية. هذا ولا يتجاوز معدل التمدرس نسبة 80% سوى في 15 جماعة قروية ضمن هاتين الجهتين، بينما تتوفر جماعة بوقشمير القروية في إقليم الخميسات على أدنى معدل تمدرس بنسبة 71%. ويرتبط ارتفاع معدل تمدرس الفتيات ارتباطاً وثيقاً بانخفاض الخصوبة.
إن الحصول على التعليم الثانوي أو العالي وتأخر سن الزواج وانخفاض معدل الخصوبة هي عوامل تتيح عادة إمكانية الوصول إلى سوق العمل وبالتالي زيادة المشاركة في الحياة الاقتصادية خارج إطار العمل المنزلي. ويعتبر الحصول على دخل مالي مباشر دون اللجوء إلى سلطة أسرية بمثابة المؤشر الحقيقي لاستقلالية المرأة، لكن مع ذلك، فإن الاتجاهات الوطنية خلال الفترة ما بين 2004 و2014 معقدة للغاية.
لقد شهد كل من معدل التمدرس ونسبة الخريجات الجامعيات تطوراً ملحوظاً، الأمر الذي يشير إلى وصول متزايد للتعليم النظامي والتزام الأسر بالسماح للفتيات بالحصول على الكفاءات التي تمكنها من تحقيق الاستقلالية الاقتصادية. إلا أن هذه العملية تؤدي أيضاً إلى حجب عمل النساء اللاتي يتم حصرهن سريعاً داخل إطار العمل المنزلي في الإحصاءات التي تحدد نوعاً نموذجياً من العمل وفقاً للمعايير الدولية، وهو المشاركة المباشرة في الأنشطة التجارية.
لذلك يجب تسليط الضوء على مجموعة من الاختلافات بين إحصاءي 2004 و2014. أولاً، في 2004، أخذ الإحصائيون بعين الاعتبار عمالة الأطفال ابتداء من سن 7 سنوات، بينما شمل إحصاء 2014 الأطفال العاملين الذين يبلغ عمرهم 15 سنة فما فوق. ورغم أن هذه الظاهرة قد انخفضت بشكل حاد، حيث أشار إحصاء 2014 إلى أن نسبة الأطفال العاملين الذين يتراوح سنهم بين 7 سنوات و15 سنة لا تتجاوز 1.5% (62 ألف طفل من بينهم 39.9% من الفتيات)، لكن رواسبها ما تزال موجودة رغم عدم ورودها في الإحصاء.
ثانياً، من المهم طرح تساؤلات حول التصريح بالنشاط. ففي بعض الجماعات القروية، انخفض عدد النساء العاملات بشكل حاد بين سنتي 2004 و2014؛ حيث شهدت جماعتان قرويتان متجاورتان وهما خزامة وسيروا، الواقعتان في إقليم ورزازات والمعروفتان بإنتاج الزرابي، تغيراً في عدد النساء العاملات في اتجاهين مختلفين: ففي حين انخفض عدد النساء العاملات في جماعة خزامة، التي كانت تتوفر على ثاني أعلى معدل نشاط للإناث في المملكة في سنة 2014 (70%)، من 2170 إلى 2150 امرأة عاملة خلال 10 سنوات، مع الحفاظ على نفس العدد من النساء المستقلات والعاملات كأعوان عائلية. بالمقابل، انخفض عدد النساء العاملات في جماعة سيروا من 2215 إلى 1217 (أي أن 998 امرأة أصبحت غير عاملة)، 60% منهن مستقلات و40% عاملات كأعوان عائلية. بالتالي، تثير هذه الاختلافات تساؤلات حول الخيارات التي اعتُمدت خلال إحصاء 2014 لتصنيف النساء على أنهن مستقلات أو عاملات دون أجر لفائدة أسرهن أو نساء عاملات.
نتيجة لذلك، انخفض معدل النشاط على المستوى الوطني وانخفض عدد النساء العاملات من 2.65 مليون إلى 2.51 مليون، مما أدى إلى حصر مقياس النشاط في العمل المأجور الذين يشمل حالياً 71% من الوظائف التي تشغلها الإناث وخاصة في القطاع الخاص الذي يمثل 57.3% من الوظائف. هذا وتعمل حالياً 1.4 مليون امرأة في القطاع الخاص مقابل 823 ألف امرأة في سنة 2004، كما ارتفع عدد العاملات في القطاع العمومي من 257 ألف إلى 350 ألف امرأة. وتجدر الإشارة أيضًا إلى أن عدد المشغلات النساء قد ازداد بثلاثة أضعاف، حيث بلغ 50 ألف امرأة. وبذلك تحسنت فرص الحصول على وظائف جيدة بالنسبة للمرأة المغربية.
من جهة أخرى، ظل عدد النساء المستقلات مستقراً في 350 ألف امرأة، في حين انخفض عدد النساء العاملات كأعوان عائلية إلى النصف. وهذا يثير التساؤل عما إذا كان هذا الأمر يعكس تراجعاً حقيقياً في عدد النساء العاملات في الأنشطة الاقتصادية الأسرية أم أنه يشير إلى تحيز إحصائي يتجاهل مشاركة النساء في الأعمال التجارية الأسرية الصغيرة بسبب عدم التصريح بهن كعاملات.
كما يمكن تفسير هذا الوضع بتغير الآفاق التي تتطلع لها النساء. فنظراً لتزايد فرص الحصول على التعليم، أصبحت النساء ترغبن في الحصول على وظائف أفضل. لكن رغم وصولهن بصورة أكبر إلى العمل المأجور، يبدو أن سوق الشغل غير قادرة على تلبية توقعات النساء اللواتي يصرحن ببطالتهن؛ لذلك فقد ارتفعت نسبة البطالة لديهن إلى 29.6%.
لكن هذا النمط يؤدي إلى فوارق مكانية هامة بين الجماعات، لأن الوظائف المأجورة في القطاع الخاص تبقى متركزة بشكل هائل في المناطق الاقتصادية الأكثر نشاطاً وخاصة في المراكز الحضرية. وفيما يخص مؤشرات النشاط والبطالة، فإن الدوائر تتميز بمعدل نشاط نسوي أكبر متمثل في 29.9%، في حين يبلغ معدل البطالة بين النساء 26.4%. أما بالنسبة للبلديات، فإن معدل النشاط يقل بـ10 نقاط ليستقر عند 19%، في حين يرتفع معدل البطالة بـ12 نقطة ليصل إلى 38.6%. وأخيراً، يواصل معدل نشاط النساء في الجماعات القروية في الانخفاض ليصبح 11.6%، في حين يبلغ معدل البطالة 35.2%.
كما قد تتوفر الجماعات القروية على معدل نشاط ومعدل بطالة شديدي الانخفاض: حيث لا تبحث النساء عن وظائف مأجورة بسبب عدم تواجد هذه الأخيرة في الوسط القروي، في حين تبحث نظيراتهن في بعض الدوائر الشعبية في الحواضر الكبرى والعديد من المدن المتوسطة باستمرار عن وظائف مأجورة رغم ندرتها.
وتتعمق هذه الفوارق في جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة، نظراً لقوة الدينامية الاقتصادية في الحواضر. ولهذا فإن الدوائر والبلديات تعرف معدل نشاط نسائي أعلى بـ5 نقاط (34% و24% على التوالي)، مقابل معدل أقل نسبياً في الجماعات القروية (11.2%). أما فيما يخص معدلات بطالة النساء، فهي أقل: 25.6% في الدوائر و32.3% في البلديات و33.3% في الجماعات القروية. وهكذا، فإن الجماعات التي تتميز بمعدلات نشاط قوية، أي تفوق 40%، تعرف معدل بطالة نساء أدنى من المعدل الوطني بـ13 نقطة، يتمثل في 16.1%. لكن في المقابل، يتجاوز معدل بطالة النساء 50% في 40 جماعة يصل متوسط نشاط النساء فيها إلى 8.7%.
إن التباينات السوسيو-إقليمية مرتفعة بشكل واضح في جهة الدار البيضاء سطات وجهة الرباط سلا القنيطرة، على الرغم من القرب النسبي بين الجماعات. وتمثل دائرة أكدال الرياض بالرباط نمطاً استثنائياً، حيث يبلغ معدل النشاط النسوي فيها 47.4%، كما أن بطالة النساء فيها منخفضة جداً (11.1%)، إضافة إلى توفرها على معدل حاصلين على شهادات عليا يصل إلى 39.3%، ومعدل خصوبة كلي يبلغ 1.5، وسن زواج يُعد من بين الأكثر تأخراً (30 سنة)، يوافق معايير البلدان المتقدمة. ويتكرر نفس النمط في دائرة الرباط السويسي وأيضاً في الهرهورة، الجماعة الساحلية الصغيرة التي يبلغ عدد سكانها 15,361 نسمة حسب إحصاء 2014، والتي يقطنها العديد من الأطر العاملين في الرباط. كما يتجاوز معدل النساء الحاصلات على شهادات عليا في هاتين الجماعتين 30%، مقارنة بـ5.4% على الصعيد الوطني.
ويمكن فهم هذه الخصوصية التي تتميز بها هذه الدوائر من خلال النظر إلى التقسيمات الإدارية المرتبطة بسياسات التخطيط التي تعطي الأفضلية لمناطق الفيلات والعمارات الفاخرة، وبالتالي تدعم الانتقاء الاجتماعي بقوة. أما الدوائر الأخرى التي تعرف معدلات مرتفعة للحاصلات على شهادات عليا فإن ساكنتها تكون أكثر كثافة وأكثر تنوعاً من الناحية الاجتماعية، كما هو الحال في دائرة حسان بالرباط أو المعاريف وأنفا والصخور السوداء بالدار البيضاء التي تتجاوز نسبة النساء الحاصلات على شهادات عليا فيها 15%.
هذه الجماعات هي نفسها التي تعرف أعلى معدلات نشاط النساء، والتي لا تتجاوز 40% سوى في سبع جماعات: وهي دوائر الرباط (أكدال الرياض، السويسي، حسان) إضافة إلى جماعة تواركة المرتبطة بالقصر الملكي، ودائرتين بالدار البيضاء (المعارف، أنفا). وتنضاف إلى هذا جماعة الهرهورة التي تم التطرق إليها سابقاً.
بالمقابل، توجد أدنى معدلات النشاط النسوي في جماعات قروية، بنسب تقل عن 5% في 26 منها. ولا تتوفر سوى 0.6% من النساء داخل هذه الجماعات على شهادات عليا. ويتأرجح معدل الخصوبة لدى هؤلاء النساء بين 1.9 و4.2، كما يتراوح معدل تمدرس الفتيات بين سن 7 و12 سنة بين 71% و95.6%، ما يشير إلى أن الأوضاع العائلية والدراسية التي يعشنها متباينة للغاية. وتشير المؤشرات التراكمية لبعض الجماعات إلى أن هذه الأخيرة تعيش دينامية ليست في صالح النساء، مثل جماعة بني يكرين في إقليم سطات حيث إن 36 امرأة فقط من بين نسائها البالغ عددهن 6,178 تعتبر من النساء العاملات، كما لا تملك أي منهن شهادة عليا، ولم تواصل سوى 2.1% منهن دراساتهن الثانوية، في حين أن 75.2% فقط من فتيات الجماعة قد التحقن بالمدارس، كما لا يزال معدل الخصوبة الكلي بها من بين الأكثر ارتفاعاً حيث يستقر في 3.2 أطفال لكل امرأة.
رغم توفر المغرب على إطار تنظيمي يعزز استقلالية المرأة، فقد مرت البلاد بانتكاسة معقدة خلال العقد الأخير. فتقدم سن زواج النساء وتراجع معدل نشاطهن وارتفاع معدل البطالة هي نتائج تخالف الإطار القانوني والجهود الرامية للنهوض بالمرأة. إلا أن هذه الظواهر أكثر تعقيداً: فقد استفادت النساء من تزايد إمكانية وصولهن للوظيفة المأجورة وإنشاء المقاولات بفضل مستوىً تعليمي أعلى نتج عنه تغيير في الأفق الاقتصادي. لكن الفرص المتاحة للنساء تبقى متركزة في بعض الأحياء بالحواضر الكبرى، ما نتج عنه استقطاب متزايد على مستوى التراب الوطني، وتباينات متنامية بين هذه الحواضر وباقي مناطق البلاد.
]]>واستناداً إلى قواعد بيانات “طفرة”، يتساءل كل من ناتو تارديو ودافيد غوري حول وجود رابط بين اللغة المحلية والسلوك الانتخابي من عدمه. وللإجابة عن هذا التساؤل، يقوم الباحثان بتحليل بيانات إحصاء سنة 2014 إلى جانب نتائج الانتخابات الجماعية لسنة 2015.
ونظراً للطابع المجالي لهذه اللغات، سيتم التطرق لكل واحدة منها على حدة. وبعدما تم التطرق إلى اللغات الأمازيغية، سيتناول هذا البحث الرابع اللغة الحسانية.
إن الحسانية التي يبلغ عدد الناطقين بها 320 ألف شخص تختلف عن باقي اللغات المحلية. فعلى عكس اللغات الأمازيغية التي تم التطرق إليها في السابق، تنتمي الحسانية إلى عائلة اللغات العربية نظراً لكونها أقرب إلى العربية الفصحى منها إلى الدارجة. ورغم أنها الأقل استخداماً بين اللغات المحلية داخل المملكة، فإنها تحظى ببعد دولي بارز. حيث إن الحسانية هي اللغة الأم لـ89% من الموريتانيين، كما أنها تمتد لتشمل جزءاً من الجزائر ومالي والسينغال، نظراً لأنها تُستخدم من طرف الصحراويين الرحل. أما في المغرب، فإن الناطقين بالحسانية يتركزون في ثلاث جهات: جهة العيون الساقية الحمراء (149,243 شخص، أي ما يعادل 41%)، وجهة كلميم واد نون (98,960 شخص، أي ما يعادل 32%)، وجهة الداخلة وادي الذهب (34,499 شخص، أي ما يعادل 11%). ونظراً لحركات الهجرة والجاذبية الاقتصادية الكبيرة التي تتمتع بها المدن الكبرى، فإن الحسانية أصبحت تمثل الأقلية في كافة هذه الجهات، باستثناء إقليم آسا الزاك، حيث ما تزال لغة غالبية السكان. كما أن مدينة آسا هي الجماعة الوحيدة في المملكة التي يتحدث أغلب سكانها الحسانية (58%). من جهة أخرى، فإن الحسانية هي أكثر اللغات المحلية تمديناً في المغرب: حيث إن 75% من الناطقين بها يعيشون في المدن. وفي سنة 2014، احتلت العيون صدارة المدن من حيث عدد السكان الناطقين بالحسانية، والمتمثل في 100 ألف شخص من أصل 217 ألفاً، حيث تتركز بها نسبة 31% من مجموع الناطقين بالحسانية في المملكة. وإلى جانب كلميم (31 ألف ناطق بالحسانية من أصل 118 ألف شخص) والداخلة (20,458 شخص من أصل 106 آلاف)، فإن العواصم الثلاث تضم 50% من الناطقين بالحسانية في المغرب. وإذا أضفنا إليها مدن طانطان والسمارة وبوجدور وآسا وطرفاية، فإننا نجد أنفسنا أمام 70% من الناطقين بالحسانية في المملكة.



بالمقابل، فإن الناطقين بالحسانية لا يتواجدون بكثرة في باقي المدن الكبرى بالمملكة: حيث لا تضم أكادير سوى 4,000 ناطق بالحسانية، مقابل 2,000 في الدار البيضاء، وأزيد بقليل من 1,500 في الرباط. وفي 2014، لم تضم 510 جماعات أي ناطق بالحسانية، كما أن المندوبية السامية للتخطيط اعتبرت أن هذه اللغة كانت غائبة عن 34 إقليماً.
إن جهة العيون الساقية الحمراء هي الوحيدة التي تضم أغلبية الجماعات التي يتجاوز فيها معدل الناطقين بالحسانية 50% (11 جماعة من أصل 20)، بينما تصل نسبة الجماعات التي تملك نفس المعدل إلى الثلث في جهة كلميم واد نون (17 جماعة من أصل 53) والخُمس في جهة الداخلة وادي الذهب (3 جماعات من أصل 14).


وفقاً للإحصاء العام للسكان والسكنى لسنة 2014، لا تفوق نسبة الناطقين بالحسانية 10% إلا في 50 جماعة، منها 31 جماعة تضم أغلبية ناطقة بالحسانية، و16 منها فقط هي التي يتحدث أكثر من 90% من سكانها بالحسانية.


مع ذلك، عرفت الجهة تباينات مهمة بين نتائج إحصاء الساكنة في 2014 والانتخابات الجماعية لسنة 2015؛ حيث تخطى عدد المصوتين في 16 جماعة عدد السكان، فيما تبين أنه في 9 جماعات كان عدد المصوتين أقل من 20% من مجموع السكان. والحال أن أغلب الجماعات توجد خلف الجدار الرملي وبالتالي فهي خالية من السكان، ومنها مجيك وزوك وأغوينيت، بالإضافة إلى الكويرة، بينما يعتبر التعداد السكاني في جماعات أخرى مثل تيفاريتي ضعيفاً للغاية. ويُضاف إلى هذه الجماعات عدد كبير من الجماعات الصغيرة المحيطة بالمدن الكبرى، والتي تعاني من ضعف في البنيات التحتية والفرص الاقتصادية، لكن تضم مع ذلك مصوتين من الأسر الأصلية.

نتيجة لذلك، تضم المدن الرئيسية نسبة صغيرة جداً من المصوتين مقارنة بعدد سكانها، وأكثر هذه المناطق ضعفاً من حيث عدد المصوتين هي مدينة الداخلة (%15) التي تحتضن مقر عمالة إقليم أوسرد وأكبر عدد من الساكنة الحضرية في الجهة؛ لكن هذا هو الحال أيضاً بالنسبة للعيون وكلميم والسمارة (%21) وطانطان (25%). من جهة أخرى، يضم عدد من الجماعات الساحلية صيادين موسميين، أغلبهم ينحدرون من جهات مختلفة، وهم لا يشاركون في الانتخابات المحلية. وعلى نحو مماثل، فإن الجماعات المتاخمة للحدود تحتضن العديد من الثكنات العسكرية التي لا يصوت ساكنوها، مثل الزاك والمحبس وبئر أنزران وكلتة زمور. وهكذا، يوجد عدد قليل جداً من المصوتين مقارنة بعدد الساكنة المحصية، والتي تتميز بوجود عدد كبير من الرجال تقابله نسبة قليلة جداً من الأطفال. وأخيراً، يعتبر الناطقون بالحسانية الأكثر تعبئة أثناء الانتخابات، حيث يدعمون العائلات الكبيرة المنحدرة من قبائل مهمة مثل قبيلة الركيبات في جهة العيون أو أولاد دليم في الداخلة.
وقد تصدر “حزب الاستقلال” أغلب اللوائح في الانتخابات الجماعية لسنة 2015 في 62 جماعة (25 مرة)، متبوعاً بحزب “التجمع الوطني للأحرار” (10) ثم حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (8) و”الحركة الشعبية” (6) و”حزب الأصالة والمعاصرة” (5) وأخيراً “حزب العدالة والتنمية” و”حزب العمل” و”حزب الإصلاح والتنمية” (مرة واحدة لكل منها).




وبالحصول على 126,68 صوتاً من أصل 203,061 صوتاً محتسباً، حصد “حزب الاستقلال” أكبر عدد من الأصوات (%34)، متبوعاً بـ”التجمع الوطني للأحرار” (%15) و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”حزب العدالة والتنمية” (%10) ثم “حزب الأصالة والمعاصرة” (%9) و”الحركة الشعبية” (%7) و”الاتحاد الدستوري” (%4) و”حزب النهضة والفضيلة” (%1) و”حزب العمل” (%1). وهكذا، أثر تصويت الناطقين بالحسانية على أكبر حزبين سياسيين في المغرب، واللذين حققا نتائج أدنى بكثير من المعدل الذي يحققانه على المستوى الوطني، أي بأقل من 11 نقطة بالنسبة لحزب “العدالة والتنمية” وأقل من 10 نقاط لحزب “الأصالة والمعاصرة”، وذلك رغم الجهود المكثفة التي بذلها الحزبان للوصول لهذه الجماعات. وقد فضل الناطقون بالحسانية التصويت لـ”حزب الاستقلال” دون منازع (20+ نقطة)، ثم “الاتحاد الاشتراكي” و”التجمع الوطني للأحرار” بنسبة أقل (3+ نقاط لكل منهما). ويمكن تفسير استقطاب الأصوات هذا أساساً بالأهمية التي تحظى بها العائلات السياسية الكبرى المتنافسة.
في جهة كلميم واد نون، تساهم الجماعات ذات الأغلبية الناطقة بالحسانية في الإبقاء على هيمنة حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” على معقلها في المناطق المحيطة بقبيلة أيت أوسى، بينما تدعم عائلة بوعيدة، التي كونت ثروتها من مطاحن الدقيق والمحروقات مع مجموعة “بتروم”، “التجمع الوطني للأحرار” انطلاقاً من جماعة لقصابي تاكوست. بالمقابل، يهيمن “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” على مدينة كلميم بفضل الأخوين بلفقيه المنحدرين من آيت باعمران. وفي الانتخابات الجهوية، مكن التحالف الواسع الذي حشده “التجمع الوطني للأحرار” من انتخاب عبد الرحيم بوعيدة لرئاسة المجلس الجهوي، بفضل أغلبية بسيطة من الأصوات (20 منتخباً مقابل 19). إلا أن هذا التحالف قد تفكك عندما انتقل 3 من مستشاريه للمعارضة في مارس 2017، مما أدى إلى شلل المجلس الجهوي.
من ناحية أخرى، يهيمن “حزب الاستقلال” على جهة العيون الساقية الحمراء ذات الدلالة الرمزية الكبيرة، حيث إنه يترأس 55% من الجماعات، من بينها العيون وبوجدور، وبذلك حصد رئاسة الجهة بـ20 مقعداَ من أصل 39. وتتجسد هذه الهيمنة في عائلة ولد الرشيد، فالحاج إبراهيم ولد الرشيد هو شيخ قبيلة الركيبات. هذا وقد شغل أخوه خليهن ولد الرشيد، المدافع عن مغربية الصحراء منذ 1974، منصب وزير الشؤون الصحراوية، وكان نائباً عن العيون، ثم رئيساً للمجلس الملكي الاستشاري للشؤون الصحراوية. أما شقيقه الآخر، فهو الحاج مولاي حمدي ولد الرشيد النائب عن العيون ورئيس جماعة العيون إلى يومنا هذا.
ومنذ 2015، أمسك الجيل الشاب بزمام الأمور، فقد انتخب ابن الحاج إبراهيم، حمدي إبراهيم، رئيساً للمجلس الجهوي في 2015، بينما يعد ابن الحاج مولاي حمدي، سيدي محمد، أول نائب رئيس لجماعة العيون، كما أنه قد حصل على مقعد في مجلس المستشارين في نفس السنة. وترتكز مكانتهم السياسية على شبكة الشركات العائلية الناشطة في قطاعات الرمل والمحروقات والعقار والصيد. أما الحاج مولاي حمدي وابنه فهما عضوان في غرفة التجارة والصناعة والخدمات التي يترأسها أحد أقربائهما، خليل ولد الرشيد، منذ 2015. وقد مكنتهم قوة شبكاتهم الاقتصادية في الجنوب من الظفر بمقعدين في مجلس المستشارين مخصصين للاتحاد العام لمقاولات المغرب بالجنوب (جهة سوس ماسة، وجهة كلميم واد نون، وجهة العيون الساقية الحمراء، وجهة الداخلة وادي الذهب) من خلال انتخاب محمد سالم ومولاي إبراهيم الشريف، اللذين التحقا فوراً بصفوف “حزب الاستقلال” على حساب الاتحاد العام لمقاولات المغرب، وهما يلعبان الآن دوراً مهماً داخل “حزب الاستقلال” من خلال منح إدارة الاتحاد العام للشغالين بالمغرب (النقابة التابعة لـ”حزب الاستقلال”) لصهر الحاج إبراهيم النعم ميارة، وهو أيضاً عضو في المجلس الجهوي للعيون.
هذا وتسعى عائلات كبيرة أخرى إلى التنافس مع عائلة ولد الرشيد، حيث إن عائلة الدرهم التي كان ربها أحد مؤسسي “الاتحاد الوطني للقوات الشعبية”، قد عززت حضور شبكتها في العيون والداخلة، نظراً لامتلاكها موارد مالية مهمة بفضل مجموعتها المتخصصة في المحروقات التي تحمل اسم “أطلس”. ففي سنة 2007، تم انتخاب الابن حسن نائباً تحت لواء “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، فيما انتُخب شقيقه سليمان نائباً عن الداخلة في نفس السنة. وفضلاً عن كونه رئيساً لبلدية المرسى (إقليم العيون) منذ سنة 2009، انتُخب حسن في 2011 عن الداخلة، بينما انتخبت أخته رقية الدرهم عن اللائحة الوطنية الخاصة بالشباب والنساء.
مع ذلك سيتم إبعادهم تدريجياً من العيون ثم من الداخلة من قبل عائلة الجماني، ورثة خطري ولد سيدي سعيد الجماني الذي كان مقرباً من الحسن الثاني. وتمكن سيدي صلوح الجماني من التغلب على سليمان الدرهم والفوز برئاسة جماعة الداخلة سنة 2015 تحت لواء “الحركة الشعبية”، كما أنه حصل على مقعد في مجلس المستشارين. أما سيدي المختار الجماني، فقد انتُخب رئيساً في مجلس المستشارين عن جهة الداخلة عبر غرفة الصيد البحري الأطلسية الجنوبية التي يرأسها. وقد تحقق هذا بفضل دعم أعضاء عائلة الجماني الثلاثة الآخرين الذين تم انتخابهم في المجلس كذلك، ومنهم سيدي صلوح، تحت لواء حزب “الحركة الشعبية” كذلك.
أما في مدينة العيون سنة 2016، فقد انتُخب سيدي محمد الجماني تحت لواء “حزب الأصالة والمعاصرة” بعد أن تم انتخابه عضواً في البرلمان عن دائرة السمارة بصفته عضواً في حزب “التجمع الوطني للأحرار” في 2011. وتتمتع عائلة الجماني بحضور مهم في الرباط، يتجسد في شخص سيدي ابراهيم الجماني النائب المنتمي لـ”حزب الأصالة والمعاصرة” منذ 2011 في دائرة الرباط-شالة. وتبقى عائلة الدرهم حاضرة على المستوى الوطني من خلال رقية الدرهم كاتبة الدولة المكلفة بالتجارة الخارجية منذ 2017، والتي عملت بدورها على انضمام الشخصية الشابة الجنوبية الأخرى مباركة بوعيدة كاتبة الدولة المكلفة بالصيد البحري.
قد يكون عدد الناطقين بالحسانية ضئيلاً جداً، إلا أنهم يشغلون مكانة بارزة نظراً للأهمية التي تتميز بها الأقاليم الصحراوية منذ 1975. وقد ارتكزت السياسة المحلية على منطق الشبكات السلالية الموروثة عن المسيرة الخضراء. وأسست الشخصيات التي دعمت مغربية الصحراء إمبراطوريات اقتصادية وسياسية مع دعم من الملكية والإدارة المركزية. وقد زادت الكثافة المنخفضة للساكنة وخصوصيتها من حدة المنافسة بين الأعيان، مما جعل من كل صوت مكسباً ثميناً. وتمكن هؤلاء من الحفاظ على نفوذهم من خلال الاستفادة من أجيال عديدة من الشخصيات السياسية: حيث حل الأشقاء محل الآباء المؤسسين ما قبل المسيرة الخضراء؛ ثم تلَتهم الأسر الممتدة منذ بضع سنوات، وهو ما مكن شخصيات جديدة قادرة على بت نفس جديد في القيادة الأسرية من الظهور على الساحة. وهكذا تمكنوا من مقاومة ضغوط “حزب الأصالة والمعاصرة” الذي رغم ذلك وضع الأقاليم الصحراوية ضمن أهدافه ذات الأولوية في 2009: حيث دعم الحزب محمد الشيخ بيد الله، وزير الصحة المنحدر من مدينة السمارة والوالي السابق، من أجل الحصول على كاتب عام صحراوي، ومن ثم الظفر برئاسة مجلس المستشارين بعد مرور ما يقارب سنة عن إنشاء الحزب.
إلا أن تحولاً حصل، حيث أدى نمو الساكنة المنحدرة من مناطق أخرى من المملكة إلى تهميش الشبكات الحسانية من الناحية العددية، فبات يتعين على العائلات الكبرى أن تكسب جمهوراً أوسع، وذلك من خلال إدماج الوافدين الجدد في شبكاتها، خصوصاً عبر الغرف المهنية. غير أن مواصلة هذه السياسة مع مرور الوقت تبدو أمراً صعباً. حيث إن “حزب العدالة والتنمية”، وعلى الرغم من حضوره الضعيف على الصعيد المحلي، قد فاز منذ 2011 بمقعدين في مجلس النواب عن العيون والداخلة، كما أنه حافظ عليهما في 2016. وتواجه العائلات الحسانية خطر التمزق في المستقبل نتيجة لعبة التسجيل الانتخابي، حيث سيكون عليها أن تختار بين الحفاظ على الجماعات الصغيرة ذات الساكنة المنخفضة أو تركيز كل قواها على العاصمتين الجهويتين.
]]>واستناداً إلى قواعد بيانات “طفرة”، يتساءل كل من ناتو تارديو ودافيد غوري حول وجود رابط بين اللغة المحلية والسلوك الانتخابي من عدمه. وللإجابة عن هذا التساؤل، يقوم الباحثان بتحليل نتائج الانتخابات الجماعية لسنة 2015 على ضوء بيانات إحصاء 2014.
ونظراً للطابع المجالي لهذه اللغات، سيتم التطرق لكل واحدة منها على حدة، لذلك سيتطرق هذا البحث إلى بتاريفيت.
إن أزيد من 1.36 مليون مغربي يتحدثون تاريفيت، أي ما يعادل 4% من ساكنة المملكة، وهي بذلك أقل لهجات اللغة الأمازيغية رواجاً في المغرب، بحيث تقل نسبة استعمالها مرتين عن تمازيغت وأربع مرات تقريباً عن تشلحيت. وعلى عكس باقي الناطقين بالأمازيغية، يتواجد أغلب المتحدثين بتاريفيت في المناطق الحضرية (57% مقابل 49% بالنسبة للناطقين بتشلحيت و39% بالنسبة للناطقين بتمازيغت).



ومع ذلك، فإن تاريفيت تظل متمركزة بشكل كبير في مناطق نشأتها. حيث إن 89% من المتحدثين بها يتوزعون على الجهة الشرقية (62% من المتحدثين بتاريفيت) وجهة طنجة تطوان الحسيمة (27% من المتحدثين بتاريفيت). وفي هاتين الجهتين، تأوي ثلاثة أقاليم – وهي الناظور والحسيمة والدريوش – غالبيةً ناطقة بتاريفيت بنسب 63.6% و77.9% و 92.5% على التوالي، وهي بذلك تضم ثلثي الناطقين بتاريفيت في المملكة.
وباستثناء طنجة التي تعد ثاني مدينة من حيث عدد الناطقين بتاريفيت في المملكة بعد الناظور بـ52,318 متحدث بتاريفيت، تمثل هذه الأخيرة الأقلية في المدن المغربية الكبرى. ففي وجدة، عاصمة الجهة الشرقية، لا تصل نسبة المتحدثين بتاريفيت إلى 5% من الساكنة، أي ما يعادل 21,968 نسمة. كما أن الناطقين بتاريفيت لا يمثلون الأغلبية في أيٍّ من جهات المملكة، حيث يشكلون 36.5% من ساكنة الجهة الشرقية، و10.4% من ساكنة جهة طنجة تطوان الحسيمة، و2.4% من ساكنة جهة فاس مكناس.
إضافة إلى ذلك، فإن بعد المسافة يؤدي إلى حضور تاريفيت بصورة ضعيفة: حيث إن أقل من 1% من سكان الرباط يتحدثون تاريفيت، أي ما يعادل 4431 شخصاً، مقابل 0.3% من سكان الدار البيضاء (8000 شخص)، و0.2% من سكان مراكش (1300 شخص). أما في باقي مدن الجنوب، لا يتحدث تاريفيت سوى بضع مئات من الأشخاص.
وأخيراً، فإن عدد الجماعات المغربية التي تضم نسبة ناطقين بتاريفيت تفوق 1% لا يتجاوز 215 من أصل 1538 جماعة، أما عدد الجماعات التي يمثل فيها هؤلاء الأغلبية فيصل إلى 89 جماعة، في حين أن عدد الجماعات التي تبلغ فيها نسبة الناطقين بتاريفيت 90% من الساكنة لا يتجاوز 60 جماعة، تشكل تكتلاً شديد التماسك حول منطقة الريف التاريخية.
في 89 جماعة حيث يشكل الناطقون بتاريفيت الأغلبية، تم احتساب 532292, من الأصوات التي تمثل 58.7% من المسجلين في الانتخابات الجماعية لسنة 2015. وفي هذه الجماعات، تصدر “حزب الأصالة والمعاصرة” اللوائح الانتخابية أكثر من غيره (40 مرة)، متبوعاً بحزب “الاستقلال” (14)، ثم “الحركة الشعبية” (13)، “التجمع الوطني للأحرار” (10)، و”العدالة والتنمية” و”العهد الديمقراطي” (4 مرات لكل منهما)، وأخيراً “التقدم والاشتراكية” و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (مرتان لكل منهما).





وقد حصل حزب “الأصالة والمعاصرة” على %29 من الأصوات المدلى بها، أي على 85,218 صوتاً من أصل 292 532 ,، يليه حزب “الحركة الشعبية” (14%)، ثم “الاستقلال” و”التجمع الوطني للأحرار” (12%)، و”العدالة والتنمية” (10%)، و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (7%)، و”العهد الديمقراطي” و”التقدم والاشتراكية” (5%)، و”النهضة والفضيلة” (2%). وقد بلغ مجموع نسب التصويت الخاصة بالأحزاب الـ9 96% من الأصوات المحتسبة في هذه المنطقة. وعليه، أثر تصويت المناطق الناطقة بتاريفيت على حزب “العدالة والتنمية”، الذي حصل على نتيجة أقل بكثير من معدله الوطني (11- نقطة)، وأثر بدرجة أقل على “الكتلة”، أي حزب “الاستقلال” و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” و”التقدم والاشتراكية”، أما “التجمع الوطني للأحرار” وحزب “العهد الديمقراطي” فقد حافظا على معدلهما الوطني. ومن جهة أخرى، كان حزب “الأصالة والمعاصرة” الحزب الأكثر تعبئة (11+ نقطة) نظراً لقاعدته في إقليم الحسيمة، فضلاً عن الدريوش وجماعات أخرى تابعة لإقليم تازة أو تاوريرت كأكنول أو تنشرفي. غير أن الوضع كان أكثر تعقيداً في إقليم الناظور حيث تفوق عليه حزب “الحركة الشعبية” محققاً نتيجة أعلى من معدله الوطني (5+ نقاط). إن هذه الاختلافات في القاعدة السياسية تؤدي إلى مسارات متباينة في الجهتين اللتين يوجد فيهما أغلب الناطقين بتاريفيت.
في جهة طنجة تطوان الحسيمة، كان تصويت الناطقين بتاريفيت يهدف بالأساس إلى التساوي مع حزب “العدالة والتنمية” المهيمن على المدن الكبرى (طنجة، وتطوان، وشفشاون، ووزان، والفنيدق). والحال أنه عقب التقسيم الجهوي لسنة 2012، استفاد حزب “الأصالة والمعاصرة” بشكل كبير من ضم إقليم الحسيمة إلى الجهة الجديدة، فهذا الإقليم يعد أحد معاقله الانتخابية الرئيسية، إذ أصبح على رأس 64% من الجماعات التي حصدت أكثر من نصف الأصوات المحتسبة لصالح إلياس العماري، المنحدر من الإقليم والأمين العام لحزب “الأصالة والمعاصرة” ما بين يناير 2016 ومايو 2018. وقد فرض الحزب نفسه تدريجياً منذ 2009 إلى أن هيمن فعلياً على الساحة السياسية. وبفضل دعم حزبي “الحركة الشعبية” و”التجمع الوطني للأحرار” (اللذان كانا ضمن الأغلبية الحكومية سنة 2015 إلى جانب حزب “العدالة والتنمية”)، أسهم إقليم الحسيمة في انتخاب إلياس العماري رئيساً للجهة. وبالتالي فقد لعب الناطقون بتاريفيت دوراً رئيسياً بالرغم من كونهم أقلية بالكاد تشكل 10% من الساكنة.




أما في الجهة الشرقية، فإذا كان حزب “الأصالة والمعاصرة” قد فاز برئاسة الجهة بفضل عبد النبي بعيوي، فإن وضع الجماعات الناطقة بتاريفيت يُعد أكثر تعقيداً. إذ رغم احتلال حزب “الأصالة والمعاصرة” الصدارة في إقليم الدريوش، فإنه حل خلف حزب “الحركة الشعبية” في إقليم الناظور وأمام حزب “التجمع الوطني للأحرار”، نظراً لتأثير مصطفى المنصوري الوزير السابق والرئيس السابق لمجلس النواب (2010-2007) الذي انتُخِب نائباً منذ سنة 2002. وإضافة إلى ذلك، كان عليه مواجهة النائب عن حزب “الحركة الشعبية” محمد الفاضلي في الدريوش، والذي يُعد أحد أهم أعضاء حزبه (حيث احتل الصدارة في الانتخابات التشريعية لسنة 2016). وهكذا اضطر حزب “الأصالة والمعاصرة” إلى الاعتماد على أحزاب معارضة أخرى (“الاستقلال”، و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، و”الاتحاد الدستوري”، و”العهد الديمقراطي”) في 2015 من أجل الحفاظ على رئاسة الجهة في مواجهة عبد القادر سلامة الذي ينحدر من الناظور والذي انتُخِب عضواً بمجلس المستشارين عن حزب “التجمع الوطني للأحرار”.




إن تصويت الناطقين بتاريفيت يلعب دوراً هاماً رغم أن المساحة الجغرافية التي تغطيها هذه اللهجة تظل أصغر مقارنة بباقي لهجات اللغة الأمازيغية. فالبُعد الرمزي القوي لهذا التصويت هو ما مكن من صعود بعض الشخصيات السياسية إلى الساحة الوطنية، كما كان الحال مؤخراً بالنسبة لإلياس العماري من حزب “الأصالة والمعاصرة”، ومصطفى المنصوري من حزب “التجمع الوطني للأحرار”. ومع ذلك، تجدر الإشارة إلى أن تصويت الأغلبية لصالح أحزاب إدارية صاحبته حركة احتجاجية واسعة في مدينة الحسيمة، لم تكن متعلقة بمطالب اجتماعية فحسب، بل ثقافية أيضاً، تمثلت في المطالبة بالاعتراف بهوية محددة لا تجد نفسها في التقسيم الجهوي القائم.
]]>واستناداً إلى قواعد بيانات “طفرة”، يتساءل كل من ناتو تارديو ودافيد غوري حول وجود رابط بين اللغة المحلية والسلوك الانتخابي من عدمه. وللإجابة عن هذا التساؤل، يقوم الباحثان بتحليل نتائج الانتخابات الجماعية لسنة 2015 على ضوء بيانات إحصاء 2014.
ونظراً للطابع المجالي لهذه اللغات، سيتم التطرق لكل واحدة منها على حدة، لذلك سيتطرق هذا البحث إلى تمازيغت.
يتحدث 7.9% من المغاربة تمازيغت، أي ما يعادل 2.6 مليون نسمة. ويتركز هؤلاء في ثلاث جهات: جهة درعة-تافيلالت، حيث يتواجد 791,898 ناطقاً بتمازيغت، وهي الجهة الوحيدة التي تضم غالبية من الناطقين بتمازيغت بنسبة 54% من الساكنة؛ جهة بني ملال-خنيفرة بـ760,218 ناطقاً بتمازيغت، بنسبة لا تزيد عن 45% من ساكنتها؛ وجهة فاس-مكناس التي تضم 549,671 ناطقاً بتمازيغت، أي ما يقل عن 26% من ساكنتها.


وعلى عكس تشلحيت، لا تحظى تمازيغت بتمثيلية كبيرة في المدن المغربية الكبرى، حيث إن أكبر ثلاث مدن ناطقة بتمازيغت تتمثل في الخميسات بـ63 ألف ناطقٍ بتمازيغت (ما يعادل 48% من ساكنتها)، تليها خنيفرة بـ59 ألفاً، وتنغير بـ39 ألف ناطقٍ بتمازيغت. كما لا يتواجد الناطقون بتمازيغت بأعداد كبيرة في المدن الكبرى بالمملكة: 35 ألفاً بمكناس (6.5% من الساكنة)، و30 ألفاً بالدار البيضاء (أقل من 1% من الساكنة)، و25 ألفاً بسلا، و13 ألفاً فقط بالرباط. ويصل معدل تمدين الناطقين بالأمازيغية إلى 39%، وهو ما يقل بوضوح عن معدل التمدين الوطني البالغ 60% ومعدل تمدين الناطقين بتشلحيت (49%) والناطقين بتاريفيت (57%).

تضم 206 جماعات ساكنة ناطقة بتمازيغت في غالبيتها، وهي تشكل تكتلاً محيطاً بوسط وشرق الأطلس الكبير والأطلس المتوسط. غير أن التقسيم الجهوي يؤدي إلى انتشار الجماعات الناطقة في معظمها بتشلحيت بين الجهات. وبالكاد تشكل هذه الجماعات الناطقة بتمازيغت الأغلبية في جهة درعة-تافيلالت (68 جماعة من أصل 125)، علماً أن إقليمي تنغير وميدلت هما فقط اللذان يضمان غالبية ناطقة بتمازيغت. كما تشكل هذه الجماعات أقلية نسبية في جهة بني ملال-خنيفرة (61 جماعة من أصل 135)، مع تركز كبير في إقليمي أزيلال وخنيفرة. وأخيراً، تمثل هذه الجماعات ربع جماعات جهة فاس-مكناس (51 جماعة من أصل 199) والمتمثلة في إفران وبولمان وصفرو والحاجب. أما بالنسبة لجهة الرباط-سلا-القنيطرة (18 جماعة من أصل 122) والجهة الشرقية (8 من أصل 124)، فهي تحتل مرتبة جد هامشية. ويبلغ مجموع ساكنة هذه الجماعات 2.3 مليون شخص من بينهم 1.9 من المتحدثين بتمازيغت (83%). وتوجد ضمن هذه الجماعات 115 جماعة تحتضن ما يفوق 90% من المتحدثين بتمازيغت.



في 206 جماعات التي تتجاوز نسبة الناطقين بتمازيغت فيها 50%، فإن “حزب الأصالة والمعاصرة” هو الحزب الذي تصدر اللوائح الانتخابية في الانتخابات الجماعية لسنة 2015 أكثر من غيره (54 مرة)، متبوعاً بحزب “التجمع الوطني للأحرار” (42) ثم “الحركة الشعبية” (36) و”حزب الاستقلال” (20) و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (18) و”حزب العدالة والتنمية” (16) و”حزب التقدم والاشتراكية” (10) و”الحركة الديمقراطية والاجتماعية” و”الاتحاد الدستوري” (4 مرات لكل منهما)، وأخيراً، “حزب البيئة والتنمية المستدامة” (1) و”جبهة القوى الديمقراطية” (1).

وقد حصل “حزب الأصالة والمعاصرة” على أكبر عدد من الأصوات، 132,078 صوتاً من أصل 737,790(أي 18% من الأصوات)، متبوعاً بحزبي “الحركة الشعبية” و”التجمع الوطني للأحرار” اللذين تعادلا (16% لكل منهما)، و”حزب الاستقلال” (14%)، و”حزب العدالة والتنمية” (13%)، وحزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (7%)، و”حزب التقدم والاشتراكية” (7%)، وحزب “الاتحاد الدستوري” (3%)، و”الحركة الديمقراطية والاجتماعية” (2%)، و”تحالف اليسار الديمقراطي” (1%)، و”جبهة القوى الديمقراطية” (1%). وهكذا، أثر تصويت المناطق الناطقة بتمازيغت على “حزب العدالة والتنمية” الذي حصل على معدل أقل بكثير من متوسطه الوطني (8- نقاط)، ويماثله في ذلك حزب “الاتحاد الدستوري”، أما “حزب الاستقلال” فقد حافظ على معدله الوطني. ومن جهة أخرى، كان “الحركة الشعبية” الحزب الأكثر تعبئة (7+ نقاط) متبوعاً بـ”التجمع الوطني للأحرار” (4+ نقاط)، وبنسبة أقل يليهما حزب “الحركة الديمقراطية والاجتماعية” (1+ نقطة) نظراً لتغلغله في إقليم الخميسات بنواحي تافيلالت و”جبهة القوى الديمقراطية” المتواجد بكثافة في خنيفرة (1+ نقطة).
إلا أن الجماعات الناطقة بتمازيغت تلعب حالياً أدواراً جد مختلفة في سباق انتزاع السلطة الجهوية. وهكذا، تجد جهة درعة-تافيلالت نفسها في موضع فريد من نوعه؛ إذ رغم أنها الجهة الوحيدة التي يعتبر أغلب سكانها من الناطقين بتمازيغت، فإن غالبية ساكنة عاصمتها الراشيدية والمناطق المحيطة بها هم من الناطقين بالعربية. وعليه، فإن الجماعات الـ15 التي لا تتجاوز نسبة الناطقين فيها بتمازيغت 40% من الساكنة صوتت لـ”حزب العدالة والتنمية” بمعدل يصل إلى 42%، بينما لم تمنح الجماعات الـ12 التي يتحدث أغلب سكانها بتمازيغت سوى 14% من أصواتها لنفس الحزب. لكن نظراً للتناسبات الديمغرافية، فقد احتل “حزب العدالة والتنمية” الصدارة وتمكن من التفاوض على رئاسة الجهة بدعم من “التجمع الوطني للأحرار” و”الحركة الشعبية”، مقابل حصول “التجمع الوطني للأحرار” على رئاسة المجالس الإقليمية لميدلت وتنغير والراشيدية، و” الحركة الشعبية” على رئاسة المجلس الإقليمي لورزازات.




أما في جهة بني ملال خنيفرة، تكتسي الانقسامات الترابية أهمية كبرى كذلك. فـ”الحركة الشعبية” و”حزب الأصالة والمعاصرة” يهيمنان على المناطق الرئيسية الناطقة بتمازيغت في كل من إقليمي خنيفرة وأزيلال. كما تسيطر “الحركة الشعبية” أيضاً على بني ملال والفقيه بن صالح، بينما يتواجد “حزب العدالة والتنمية” بقوة في مدن الفوسفاط (خريبكة ووادي زم وأبي الجعد) التي تضم نسبة ضئيلة من الناطقين بتمازيغت. وأخيراً، ونظراً لحضوره القوي في إقليم أزيلال، حصل “حزب الأصالة والمعاصرة” على تنازل “الحركة الشعبية” لصالحه، وضمن تعيين إبراهيم مجاهد رئيساً للجهة، وهو أصغر رئيس تولى هذا المنصب.




وينطبق الأمر ذاته على جهة فاس-مكناس حيث حصل محند العنصر على الرئاسة، وهو أمين عام “الحركة الشعبية” منذ 1986، والذي سبق أن شغل منصب وزير الداخلية، ثم منصب وزير التعمير وإعداد التراب الوطني ما بين 2011 و2016. هذا وينحدر محند العنصر من جماعة إيموزار مرموشة حيث تتحدث نسبة 92% من الساكنة بتمازيغت، كما أنه نائب عن إقليم بولمان منذ سنة 1993. إلا أن “الحركة الشعبية” احتلت الرتبة الرابعة على المستوى الجهوي، بفارق شاسع بينها وبين “حزب العدالة والتنمية” الذي حصد 32% من الأصوات بفضل فوزه الساحق في فاس (60% من الأصوات مقابل 3% لصالح “الحركة الشعبية”)، وخلف “حزب الأصالة والمعاصرة” و”التجمع الوطني للأحرار”، متبوعاً بـ”حزب الاستقلال” بفارق بسيط. وقد دعم “حزب العدالة والتنمية” ترشح محند العنصر بسبب ميثاق الشرف الذي يجمع الأحزاب المكونة للحكومة، مقابل الحصول على دعم “الحركة الشعبية” في جهات أخرى، مثل درعة-تافيلالت على وجه الخصوص.




ما زال تصويت الناطقين بتمازيغت يمنح الأفضلية لحزب “الحركة الشعبية” رغم أن هذا الأخير يشهد منافسة قوية من طرف حزبي “التجمع الوطني للأحرار” و”الأصالة والمعاصرة”. وفي المقابل، يتسم هذا التصويت بتأييد أكثر ضعفاً لـ”حزب العدالة والتنمية” الذي يحتل المرتبة الخامسة في الجماعات التي يعتبر أغلب سكانها من الناطقين بتمازيغت. ويتم إدماج هذه الجماعات في المبادلات الانتخابية الكبرى الخاصة بالشخصيات السياسية المحلية التي تستطيع أن تتنقل بين الأحزاب على غرار سعيد شباعتو، حيث كان هذا الأخير نائباً في البرلمان عن دائرة ميدلت، حين تم انتخابه تحت مظلة حزب “الحركة الوطنية الشعبية” (انشقاق “الحركة الشعبية”) سنة 1997، ثم عن حزب “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” في 2002 و2007 و2011، كما أنه شغل منصب رئيس جهة مكناس-تافيلالت سابقاً إلى حدود سنة 2015، ليتقدم بعد ذلك في سنتي 2015 و2016 تحت راية حزب “التجمع الوطني للأحرار”، جالباً معه عدداً هاماً من ناخبيه.
لكن على المستوى الإقليمي، تعطي الديناميات الديمغرافية الأفضلية لـ”حزب العدالة والتنمية” الذي يهيمن على الجماعات التي تنتشر فيها العربية بشكل كبير، وخصوصاً العاصمتين الجهويتين الراشدية وفاس. ونتيجة لذلك، فإن الشبكات الخاصة بتمازيغت تبدو أكثر هشاشة من نظيراتها الخاصة بتشلحيت، خصوصاً فيما يتعلق بضمان الفوز بالسباق السياسي بالجهة.
أخيراً، يبقى التساؤل مطروحاً حول موقع الحركات اليسارية المتطرفة الكبرى المعارضة والتي سادت الجهات الناطقة بتمازيغت. فقد شهدت عدة جماعات مظاهرات تستنكر ضعف السياسات العمومية واستغلال الموارد الطبيعية. إلا أن هذه الاحتجاجات لم تنعكس على أرض الواقع بانتصارات انتخابية لصالح حزب “فيدرالية اليسار الديمقراطي” الذي لم تتجاوز نسبة الأصوات التي حصل عليها 10% في عشر جماعات فقط. هذا وشهد حزب “فيدرالية اليسار الديمقراطي” ما بين انتخابات 2015 و2016 تراجع أنصاره في المجال القروي مقابل حضور أكبر في المناطق الحضرية، حيث تقلص عدد ناخبيه إلى الثلث في إقليم أزيلال، في حين عرف تزايداً قوياً في كل من فاس ومكناس.
]]>واستناداً إلى قواعد بيانات “طفرة”، يتساءل كل من ناتو تارديو ودافيد غوري حول وجود رابط بين اللغة المحلية والسلوك الانتخابي من عدمه. وللإجابة عن هذا التساؤل، يقوم الباحثان بتحليل نتائج الانتخابات الجماعية لسنة 2015 على ضوء بيانات إحصاء 2014.
ونظراً للطابع المجالي لهذه اللغات، سيتم التطرق لكل واحدة منها على حدة، لذلك سيتطرق هذا البحث الأول إلى تشلحيت.
تعتبر تشلحيت اللغة الأمازيغية الأكثر انتشارًا في المملكة بواقع 4.7 مليون متحدث، أي 14% من ساكنة المغرب، متقدمةً بذلك على تمازيغت وتاريفيت. ويمثل المتحدثون بها أزيد من نصف الناطقين باللغة الأمازيغية والبالغ عددهم 8.8 ملايين.
إضافة إلى ذلك، فإنها اللغة الأمازيغية التي تمتد على أكبر مساحة جغرافية في البلاد، إذ يوجد المتكلمون بها في 1512 جماعة من أصل 1538 جماعة في المملكة. هذا التوزيع ناتج على وجه الخصوص عن وجود شتات من التجار الصغار الذين استقروا في كافة أرجاء البلاد، إضافة إلى العمال اليدويين الباحثين عن فرص الشغل.

هناك خمس جهات في المغرب بها نسبة متحدثين بتشلحيت تفوق المعدل الوطني: سوس ماسة، وكلميم واد نون، ومراكش آسفي، ودرعة تافيلالت، إضافة إلى الداخلة وادي الذهب، حيث تتركز نسبة 79% من المتحدثين بها في هذه الجهات. ومع ذلك، فإن جهتين فقط تعرفان غالبية من الناطقين بتشلحيت: جهة سوس ماسة بنسبة 66% من الساكنة (1.765.417 متحدث) وجهة كلميم واد نون بنسبة 50% (218.650 متحدث). وتنخفض هذه النسبة لتصل إلى 26% في جهة مراكش آسفي (1.185.846 متحدث)، و22% في جهة درعة تافيلالت (359.936 متحدث)، و18% في جهة الداخلة وادي الذهب (25.198 متحدث).


وعلى غرار تركز أعداد كبيرة من الناطقين بتشلحيت في الداخلة، تتحدث أعداد كبيرة من السكان بتشلحيت في جماعات مغربية خارج المنطقة التي نشأت فيها اللغة في الأصل. إذ شهدت تشلحيت حركة تمدُّن كبيرة في ظل عيش نسبة تبلغ 49% من المتحدثين بها في المدن. وهكذا يتحدث 10% من سكان الدار البيضاء تشلحيت، أي ما يزيد عن 334.000 شخص، وهو ما يجعل الدار البيضاء أول مدينة تتحدث تشلحيت في المغرب، متقدمة على أكادير (222.000 متحدث بتشلحيت). وبالمثل، يتحدث 9.2% من سكان الرباط تشلحيت، أي أزيد من 52.000 شخص، مقابل 4% من سكان طنجة ووجدة. وأخيراً، يمكن ملاحظة حالات استثنائية لجماعات نائية كقرية الصيد إمليلي جنوب الداخلة (60% من المتحدثين) أو جماعة مولاي أحمد الشريف القروية التي تبعد مسافة 60 كلم عن مدينة الحسيمة (54% من المتحدثين). هذان الوضعان يعيدان إلى الذهن حركات الهجرة التاريخية التي تعاقبت لمدة طويلة، وخاصة النزوح القروي الذي بدأ في القرن الـ20 في اتجاه المدن الاقتصادية الكبرى.
هناك 303 جماعات تضم ساكنةً تصل نسبة المتحدثين فيها بتشلحيت إلى 50%. هنا سنوجه اهتمامنا إلى 301 جماعة تشكل تكتلاً يحيط بواد سوس، الذي يعتبر منطقة تطغى فيها تشلحيت. للإشارة فإن 145 من هذه الجماعات تقع في جهة سوس ماسة التي تشكل القلب النابض لإقليم الشلوح، وهي موزعة على النحو التالي: إقليم تارودانت (66 من أصل 89)؛ إقليم تزنيت (24 من 25)؛ إقليم اشتوكة آيت باها (21 من 23)؛ إقليم طاطا (17 من 20)؛ إقليم أكادير (13 من 13)؛ إقليم إنزكان-آيت ملول (4 من 6). وتنضاف لها جماعات أخرى جنوباً مثل إقليم سيدي إفني (18 من 19) وكلميم (10 من 20)، وشرقاً ورزازات (15 من 17) وزاكورة (9 من 25)، وشمالاً الصويرة (28 من 57) وشيشاوة (26 من 35) والحوز (37 من 40) وأزيلال (13 من 44). من بين هذه الجماعات، تتوفر 255 جماعة على معدل مرتفع من الناطقين بتشلحيت يصل إلى 90%، ما يؤشر على وجود هيمنة لغوية لا غبار عليها.



في هذه المنطقة التي تُعتبر فيها تشلحيت هي لغة الأغلبية وتكاد الساكنة تتحدثها بشكل حصري، فإن حزب “الأصالة والمعاصرة” هو الذي تصدر أغلب النتائج الانتخابية لسنة 2015 (في 72 مناسبة)، متبوعاً بـ”التجمع الوطني للأحرار” (64)، و”الاستقلال” (52)، و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (36)، و”العدالة والتنمية” (26)، و”الحركة الشعبية” (24)، وأخيراً كل من “التقدم والاشتراكية” و”الاتحاد الدستوري” (13).
ومع ذلك، لا يخلو هذا الواقع من تمركزات حزبية-مجالية، حيث يهيمن “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” على إقليمي سيدي إفني وكلميم، نظراً لنفوذ الأخوين محمد وعبد الوهاب بلفقيه، بينما يبقى كل من إقليم تزنيت وعمالة أكادير تحت عباءة “التجمع الوطني للأحرار” في ظل نفوذ عزيز أخنوش، في حين يحظى “الاستقلال” بدعم إقليم تارودانت بفضل عبد الصمد قيوح. هذا ويتحكم حزب “الأصالة والمعاصرة” في اشتوكة آيت باها والحوز وشيشاوة، وأخيراً يهيمن حزب “الحركة الشعبية” على إقليم ورزازات، بفضل سعيد أمسكان. في ظل هذه التكتلات الإقليمية، يكرس حزب “العدالة والتنمية” مكانته في الجماعات الحضرية أساساً (9)، حيث يهيمن خاصة في مدينة أكادير والبلدات المتاخمة لها كالدشيرة الجهادية وإنزكان وآيت ملول بأكثر من 50% من الأصوات، وكذا في الدراركة بنسبة 40% من الأصوات المحتسبة. علاوة على ذلك، فهو يتصدر النتائج في تزنيت كما في البلديات الصغيرة مثل أقا وفم الحصن في إقليم طاطا.



نتيجة لذلك، حصل “العدالة والتنمية” على أكبر عدد من الأصوات في الجماعات الـ303 التي تضم أغلبية من المتحدثين بتشلحيت، وهو 203.138 صوتاً من أصل 967.944، أي بنسبة 22%، متبوعاً بـ”الأصالة والمعاصرة” (20%) و”التجمع الوطني للأحرار” (%15.5) و”الاستقلال” (%15.2) و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (9.5%)، و”التقدم والاشتراكية” (%7) ثم “الحركة الشعبية” (%6.7). هذا ولم يتأثر “حزب العدالة والتنمية” بشكل كبير بأصوات المتحدثين بتشلحيت، حيث حقق الحزب نتائج أعلى بقدر طفيف من معدله الوطني، وهو يماثل في هذا كلا من حزب “الأصالة والمعاصرة” و”الاستقلال”، في حين أن الأحزاب التي كان أداؤها ضعيفاً هي الأحزاب الإدارية مثل “الاتحاد الدستوري” و”الحركة الشعبية”، وهو ما صب في صالح “التجمع الوطني للأحرار” (3.5+ نقطة) و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (1.9+ نقطة) و”التقدم والاشتراكية” بنسبة أقل (1.3+ نقطة).
لا يختلف تصويت المتحدثين بتشليحت كثيراً عن التصويت الوطني الذي ينقسم إلى تصويت حضري في معظمه لصالح “العدالة والتنمية”، الذي حصل على 93.802 صوتاً من أصل 241.676، وتصويت قروي من طرف تكتلات إقليمية متمحورة حول شخصيات بارزة من الأعيان.
وينبغي هنا التأكيد على قدرة الشبكات السياسية ذات الأصل “الشلح” على تصدير رقعة نفوذها من جهة سوس إلى المدن الكبرى في المغرب، خاصة منها الدار البيضاء. هذا ما يفسر مثلاً أن محمد ساجد من “الاتحاد الدستوري” كان نائباً عن تارودانت من 2002 إلى 2011 وفي ذات الآن رئيساً لجماعة الدار البيضاء من 2003 إلى 2015. ومؤخراً، فإن أمينة ماء العينين، التي سبق انتخابها عضواً في المجلس البلدي لتزنيت في 2009 عن “العدالة والتنمية” ثم نائبة عن اللائحة الوطنية في 2011، قد انتخبت في سنة 2016 في دائرة الحي الحسني في الدار البيضاء. وأخيراً، تجدر الإشارة إلى أن سعد الدين العثماني كان قد انتُخب في بادئ الأمر في مسقط رأسه بإنزكان من سنة 1997 إلى غاية سنة 2011، وذلك قبل فوزه في دائرة المحمدية.
]]>يرتبط مصير مدينة جرادة ارتباطاً وثيقاً باستغلال مورد هام للفحم الحجري (“الأنتراسيت”) منذ سنة 1927 وبشركة “مفاحم المغرب”، حيث ساهم تطور النشاط المنجمي في تنمية المدينة. غير أن قرار إغلاق المنجم سنة 1998 ووقف النشاط بصورة نهائية في 17 يوليو 2000 قد أديا إلى انهيار الحركة الاقتصادية وتسريح أزيد من 5500 عامل.
وحتى يومنا هذا لم يفلح أي حل بديل في التعويض عن إغلاق المنجم، حيث انخفض تعداد ساكنة المدينة بشكل ملحوظ مع رحيل أزيد من 25% من السكان عنها، لتتراجع من 59.294 نسمة في 1994 إلى 43.916 في 2004، في الوقت الذي ارتفعت فيه ساكنة المغرب بنسبة 14%. وتواصل هذا الانخفاض في المدينة مع فقدانها 1% من ساكنتها في الفترة ما بين 2004 و2014، حيث بلغت 43.506 نسمة، في الوقت الذي ارتفعت فيه الساكنة الحضرية في المغرب بنسبة 24%. وعلى النحو ذاته، تراجعت الساكنة النشيطة لتستقر في حدود 13.000 شخص في سنة 2004، في الوقت الذي ارتفعت فيه الساكنة النشيطة في المغرب بنسبة 23% في الفترة ما بين 2004 و2014. وتتوفر جرادة على معدل نشاط سكاني أقل بسبع نقاط من معدل المدن المغربية (67% بالنسبة للرجال و17% للنساء)، إضافة إلى معدل بطالة أعلى بمرتين، حيث بلغ 37% في سنة 2014 مقابل 19% في باقي المدن المغربية، مع نسبة 30% لدى الرجال و67% لدى النساء. تجدر الإشارة إلى أن ست جماعات حضرية مغربية فقط تتوفر على ظروف تشغيل أسوأ.


لقد خلق انهيار النشاط المنجمي حلقة مفرغة تتسم بتراجع كافة الأنشطة الاقتصادية الأخرى، وهو ما يمكن ملاحظته بالخصوص في قطاع البناء والأشغال العمومية من خلال سوق الإسكان. إذ تتوفر جرادة على ثاني أضعف معدل سكن لمدة تقل عن 10 سنوات من بين الجماعات الحضرية المغربية، إذ لا يتجاوز 4% من العرض الإسكاني مقابل معدل 21% في الجماعات الحضرية المغربية، خلف تويسيت الواقعة في نفس الإقليم (مع استثناء جماعات المشاور الفردية التابعة للقصور الملكية). كما تتوفر جرادة على ثالث أضعف معدل سكن لمدة تتراوح بين 10 و20 سنة، حيث يمثل 7% من العرض الإسكاني. وأخيراً، تتوفر المدينة على ثاني أعلى معدل مساكن تتراوح أعمارها بين 20 و50 سنة، وهي المساكن التي تعود إلى فترة النمو الحضري الكبير الذي شهدته المدينة قبل تراجع النشاط المنجمي بدءاً من سنة 1992.
وبينما كانت المساكن التي يقل عمرها عن 20 سنة تمثل نسبة 42% من إجمالي المساكن بالمغرب سنة 2014، لم تتجاوز هذه النسبة في جرادة 11%، وهو ما يدل على ضعف جاذبية المدينة، وكذلك على ضعف كبير في آفاق التشغيل في قطاع البناء والأشغال العمومية. وبموازاة ذلك، تملك الأسر نسبة 84% من المساكن، مقابل معدل 62% في باقي المدن المغربية، وهو ثالث أعلى معدل بين الجماعات الحضرية. فقد استفاد السكان من بيع المساكن التابعة لشركة “مفاحم المغرب” بسعر رمزي خلال التصفية التي تمت في الفترة ما بين 2000 و2003. غير أنه ومنذ ذلك الحين، لم تعد المدينة تجذب العديد من العمال باستثناء الموظفين. هذا المعدل المرتفع جداً من المالكين يؤدي أيضاً إلى ما يعرف بـ”المطب”، حيث تتردد الأسر في مغادرة المدينة التي يتوفرون فيها على مسكن في ظل غياب إمكانية بيعه لبدء حياة جديدة في مدينة أخرى.


ومع ذلك، لا تعد جرادة من بين الجماعات الأقل تنمية في المغرب، حيث إن مؤشر التنمية المحلية الخاص بها يفوق المعدل الوطني: 0.787 مقابل 0.6، وهو سابع أفضل معدل في الجهة الشرقية. إضافة إلى ذلك، لا تندرج جرادة ضمن الجماعات الأكثر فقراً في المغرب في سنة 2014، حيث يستقر مؤشر الفقر متعدد الأبعاد الخاص بها في 0.007، مقارنة بالمعدل الوطني المتمثل في 0.07، كما أنها تحتل المركز الخامس بين الجماعات الأقل تأثراً بالفقر في الجهة الشرقية.
بيد أن هذه الأرقام تسلط الضوء على مكتسبات مرتبطة بفترة النشاط المنجمي وسياسات التجهيز التعويضية التي تلتها. لذلك ففي سنة 2004، كان مؤشر الفقر متعدد الأبعاد منخفضاً بالفعل، حيث استقر في 0.034 مقابل 0.05 في باقي مدن المملكة. لكن ركود النشاط الاقتصادي ينعكس في ظاهرة تراجع المستوى الاجتماعي، خاصة مع استمرار مؤشر الفقر المرتبط بالدخل الذي كان معدله 0.087 في 2004، مقابل 0.12 في المدن المغربية الأخرى، والذي بالكاد بلغ 0.084 في 2014، في حين أنه لا يتجاوز ثلث هذا الرقم في المدن المغربية الأخرى. وقد باتت جرادة تندرج ضمن 12% من الجماعات الحضرية التي ترتفع فيها نسبة الفقر المرتبط بالدخل، رغم توفر السكن والبنيات التحتية.





وهكذا رغم أن السكان يتوفرون على معدلات أكثر ارتفاعاً من معدل المدن المغربية الأخرى من حيث الوصول إلى الماء الشروب (97% مقابل 87%)، والكهرباء (96% مقابل 94%) ودورات المياه (68% مقابل 55%)، فإن وصولهم إلى التجهيزات المنزلية الحديثة مثل الإنترنت (13% مقابل 20%) أو الحاسوب المحمول (20% مقابل 28%). وهكذا أصبحت جرادة من بين 20% من المدن التي تتوفر على أدنى معدلات اقتناء التجهيزات مثل الحاسوب المحمول والإنترنت، بل إنها المكان الأبرز في الإقليم حيث يوجد أدنى معدل في المغرب من حيث الوصول للإنترنت وثاني أدنى معدل فيما يتعلق بامتلاك حاسوب محمول. هذا الأمر يعكس نوعاً من عدم الاستقرار لدى السكان الذين لا يعملون في وظائف عمومية مرتبطة بمركز الإقليم.


لذلك يبدو أن المدينة تقبع في مستوى معيشة ضعيف دون الاستفادة بشكل حقيقي من أي فرص اقتصادية جديدة منذ أكثر من عشرين سنة. ونتيجة لذلك، أصبح الاستخراج غير القانوني للفحم من بين مصادر الدخل المحلية النادرة، كما أن سكان جرادة لا يستهلكون سوى نسبة قليلة من الفحم المنتج، حيث لا تتجاوز نسبة الأسر التي تستخدمه للطبخ 1.1%، وهو معدل مماثل للمتوسط الوطني. فعمال المناجم يفضلون تسويقه بدلاً من استهلاكه. علاوة على ذلك، تسمح هذه الوضعية بفهم أولى الاحتجاجات التي انطلقت في 2017 منددة بارتفاع تكاليف الماء والكهرباء، وهي الخدمات التي لطالما قدمتها شركة “مفاحم المغرب”، لكنها باتت اليوم تثقل كاهل الأسر التي يظل مدخولها ضعيفاَ، دون أي فرص للتحسن.
إن السياقات الخاصة بالنشاط المنجمي ثم بما بعده قد أدت إلى سلسلة من التعاقبات السياسية المرتبطة بشكل وثيق بالتحولات الاقتصادية.
ففي منطقة خضعت تاريخياً لهيمنة “حزب الاستقلال” منذ 1963، كان النقابيون هم الأكثر نشاطاً في الاضرابات الكبرى، خاصة تلك التي شهدتها سنة 1989، وقد فرضوا وجودهم انتخابياً في جرادة خلال فترة الانتقال الديمقراطي. وقد فاز لحسن الغالي من “الكونفدرالية الديمقراطية للشغل”، المركزية النقابية التابعة لـ”حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية”، وهو معتقل سياسي سابق، بالانتخابات البلدية والتشريعية في 1997 بدائرة جرادة التي كانت في قبضة “الاستقلال” قبل ذلك. وهكذا اضطلع بمهام رئيس الجماعة ونائبها، لكنه واجه اتهامات بالدفاع عن مصالح عمال شركة “مفاحم المغرب” فقط، وعدم التفاوض حول بديل ملائم: وبالتالي فقدت المدينة 25% من سكانها خلال فترة ولايته.
بعد ذلك، أدى ضعف فرص التشغيل إلى ظهور شخصيات معارضة تجمع بين مصالح الذين همشتهم اتفاقيات الخروج من المناجم، أي المتعاقدين باطنياً والشباب العاطلين من حاملي الشهادات الذين لم تشملهم اتفاقيات التوظيف لسنة 1998. وهكذا أصبح “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” أكثر ضعفاً وعرضة للانتقاد. وقد عانى الحزب لإيجاد مرشح للانتخابات التشريعية لسنة 2002، رغم البعد الرمزي المهم للمدينة، وحصل على أقل من 5% من الأصوات المحتسبة (1075 صوتاً من بين 22.194) في إطار اللائحة الانتخابية الجديدة على مستوى الإقليم.
وقد دعم الناخبون المعارضون المختار الراشدي، وهو عاطل من حاملي الشهادات، تحت مظلة التجمع الاشتراكي الموحد، حيث تصدر نتائج الانتخابات بـ4001 صوتاً، بنسبة 18% من الأصوات المحتسبة، متجاوزاً بذلك المرشح الاستقلالي. وقد أعيد انتخابه في 2007 تحت راية نفس التجمع، “حزب الطليعة الديمقراطي الاشتراكي”-“حزب المؤتمر الوطني الاتحادي”-“حزب التجمع الاشتراكي”، وحصل على 3647 صوتاً، بينما في 2011، تم انتخابه كمرشح عن “الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” بـ3788 صوتاً، وذلك حين دعا “الحزب الاشتراكي الموحد” إلى مقاطعة الانتخابات.
وبموازاة ذلك، بدأ مجموعة من الأعيان الجدد في البروز في إطار تطوير اقتصاد فحم جديد. فانطلاقاً من سنة 1998، حصل عمال شركة “مفاحم المغرب” القدامى على تراخيص من أجل التنقيب عن الفحم واستغلاله وبيعه، ثم قاموا بتنظيم حلقة اقتصادية جديدة عبر الربط بين مجموعات من العمال غير الرسميين الذي يستخرجون الفحم الحجري بشكل غير قانوني والمشترين، خاصة الإدارات، من أجل تدفئة المباني العمومية، أو المكتب الوطني للماء والكهرباء من أجل محطات توليد الطاقة الحرارية. وقد كان هذا الوضع يضمن لهم تقدماً اجتماعياً سريعاً كما يخول لهم استغلال شبكات سياسية جديدة: وبالتالي أصبح هؤلاء بمثابة الرعاة الجدد الذين يتوفرون على قاعدة مهمة من الزبائن.
وهكذا في سنة 2003، فاز محمد داغو، مؤسس شركة “داغو شاربو” التي تأسست قبل ذلك بثلاث سنوات، برئاسة الجماعة الحضرية، بعد أن اختار الترشح تحت مظلة “حزب العهد”. وقد أعيد انتخابه في 2009 كمرشح عن “حزب الأصالة والمعاصرة”، الذي كان “حزب العهد” من الأحزاب التي شكلته نواته الأولى. وفي سنة 2011، جاء دور مباركة توتو، المنتمية لـ”حزب الأصالة والمعاصرة” والمدعومة بقوة من قبل أخيها مصطفى توتو الذي يدير شركتي “Best Charbon” وشركة “Société Minière Top“، للترشح في الانتخابات التشريعية. وقد فازت توتو في الانتخابات بـ7123 صوتاَ أمام المختار الراشدي، حيث تجاوزت تعبئتها جماعة جرادة لتصل إلى كافة أرجاء الإقليم. وفي عام 2015، تولت رئاسة البلدية خلفاً لمحمد داغو، الذي حل رغم ذلك أولاً في الانتخابات عن “حزب الاستقلال”، وقد عهد إليها “حزب الأصالة والمعاصرة” بهذا المنصب بسبب نشاط أخيها. وقد اتحدت مباركة توتو مع البشير أمنون أوباها، وكيل لائحة “الاتحاد الدستوري” وصاحب شركة “صوريكس مين” (“Sorexmine”) الذي أصبح النائب الأول لرئيسة بلدية جرادة.
هذا وتجدر الإشارة إلى أن “حزب الأصالة والمعاصرة” لم يستقطب سوى 14% من الناخبين في مدينة جرادة مقابل 29% لفائدة “حزب الاستقلال” و25% لـ”حزب العدالة والتنمية”. وينطبق الأمر نفسه على “حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” الذي لم يحصل سوى على 5% من أصوات الناخبين في جرادة. وقد شهدت الجماعة الحضرية لجرادة نسبة مشاركة ضعيفة بلغت 40% فقط من المسجلين، ما يعزز شبكات الزبونية الجديدة بسبب العزوف الانتخابي في صفوف شبكات الناشطين. وتعد هذه النسبة هي الأدنى في إقليم يعرف تعبئة واسعة النطاق (بمعدل 70%) وثالث أدنى نسبة في الجهة الشرقية بعد وجدة وبركان وجرسيف. وتندرج جرادة ضمن 5% من الجماعات الأقل تعبئة فيما يتعلق بالانتخابات البلدية. لذلك، فإن فوز “حزب الأصالة والمعاصرة” في الانتخابات الإقليمية يرتكز بالأساس على الجماعات القروية، كما هو الحال بالنسبة لـ”حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” الذي احتل الرتبة الثانية.






En 2016, ce sont Mustapha Toutou avec 8358 voix et Yassine Daghou (le fils de Mohamed Daghou) avec 4525 voix qui sont élus députés [5]. La figure militante historique, Mokhtar Rachdi, ne recueille que 2678 voix. Il est donc largement battu malgré sa très forte activité au parlement, avec pas moins de 2139 questions écrites et orales adressées au gouvernement en cinq ans, principalement sur la situation socio-économique de Jerada, alors que Mbarka Toutou n’en avait posé que 13 sur la même période. Cette défaite est d’autant plus forte que le parti avait recueilli lors des élections régionales de 2015 plus de 6819 voix et s’était classé deuxième devant l’Istiqlal. Le PJD connaît aussi une forte ascension avec 4507 voix sur la liste locale. Yassine Daghou ne remporte son siège que de 18 voix alors que l’Istiqlal est en troisième position des votes pour la liste nationale derrière le PJD de 306 voix.
في سنة 2016، تم انتخاب كل من مصطفى توتو بـ8358 صوتاً وياسين داغو (ابن محمد داغو) بـ4525 صوت، فيما لم يحصل المناضل التاريخي، المختار الراشدي، سوى على 2678 صوتاً، فتعرض بذلك لهزيمة كاسحة رغم نشاطه القوي داخل قبة البرلمان، حيث إنه وجه ما لا يقل عن 2139 سؤالاً كتابياً وشفوياً للحكومة خلال خمس سنوات، خاصة حول الوضعية السوسيو-اقتصادية لجرادة، بينما لم تطرح مباركة توتو سوى 13 سؤالاً خلال نفس المدة الزمنية. ما زاد من وقع هذه الهزيمة أن الحزب قد حصل أثناء الانتخابات الجهوية لسنة 2015 على ما يزيد عن 6819 صوت محتلاً بذلك المرتبة الثانية أمام “حزب الاستقلال”. من جهته، حقق “حزب العدالة والتنمية” صعوداً قوياً بـ4507 أصوات، فيما حصل ياسين داغو على مقعده بفارق 18 صوتاً فقط.
يتضح إذاً أن شبكات الزبونية التي أحدثها رجال الأعمال في مجال الفحم، الملقبون محلياً بـ”بارونات الفحم”، باستطاعتها تعبئة عدد مهم من الناخبين مقارنة بالشبكات الاحتجاجية المنهكة بسبب غياب حل حكومي دائم. ومع ذلك، يتم توجيه الاتهامات لهؤلاء الأعيان بانتظام من خلال مظاهرات مهمة، كالتي نظمت في ديسمبر 2009 بسبب انخفاض سعر شراء الفحم المستخرج الراجع بشكل مباشر للعلاقات بين عمال المناجم غير القانونيين والبائعين، وتلك التي اندلعت سنة 2017 بسبب وفاة شقيقين في بئر عشوائية للفحم، في ظل التوتر المتعلق بفواتير المياه والكهرباء، وهو ما يشكل أزمة كبرى بالنسبة للقدرة الشرائية وتراجع المستوى الاجتماعي للساكنة.
يندرج حراك جرادة ضمن دينامية احتجاجية ضاربة في القدم ومرتبطة بمسألة استغلال الفحم، إلا أن الانصراف الحكومي عن هذه المدينة قد أدى إلى بروز أعيان وفاعلين جدد سيطروا بشكل تدريجي على الهيئات المنتخبة على حساب النشطاء المحتجين. والحال أن “بارونات الفحم” الذين يكيل لهم النشطاء اليساريون الانتقادات يبدون في نهاية المطاف على أنهم البديل الوحيد بالنسبة لساكنة تعاني من هشاشة متفاقمة. فإذا كانت ثروات هؤلاء البارونات تزداد بشكل هائل، فإنك تجدهم من جهة أخرى يوفرون مداخيل نقدية لا يستهان بها في سياق غير مسبوق من التهميش الاقتصادي، حيث يحدثون شبكات للتعاون وإعادة التوزيع تضمن لهم أصواتاً (زبناء) في الانتخابات. لقد كثرت المقارنات بين حراك جرادة وحراك الحسيمة رغم اختلاف الدينامية التاريخية لكل من المدينتين. ومع ذلك، فإنهما تعيشان حالياً نفس الوضعية المتمثلة في نسبة بطالة مرتفعة وآفاق اقتصادية جد محدودة. هذا ومن المثير للاهتمام أن المدينتين تتشاركان في الخاصية التالية: ارتفاع متوسط سن الزواج، الذي يبلغ في جرادة 31.2 سنة وفي الحسيمة 32.3 سنة، وهما الأعلى بالمقارنة مع باقي المدن المغربية التي يبلغ فيها هذا المتوسط 28.7 سنة. وإلى جانب سيدي إفني التي شهدت هي الأخرى حركات اجتماعية في سنة 2008، فإن هذه المناطق الثلاث الرئيسية في أقاليمها هي التي يتزوج فيها الشباب في سن متأخرة، وهو دون شك أحد المؤشرات الكبرى على خيبة أملهم تجاه ما قد يحمله المستقبل من فرص.
]]>ويسعى هنا عالم الجغرافيا دافيد غوري إلى تسليط الضوء على الرهانات السوسيو-اقتصادية الكامنة وراء الحراك، وذلك من خلال اللجوء إلى خرائط خاصة بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة، معتمداً في ذلك على طريقتين تمثيليتين: خريطة الجماعات المحلية حسب مساحتها، وخريطة بيانية لهذه الجماعات حسب ثقلها الديمغرافي.

في سنة 2004، كان معدل الفقر في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة من بين أعلى معدلات الفقر في المغرب (تم قياسه عن طريق مؤشر الفقر متعدد الأبعاد). إذ إن تنفيذ برامج البنية التحتية في إقليمي الحسيمة وشفشاون طاله تأخير كبير، كما أن مستوى العيش في الإقليمين كان دون المعدل المسجل في المغرب. وهكذا في سنة 2004، بلغ معدل جماعات الحسيمة في مؤشر الفقر متعدد الأبعاد 22% مقابل 18.1% في باقي مناطق البلاد. غير أن زلزال 24 فبراير 2004 أظهر الهشاشة الكبيرة التي يعاني منها الإقليم. وبالتالي، تم توظيف استثمارات كبيرة جداً، سواء في مجال البنية التحتية أو الإسكان أو حتى الوصول إلى الخدمات الأساسية مثل الرعاية الصحية، خاصة بفضل المبادرة الوطنية للتنمية البشرية.

وفي سنة 2014، كان معدل مؤشر الفقر متعدد الأبعاد قد تراجع بصورة كبيرة، وشهدت الجماعات انتعاشاً حقيقياً، حيث أصبح معدلها في هذا المؤشر 6% مقابل 7% في باقي أنحاء المغرب. كما حلت مدينة الحسيمة وجماعتا إمزورن وبني بوعياش المجاورتان لها ضمن الجماعات (البالغة نسبتها 10%) الأقل فقراً في المغرب بمعدل يصل إلى 0.6% في مؤشر الفقر متعدد الأبعاد.
بيد أن الانخفاض الكبير في معدل الفقر لم يسفر عن تحسن شامل في ظروف العيش السوسيو-اقتصادية، بل على العكس من ذلك، تظل مدينة الحسيمة ونواحيها تعاني من معدل بطالة مرتفع جداً يتجاوز 21%، وهو ما يفوق بكثير المعدل الجهوي للجماعات الذي يستقر في 12%.


وتبقى مدينة الحسيمة بعيدة عن الدينامية الاقتصادية الجهوية، مع توفرها على أحد أضعف معدلات التشغيل في القطاع الخاص، حيث لا يتجاوز 42%، في حين يفوق 50% في باقي مدن الجهة. وبالتالي، لم تنجح الاستثمارات الحكومية في تحفيز الاستثمارات الإنتاجية الخاصة. ونتيجة لذلك، يجد السكان، والشباب على وجه الخصوص، أنفسهم دون آفاق تذكر، لكن دون أن تصل ظروف عيشهم إلى درجة العوز.



هذا وتسمح إعادة بناء المدينة للأسر بالتوفر على منازل جديدة، بينما يظل معدل السكن العشوائي ضعيفاً جداً حيث لا يصل إلى 3%. وأخيراً، فإن انخفاض أسعار المنتجات الاستهلاكية، وخاصة خدمات الهاتف، قد أدى إلى ارتفاع نسبة اقتناء التجهيزات المنزلية، حيث تتوفر 96% من الأسر بالحسيمة على هاتف محمول مقارنة بمعدل 88% في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، كما تعد نسبة اقتناء التجهيزات المنزلية بالحسيمة من بين الأعلى فيما يخص خدمة الإنترنت (المرتبة الثالثة على مستوى الجهة بنسبة 34% من الأسر) ومن حيث عدد الأسر التي تتوفر على حاسوب خاص (المرتبة الثانية على مستوى الجهة بنسبة 40% من الأسر).

مع ذلك، يجب التأكيد على استمرار عجز حاد فيما يتعلق بالوصول إلى الخدمات الصحية في المناطق القروية في الجماعات القريبة من المدينة. إن هذا الفشل في تقديم الخدمات العمومية ينطوي على شعور بانعدام المساواة على المستوى الإقليمي يتجلى في التضامن مع المجتمعات الجبلية.
في سنة 2011، كان إقليم الحسيمة واحداً من بين أكثر الأقاليم تعبئة أثناء قيام حركة 20 فبراير، ما أدى إلى ظهور تدفقات كبيرة من المشاركين تشهد على قوة الحركات الاحتجاجية. وقد استمرت هذه الاحتجاجات في سنة 2011 لتتجلى في معدل مشاركة ضعيف في الانتخابات التشريعية لنفس السنة وصل إلى 37%، ما جعله في الرتبة 12 من بين أضعف المعدلات في البلاد.
ورغم أن “حزب الأصالة والمعاصرة” المقرب من القصر كان يتعرض لانتقاد شديد من المتظاهرين، إلا أنه تصدر الانتخابات بنسبة 28% من الأصوات المحتسبة البالغ عددها 686 57، أي أنه حصل على 484 16 صوتاً مقارنة بـ”حزب الاستقلال” (426 12 صوتاً)، و”الحركة الشعبية” (9613 صوتاً) و”الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية” (5584 صوتاً).


بعد ذلك بأربع سنوات، ارتفع معدل المشاركة في الانتخابات الجماعية والجهوية في 4 سبتمبر 2015 بشكل كبير حيث تضاعف تقريباً عدد الأصوات المحتسبة (439 100) في إقليم الحسيمة على سبيل المثال، لكنه ظل أقل من 50% في عدد كبير من جماعات جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، خاصة في المدن الكبرى. كما أنه في مدينة الحسيمة، لم يشارك في الانتخابات سوى 31% من الأشخاص المسجلين، مقارنة بمعدل 60% في الجماعات الأخرى من الإقليم، وهو أضعف معدل مشاركة في الإقليم، متبوعاً بإمزورن بنسبة 44%. ويأتي هذا المعدل أيضاً في المرتبة 15 وهو أضعف معدلات المشاركة في الجماعات على صعيد المغرب، وفي المرتبة الثانية في جهة طنجة-تطوان-الحسيمة.




مع ذلك، حل “حزب الأصالة والمعاصرة” المقرب من القصر في الصدارة بفارق كبير في الأصوات في 25 جماعة من بين 33، بنسبة تتجاوز 46% من الأصوات المحتسبة. وقد فاز الحزب بالرئاسة في 23 جماعة، من بينها الحسيمة وإمزورن. هذا وقاد إلياس العماري المنحدر من الإقليم حملة انتخابية مكثفة، حيث قام بزيارة الجماعة القروية النكور (كان عدد سكانها يبلغ 8963 شخصاً في 2014) شخصياً من أجل الفوز برئاسة المجلس الجهوي. وقد نجح العماري في تعبئة 766 44 ناخباً، مضاعِفاً عدد الموالين للحزب بثلاث مرات، حيث ركز بشكل كبير على الجماعات القروية التي ترتفع فيها نسبة المشاركة وحيث يمكن أن يتجاوز الحزب نسبة 60% من الأصوات المحتسبة، وبذلك سيطر “حزب الأصالة والمعاصرة” على المجلس الإقليمي. زد على ذلك أنه بفضل أصوات إقليم الحسيمة، تمكن الحزب من التفوق على “حزب العدالة والتنمية” وحصل على رئاسة جهة طنجة-تطوان-الحسيمة بفضل دعم كل من “الحركة الشعبية” و”التجمع الوطني للأحرار”.
وفي 17 أكتوبر 2015، استفاد الإقليم من برنامج تنموي مهم أطلقه الملك محمد السادس، يحمل مسمى “الحسيمة، منارة المتوسط”، حيث تمت تعبئة مبلغ 6.5 مليار درهم من أجل تزويد الإقليم، وخاصة مدينة الحسيمة، بتجهيزات كبرى بهدف تعزيز جاذبيتها.
وفي يناير 2016، سمحت النجاحات السياسية التي حققها إلياس العماري بأن يصبح الأمين العام لـ”حزب الأصالة والمعاصرة” من أجل الاستعداد للانتخابات التشريعية في 7 أكتوبر 2016، غير أن المشاركة عرفت انخفاضاً بنسبة 21% على المستوى الإقليمي، حيث تراجع عدد الأصوات المحتسبة من 439 100 إلى 728 79 في 2016. ومع ذلك، كان “حزب الأصالة والمعاصرة” نسبياً أقل المتأثرين بهذه الدينامية، حيث لم يخسر سوى 8% من ناخبيه لسنة 2015، ما سمح له بالحصول على أزيد من 52% من الأصوات المحتسبة، محققاً ثاني أفضل أداء له في المنطقة على الصعيد الوطني. ونتيجة لذلك، هيمن “حزب الأصالة والمعاصرة” على المشهد الانتخابي في سياق يشهد ارتفاعاً في نسبة العزوف عن التصويت.
في 28 أكتوبر 2016، بعد الانتخابات بأقل من ثلاثة أسابيع، لقي بائع السمك محسن فكري حتفه سحقاً بآلية الضغط الخاصة بشاحنة نفايات في الحسيمة، حين كان يحتج على مصادرة بضاعته، التي كانت عبارة عن سمك “أبو سيف” الذي أخرجه بطريقة غير قانونية من الميناء. وقد أدت فظاعة الصور إلى موجة من الغضب والمظاهرات في ليلة 29 أكتوبر، حيث استمرت هذه المظاهرات ليتمخض عنها “الحراك” الذي كان يهدف إلى التنديد بالتأخير الذي تعرفه مجموعة من مشاريع البنية التحتية، خاصة الطرقية منها (حيث ما تزال الأشغال قائمة في محور تازة – الحسيمة)، فضلاً عن الاختلالات في النظام الاستشفائي، وعدم وجود جامعة وأخيراً غياب الفرص الحقيقية أمام الشباب، المحكوم عليهم إما بالهجرة أو الأنشطة غير النظامية، أي أنشطة التهريب وتلك غير المشروعة.
وفي 26 مارس 2017، وصل “الحراك” إلى جماعتي إمزورن وبني بوعياش حيث وقعت اشتباكات مع قوى الأمن. وقد تصاعد التوتر بين المتظاهرين والسلطات، فيما عرف “الحراك” انتشاراً واسعاً على شبكات التواصل الاجتماعي عبر وسائل الإعلام المحلية. كما ازدادت تعبئة الساكنة طوال شهر مايو، بالرغم من تدخل الحكومة وزيارة عدد من الوزراء للمنطقة. هذا ولم يؤد اعتقال عدد من شخصيات الحراك البارزة، خصوصاً ناصر الزفزافي (في 30 مايو) عقب مقاطعته لخطبة الجمعة في 26 مايو بمسجد محمد الخامس بالحسيمة، إلى فقدان الحراك لزخمه، حيث حصل على دعم متزايد في بقية أنحاء البلاد، كما تم تنظيم مسيرة كبرى في الرباط لدعمه في 11 يونيو. ولم تخف حدة التعبئة إلا بعد حملة اعتقالات واسعة، لاسيما بعد اشتباكات 20 يوليو.
في الختام، يندرج “حراك” الحسيمة ضمن الديناميات الاجتماعية والسياسية المعقدة. أولاً، لم يُمَكن الحد من الفقر وإقامة البنيات التحتية من خلق دينامية اقتصادية مولدة لفرص العمل. إلا أنها أتاحت وصولاً هائلاً لتكنولوجيات المعلومات والاتصالات الحديثة (الهاتف المحمول والحاسوب والإنترنت)، لتصبح هذه الأخيرة هي الوسائل الرئيسية للتعبير السياسي الذي سمح بتنظيم مظاهرات كبرى في 2011 و2016 و2017 ومن ثم نشر المطالب المحلية على المستوى الوطني.
وهكذا، تُحرر شبكات التواصل الاجتماعي المواطنين من الهياكل التقليدية للتأطير السياسي، خاصة الممثلين المنتخبين. هذا ومن الممكن ملاحظة أنه كلما زاد اتصال المواطنين بالانترنت، ارتفع معدل العزوف عن التصويت في الانتخابات. لذلك، حتى مع حصول حزب كـ”حزب الأصالة والمعاصرة” على شبه هيمنة سياسية في أعقاب انتخابات 2015 و2016، فإن شرعية المسؤولين المنتخبين آخذة في التناقص لأنهم مدعومون من قبل مجموعة محدودة من المواطنين.
وبالرغم من المشاريع التي تم إنجازها والإعلان عن مشاريع أخرى أكثر طموحاً، فإن كل هذه المشاريع تبدو غير قادرة على الاستجابة لتوقعات المواطنين الأساسية، وأهمها الحصول على وظائف لائقة وخدمات عمومية فعالة. وهكذا يقوم المواطنون بالتعبئة من أجل مساءلة الحكومة مباشرة، مما يؤكد فقدان المنتخبين المحليين والعمليات الانتخابية للمصداقية.
]]>